حتى “مادام كوراج”؟
عندما يقول المخرج الجزائري “الكبير” مرزاق علواش، بأن اختيار السفر إلى”إسرائيل” هو حرية شخصية، لا يمكن للآخرين حتى إعطاء رأيهم فيه، فإننا لا نختلف معه، لأن الكفر والإيمان هو حرية شخصية ضمن قاعدة من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فما بالك بالخيارات السياسية، لكن أن يأخذ المال من الدولة أو لنقلها بصريح العبارة “الشعبوية” من فم الشعب، لأجل إنجاز فيلم لا أحد حكم عليه لحد الآن بالنجاح، ويشارك به في مهرجان صهيوني في حيفا، من دون أن يأخذ الإذن أو يستشير على الأقل، الدولة أو الشعب، فذاك ما نختلف معه فيه، وعندما يخطئ المخرج”الكبير” مرزاق علواش، فيشارك بفيلمه في مهرجان حيفا، الذي يسوّق لتهويد القدس وللمشروع الصهيوني ثقافيا، أو يجرّه الفرنسيون بالقوة للخطأ، فإننا قد نجد له أعذارا، ضمن واقع ضعفنا، ونقص حيلتنا أمام الآخرين، ولكن أن يدافع عن خطئه بهاته الطريقة التي يجعل نفسه فيها ملاكا، وكل من ينتقده شيطانا، فذاك ما لا يمكننا أن نجد له فيه أي عذر.
لا مشكلة عندنا في أن يشارك القاص بوعلام صنصال أو المخرج مرزاق علواش أو السياسي فرحات مهني في أي تظاهرة، تقام في فلسطين المحتلة، أو يقترح أي منهم التطبيع مع هذا الكيان، لأنه يوجد بيننا الآلاف من يشاطروهم نفس الرأي، وربما من قاموا بخطوات أكثر جرأة و“كوراج“، لكن أن يتحدثوا باسم الجزائر أو يستعملوا أموالها فذاك ما نرفضه من وجهة نظر بسيطة، من دون أن يكون بيدنا القرار لمحاسبة هذا أو ذاك.
ويعلم المخرج مرزاق علواش كما يعلم الجميع، بأن صعود أي جزائري في فرنسا بالذات، من بوعلام صنصال إلى كمال داود إلى الشاب خالد، لا يكون دائما إلا على حساب الجزائر أو العربية أو الإسلام أو تاريخ البلاد، وحتى الصعود يكون في غالب الأحيان مؤقتا ينتهي بسقوط من أعلى الهرم، كما حدث في جائزة “الكونكورد” مؤخرا، عندما جهّز الكاتب كمال داود نفسه روحيا وثقافيا بقصف كل ما هو مسلم من أجل التتويج، فمنحوا الجائزة لكاتبة إسبانية، وحرقوه خيبة، بأن جعلوا بينها وبينه صوتا واحدا، هو أشد إيلاما من تضييعه جائزة ضحى لأجلها ليس بالحبر والعرق، وإنما بما يملكه الإنسان من مبادئ.
أحيانا نحسّ بأن لاعبي كرة القدم من أمثال مصطفى دحلب وكريم زياني وسفيان فيغولي هم السفراء الحقيقيون للجزائر، فقد نقشوا أسماءهم في مكان يتزلزل باستمرار، وما باعوا أنفسهم وما ساوموا على وطنيتهم، بينما يبقى المثقفون عندنا إما يشرّقون أو يغرّبون، يبيعون لسانهم للمشارقة أو للفرنسيين بحثا عن جائزة هنا أو مشاركة هناك، فلا الشمس شرقت لهم في الغرب، ولا حتى في الشرق؟
والنتيجة مئة ألف مناصر يدخلون الملعب بتضحيات مادية وجسمانية، ومسارح وقاعات سينما تلفها خيوط العنكبوت.