العالم
مدير المعهد الأوربي للعلوم الإنسانية في باريس الدكتور أحمد جاب الله لـ"الشروق":

حذار من المساس بالحريات في فرنسا باسم “الأمن القومي”!

الشروق أونلاين
  • 2603
  • 0
ح.م
مدير المعهد الأوربي للعلوم الإنسانية في باريس الدكتور أحمد جاب الله

حذّر مدير المعهد الأوربي للعلوم الإنسانية في باريس الدكتور أحمد جاب الله من أن تمسّ فرنسا بضمان الحريات باسم حماية “الأمن القومي”، و”هي معادلة صعبة، ولكن لا بد من مراعاة التوازن فيها”، مثلما قال، في إشارة إلى التعديل الدستوري المرتقب، غير أنّه بالمقابل، قلّل من خطورة الإجراءات المعلنة لحد الآن بهذا الخصوص، “كونها تدابير أمنية في إطار القوانين المعمول بها”.

 وفي حوار مع جريدةالشروق، أكد أحمد جاب الله الذي يرأس المجلس الشرعي في فرنسا أيضا، أنّ ردود الأفعال ضد المسلمين عقب هجمات باريس الأخيرة تبقى محدودة، رافضا الحديث عنظاهرة عدائية، لأن المجتمع الفرنسي برأيه يميّز بين سلوكات الإرهابيين وأفعال المسلمين الذين لا يقبلون الإرهاب. 

وعن تفسيره لخلفيات الاستهداف الذي تتعرض له فرنسا تحديدا، أوضح المتحدث أنّ هؤلاء الإرهابيين لا يحلّلون واقع الدول ومواقفها، وإنما يستجيبون لدوافع شخصية انتقامية، وبالتاليلا يمكننا أن نجد أي تبرير للعمل الإرهابي، وأضاف، بأنّ المسلمين اليوم في فرنسا وفي أوروبا عموما يتمتعون في إطار القوانين المعمول بها بحرية كبيرة في ممارسة دينهم، لكن الدكتور جاب الله لم يغفل الدعوة إلى     ضرورة مراجعة السياسات الفرنسية المتبعة في التعامل مع قضايا التوتر في العالم، بما يكفل حقوق الشعوب“. 

وشدّد النائب السابق لرئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، على أنّ تجنيد الإرهابيين الجدد من داخل فرنسا يؤشّر على فشل التربية والتوجيه والتأطير الاجتماعي والأسري، مؤكّدا على أنّ قضية إدماج المسلمين تحتاج إلى خطاب سياسي مسؤول بعيد عن التهميش، وجهات اجتماعية تعمل على استيعاب الشباب في سوق العمل ولا تقصيه، داعيا المسلمين في فرنسا بدورهم إلى مزيد من الجهود للانخراط في خدمة الصالح العام. 

 أولاما الجديد في هجمات باريس الأخيرة مقارنة بالاعتداءات الإرهابية السابقة في فرنسا؟

الجديد في الهجمات الإرهابية التي حصلت في فرنسا يوم 13 نوفمبر الماضي هو في عدد الضحايا الذين سقطوا، في الطريقة البشعة التي قام بها الإرهابيون في التصفية العشوائية لعشرات من الناس الأبرياء، في تعدد الأماكن التي تم استهدافها في نفس الوقت، وكذلك في استعمال الأحزمة الناسفة لأول مرة في عمليات إرهابية في فرنسا.

قراءات عديدة تناولها الإعلام الدولي بشأن الأسباب التي جعلت باريس المستهدف الأول من طرفداعش، ما هي رؤيتكم بهذا الصدد؟

بقطع النظر عن القراءات التي تناولها المحللون لمثل هذه الأحداث، فإنه لا يمكننا أن نجد أي تبرير للعمل الإرهابي، نعم، لكل دولة سياسات ومواقف، ولكل أحد الحق في تحليلها ونقد هذه السياسات والمواقف، ولكن لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يرد على ذلك بالعدوان والقتل.

المفارقة أن مواقف فرنسا تجاه العرب والمسلمين، ربّما هي الأقل سوءا مقارنة مع دول غربية أخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، كيف تنظرون لهذا التناقض؟

إن الذين ينخرطون اليوم في أعمال إرهابية ليس لهم تحليل لواقع الدول ومواقفها، وإنما هم يستجيبون لدوافع شخصية انتقامية، أو هم مدفوعون من جهات مغرضة، هدفها بث الفتنة والفوضى وتعكير الأجواء الاجتماعية، وإلا فإن المسلمين اليوم في فرنسا وفي أوروبا يتمتعون في إطار القوانين المعمول بها بحرية كبيرة في ممارسة دينهم، ومهما كانت هناك من جوانب يمكن انتقادها، إلا أنها لا يمكن أن تمس بالصورة العامة التي ذكرناها من تمتع المسلمين بحرية التدين وممارسة أنشطتهم في إطار القانون.

هل تدفع فرنسا ثمنالديموغرافيا الإسلامية، ما يعطي مصداقية لتحذيرات اليمين المتطرف بشأن مستقبل الهوية في أوروبا ككلّ؟

المسلمون في فرنسا يمثلون جزءا من المجتمع الفرنسي، وليسوا هم جسم غريب عن هذا المجتمع، وقد أصبح أكثرهم من المواطنين الذين ولدوا في فرنسا عبر أجيال متتالية، وليس للمسلمين نية في تغيير هوية المجتمع؛ إنهم يعيشون في مجتمع تعددي ارتضى أهله أن يسيروا على نظام سياسي يتسم بالحياد بخصوص الشأن الديني، ويسمح لكل أصحاب دين أن يعيشوا معتقداتهم وأن يعبروا عنها بحرية في إطار القانون واحترام التعددية.

على خلاف حوادث سابقة في أوروبا وأمريكا، تبنتها القاعدةخلال سنوات ماضية، فإنّ منفذي هجمات باريس في عمومهم هم فرنسيو المولد، والنشأة والتعليم، على ما يؤشر ذلك؟

لا شك أن هذا الأمر يؤشّر إلى حالة من الفشل لكل الفاعلين في مسألة التربية والتوجيه وكذلك مسألة التأطير الاجتماعي والأسري؛ وإن كان لا يخلو أي مجتمع من وجود أفراد لا يتمكنون من الانخراط الإيجابي في الحياة الاجتماعية بسبب الإخفاق الدراسي وما يتبعه من الوقوع في تيارات الانحراف، ثم إمكانية الوقوع في مجموعة الغلو والعنف والإرهاب؛ ولا بد للقائمين على الشأن التعليمي والتربوي والاجتماعي أن يراجعوا سياساتهم، وكذلك على الأسرة أن تقوم بدورها في الاحتضان التربوي، وكذلك على المؤسسات الدينية أن تزيد من جهودها في تحصين الشباب من الوقوع في هذه الانحرافات الخطيرة.

حالة الانتحاريةحسناء آيت بولحسن، والتي يعترف شقيقها خلال التحقيقات أمام الشرطة بأنهالم تقرأ القرآن ولو مرة واحدة في حياتها، كيف تفسّرها؟

المعلومات الأخيرة تُشير إلى أن حسناء لم يكن لديها حزام ناسف كما أعلن في البداية، ولكن ظاهرة وجود شباب ينخرطون ضمن المجموعات الإرهابية في حين أنهم لم يعرف عنهم أي التزام ديني، هي ظاهرة واسعة جدا أكدتها كثير من الدراسات العلمية التي توصلت إلى أن الغالبية الساحقة من هؤلاء إما ليس لهم أي تدين، أو أن تدينهم ضعيف جدا، وهم ليسوا من الذي يرتادون المساجد، وإنما بعضهم يتمّ تجنيدهم من خلال مواقع الأنترنت، وهم في الغالب من الفئات التي يسهل استقطابها لأسباب نفسية وتربوية وغير ذلك.

لكن البعض يأخذ علىالنخب والفعاليات الإسلاميةعدم مساهمتها الفعلية في إدماج الجالية ضمن قيم الجمهورية الفرنسية؟

المؤسسات الإسلامية تقوم بدورها بقدر ما تستطيع، وفي إطار إمكانياتها المحدودة لتوجيه الشباب وهي بحمد الله قد حققت نتائج طيبة، يشهد لذلك الغالبية العظمى من الشباب المسلم الذي يعيش بشكل إيجابي في المجتمع، ولكن لا يمكن لأحد أن يسلم من التقصير؛ ولكن يجب أن نذكّر بأن مسألة إدماج المسلمين اجتماعيا في المجتمع هي قضية تعود المسؤولية فيها لجهات متعددة: جهات سياسية في اعتماد خطاب سياسي مسؤول بعيد عن التهميش، وجهات اجتماعية تعمل على استيعاب الشباب في سوق العمل ولا تقصيه؛ ولا بد لكل جهة أن تؤدي دورها المطلوب منها

مع أنّ الحادثة فعلا كانت غير مسبوقة في تاريخ فرنسا الحديث، لكن ردّ الفعل الرسمي أثار مخاوف الكثير، كيف تنظرون لمجمل الإجراءات المعلنة حتى الآن؟

الإجراءات المعلنة لحد الآن هي إجراءات أمنية في إطار القوانين المعمول بها، وهناك نية في إجراء تعديل دستوري لسن قوانين جديدة لم يتم أي إعلان عن فحواه إلى الآن، وسوف يكون موضوعا للبحث والنقاش بين الأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني، والذي نرجوه هو أن الحرص على الأمن وهو مطلب مشروع لا يجب أن يكون على حساب ضمان الحريات، وهي معادلة صعبة ولكن لا بد من مراعاة التوازن فيها.

هل تعتقدون بـتأثير القرارات المتّخذة على تغذية الأفكار اليمينة المتطرفة، وتنامي أفعال الإسلاموفوبيا، تجاه المسلمين والمغتربين عموما؟

لا أعتقد أن الإجراءات الأمنية التي تتم في إطار القوانين دون تعدي على حقوق الإنسان لها أثر سلبي، بل إن وجود هذه الإجراءات يجعل المواطن العادي يشعر بأن الدولة تقوم على حماية الأمن وهي المسؤولة عن ذلك وحدها وليس لغيرها أن يقوم بأي عمل بحجة رعاية الأمن أو درء المخاطر على المجتمع.

ما هي من وجهة نظركمالحلول الوسطيةالتي تحفظ الأمن القومي لفرنسا دون المساس بمبادئها القيميّة؟

الحلول الوسطية هي التي تلتزم بالرجوع إلى العدالة والقضاء وعدم إدانة أي إنسان إلا بعد إقامة الأدلة على ذلك وصدور قرار قضائي من السلطة القضائية، مع ضمان حق الدفاع لكل متهم أمام القضاء، إن احترام العدل هو الكفيل باستقرار المجتمع وحمايته من المخاطر والهزات.

على ضوء ما سبق، كيف هي أوضاع الجالية المسلمة هذه الأيام في مختلف المدن الفرنسية، لا سيما في ظلّ حديث الإعلام عن موجة من الانتقامات، ضد شباب مغاربة وبعض المساجد؟

وقعت بعض ردود أفعال محدودة ضد بعض الأشخاص أو المساجد، ولكن لا يمكن الحديث عن ظاهرة عدائية موجودة، لأن المجتمع الفرنسي قد أدرك في مُجمله بأنه لا علاقة بين ما يفعله بعض الإرهابيين وإن كانوا مسلمين، وبين عموم المسلمين الذي لا يقبلون هذه الأعمال بل هم أول من يُدينها ويستنكرها دائما.

البعض تحدّث بعد واقعةشارلي ايبدوعن حالة تعاطف واسعة مع المسلمين، لكن الوضع الآن مختلف، هل خسرت الجالية ثقة الفرنسيين بفعل حماقات الإرهاب؟

لا، على العكس، في هذه الأحداث الأخيرة وجدنا أن الشعور العام هو شعور بالوحدة بين جميع فئات الشعب الفرنسي، خصوصا وأن المسلمين قد عبروا من خلال مؤسساتهم منذ اللحظة الأولى لوقوع الأحداث عن موقفهم الواضح في إدانة العنف والإرهاب، ولا ننسى أن عددا من بين الضحايا الذين سقطوا في هذه الأعمال الإرهابية مسلمون، فالإرهابيون لا يميزون بين مسلم وغير مسلم.

ما هو الدرس البليغ الذي يجب أن يستخلصه جميع الفرنسيين (أصليون ومتجنّسون) من همجية الأحداث الأخيرة؟

هناك دروس كثيرة ينبغي أن تُستخلص من هذه الأحداث منها ما يعود إلى ضرورة العمل على تحصين شبابنا، تربويا ونفسيا واجتماعيا، من كل تيارات الغلو، ومنها العمل على استيعاب جميع المواطنين ومقاومة كل أعمال التهميش الاجتماعي، وكذلك مراجعة السياسات المتبعة في التعامل مع قضايا التوتر في العالم، بما يكفل حق الشعوب في التعبير عن نفسها والتمتع بخيراتها وتقرير مصيرها بيدها.

هل من رسالة أخيرة تودّون تبليغها لمؤسسات الدولة الفرنسية في هذه الظروف العصيبة التي تمرّ بها؟

مؤسسات الدولة في حاجة إلى أن تعمل مع الهيئات الإسلامية في إطارٍ من التعاون المثمر والثقة المتبادلة لتحصين المجتمع وصيانة أمنه واستقراره.

وماذا عن نصائحك للمسلمين في فرنسا وهم يواجهون أحوالا عصيّة، ويدفعون ضريبة تصرفات بني جلدتهم؟

المسلمون في فرنسا مدعوون إلى مزيد من الجهود من أجل المزيد من الانخراط في المجتمع والمشاركة في حياته في سائر المجالات والمساهمة في خدمة الصالح العام، وهم أيضا مدعوون إلى تكثيف الجهود في حسن تربية أبنائهم وتشجيع المؤسسات التعليمة والتربوية التي تقوم بهذا الدور، وكذلك هم مطالبون بتوضيح رسالة الإسلام من خلال خطاب إسلامي معتدل يُبين سماحة دينهم وما يدعو إليه من القيم النبيلة في الرحمة والعدل والسلام والأمن والعيش المشترك.

مقالات ذات صلة