الرأي

حتى لا يقضي الذكاء الاصطناعي على الذكاء؟

منذ أن خُلق الإنسان، والذكاء هو الذي يصنع الفارق ما بين الأفراد، بالرغم من الاعتراف بكونه القوة الموجهة للرأي الرشيد والجوهر العقلاني للإنسان، إلا أن الاتفاق على أنه هبة الخالق لا جدال فيه، ويبحث الكثير من العلماء على تسمية جديدة لما يُعرف حاليا بالذكاء الاصطناعي، لأن الذكاء لا يمكنه إلا أن يكون طبيعيا لا صناعة فيه ولا اصطناع، مثله مثل القيم، حيث لا يمكن أن نرى مستقبلا، شرفا اصطناعيا أو أخلاقا اصطناعية.

إذا واصل العالم غفلته عما يسمى بالذكاء الاصطناعي، فسيقضي في ظرف وجيز على الذكاء، ويُبعد الإنسان عن جوهره، ويُقرّب المسافة التي تفصله عن بقية الكائنات الحية والجامدة.

المشكلة، أن “الذكاء” الاصطناعي صار يدق وبعنف أبواب التعليم، ففي دول شرق آسيا قررت بعض الأمم ألا تتعلم اللغات الأجنبية بما فيها الإنجليزية، مكتفية بما صار يوفره الذكاء الاصطناعي من ترجمة سليمة في لمح البصر، توصل الرسالة من أي لغة كانت وتترجمها كما يريد المتلقي.

وقد بدأ الذكاء الاصطناعي يُبعد بعض الأفراد عن الذكاء، فهم يستفسرون الذكاء الاصطناعي في أوجاع تصيب أجسادهم، ويطلبون الدواء ويشترونه من دون زيارة طبيب أو الفحص السريري أو الأشعة والتحاليل، أما عن الاستشارات النفسية والاجتماعية والمهنية فقد بلغت مرحلة الخطر، ولا داقّ لناقوسه لحد الآن.

عندما اجتاح الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي العالم، ودخل البيوت وصار جزءا من الحياة، وربما الحياة كلها لدى الكثير، تحركت بعض الأمم ومنها الجزائر بفتح مراكز لعلاج المدمنين على “الفايس بوك” مثلا. فغرَق الناس في التفاهات، وكلما حاولوا الخروج من “الأفيون” تهاطلت جرعات جديدة، إلى أن ظهر الذكاء الاصطناعي في شكل مصباح علاء الدين، يحلّ كل المشاكل التي قد تصادف الإنسان، أو هكذا تم تسويقه.

تواكب الجزائر التطور التكنولوجي الرهيب الذي لم يحوّل العالم إلى قرية فقط، بل حوّل القرى أيضا إلى عالم، بطريقة ذكية من دون اصطناع، من خلال فتح فروع علمية في كل الجامعات الجزائرية، يعمل فيها الذكاء الطبيعي في تكريس الذكاء الاصطناعي لتطويعه وجعله أداة لتحقيق ما يطلبه الذكاء البشري، حتى لا تقع أخطاء وسائط التواصل الاجتماعي التي سلّحت مجرمي المجتمع وانتحال الصفة، حتى صارت بيانات الأمن في كل الولايات تتفضل بشكل يومي، بأخبار عن إعلان الإطاحة بشبكات “الإنترنت” التي أدخلت كل أنواع الإجرام من مخدرات وانتحال الصفة والسحر والشعوذة والدعارة إلى هذا العالم العجيب، الذي بقدر ما حل مشاكل، بقدر ما صنع أخرى أكثر تعقيدا.

نأمل في أن تبني الجامعة الجزائرية ذكاء اصطناعيا يخدم الذكاء الطبيعي، ويساهم في حل مشاكل عديدة، لا أن يُذيب الذكاء في الاصطناع، فيصبح كل من واجهته مشكلة علمية أو اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية لجأ إلى الذكاء الاصطناعي، وجمّد ما وهبه الله من ذكاء، أو ربما قتله مع سبق إصرار بلا ترصد.

مقالات ذات صلة