حذار من تجارة السيارات و”الدوفيز” والاستيراد الوهمي!
- دليل جديد لغرفة محافظي الحسابات يثبت الالتزام بتوصيات “غافي”
– إلزام المحافظ بالتصريح بالشبهة حتى في حال وجود “شك غير مؤكّد”
– أرشفة سرّية لمدة طويلة وغير قابلة للتعديل لكل الملفات المشبوهةيكشف دليل محافظي الحسابات في الجزائر عن قطاعات يمكن أن تكون عالية المخاطر في مجال تبييض الأموال، تشمل تجارة المركبات، الصرف الموازي، الأنشطة ذات الحساسية الخاصة، وصولا إلى الأشخاص السياسيين، ويلزم الدليل المحافظ بإرسال تصريح الاشتباه إلى خليّة معالجة المعلومات المالية حتى عند وجود “شك غير مؤكّد”.
ويندرج ذلك في إطار إجراءات صارمة لمنع أي شبهة تتعلق بتبييض الأموال، والتزاما بتوصيات المنظمات الدولية في هذا المجال والاتفاقيات التي وقعت عليها الجزائر، منها مجموعة العمل الدولي “غافي” والتي قدمت 40 توصية في هذا الإطار.
وحسب دليل مهني مكوّن من 55 صفحة، اطّلعت عليه “الشروق”، تكشف الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات عن أول إطار توجيهي متكامل للامتثال في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، يجمع ما تراكم من نصوص وتشريعات وطنية بين 2005 و2025، ويحوّلها إلى منظومة عملية يتعين على المحافظين تطبيقها بدقة داخل مكاتبهم.
ويؤكد الدليل أنّ الجزائر دخلت خلال السنوات الأخيرة مرحلة متقدمة في تعزيز منظومتها التشريعية والمؤسساتية لمواجهة الجرائم المالية، وهو ما يرفع من مسؤولية محافظي الحسابات باعتبارهم خط الدفاع الأول في كشف التدفقات غير العادية والعمليات المشبوهة.
ويوضح الدليل مسؤوليات المهنيين قبل قبول أي مهمة، بدءًا من تحديد هوية الزبون والمستفيد الفعلي، مرورًا بتحليل النشاط واتساقه الاقتصادي، وصولًا إلى تقييم مستوى المخاطر وفق منهجية مبنية على تصنيف دقيق يشمل الزبون وطبيعة النشاط والموقع الجغرافي وطبيعة المهمة.رقابة دقيقة.. وإنهاء العلاقة المهنية مع الزبائن عند الضرورة
ويفرض الدليل التزامًا باليقظة المستمرة طوال فترة علاقة العمل، من خلال المتابعة الدائمة للعمليات، واكتشاف أي تغييرات جوهرية في نشاط الزبون، وتحيين المعطيات بشكل آني، مع تكييف مستوى الرقابة حسب درجة المخاطر، وصولًا إلى اتخاذ قرار إنهاء العلاقة المهنية عند الضرورة.
كما يحدد بالتفصيل كيفية التصريح بالشبهة لدى وحدة معالجة المعلومات المالية، ومعايير ظهورها، والبيانات الإلزامية التي يجب أن يتضمنها التقرير، مع التشديد على السرية التامة ومنع إبلاغ الزبون.
ويتحمّل محافظ الحسابات في هذا الإطار مسؤوليات دقيقة تتعلق بممارسة يقظة تتناسب مع ملف كل زبون ومستوى المخاطر المرتبط به، وتقييم الاتساق الاقتصادي والمالي للعمليات المفحوصة، واكتشاف المؤشرات التي قد تكشف عن عمليات تبييض أموال أو تمويل إرهاب، والقيام عند الاقتضاء بتصريح بالاشتباه إلى خلية معالجة الاستعلام المالي، مع تنسيق التزاماته في مجال مكافحة تبييض الأموال مع التزاماته المهنية الأخرى، خاصة التبليغ عن الأفعال الجرمية إلى السلطة القضائية.
ويرتكز هذا الجهاز على مبادئ أساسية أبرزها المقاربة المبنية على المخاطر التي تتطلب تعزيز إجراءات اليقظة كلما ارتفع مستوى الخطورة، والتناسب في الوسائل حسب خصوصيات الزبون والمهمة والقطاع، والتوثيق الكامل لكل خطوة من التعريف والتحليل إلى القرار، إضافة إلى السرية التامة المرافقة للتصريح بالاشتباه، والاستقلالية المهنية التي تحمي حكم المحافظ من أي تأثير داخلي أو خارجي.
ويغطي هذا الدليل جميع مهام محافظي الحسابات، سواء الرقابة القانونية أو المهام التنظيمية المرتبطة بها، إضافة إلى الخدمات المنجزة في إطار استمرارية هذه المهام والخدمات التعاقدية أو العرضية حتى وإن كانت خارج التفويض القانوني.جهاز كامل للوقاية والرقابة على مستوى كل مكتب
وفي السياق الداخلي، يفرض الدليل على كل مكتب إنشاء جهاز كامل للوقاية والرقابة يتضمن سياسة مكتوبة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وإجراءات دقيقة للتعريف بالزبائن ومعرفة المستفيدين الفعليين، وآليات لتقييم المخاطر وتصنيف الزبائن، وإجراءات للرصد والاكتشاف ومعالجة العمليات المشبوهة، إلى جانب طرق التصريح بها، ونظام أرشفة آمن، وتكوين منتظم للموظفين.
كما يشترط إعداد شبكة داخلية لتصنيف المخاطر بناءً على خصائص الزبون وحجم نشاطه وشكله القانوني ومساهميه وطبيعة العمليات وموقع الأنشطة وطبيعة المهمة، بما يسمح بتحديد المخاطر في ثلاث درجات ضعيفة أو متوسطة أو مرتفعة، وتأثيرها المباشر على مستوى اليقظة.
وتحدّد السياسة الداخلية للمكاتب المسؤوليات المتعلقة بتعيين مسؤول عن هذا الجهاز، ووضع معايير اليقظة المبسطة والطبيعية والمعززة، ومستويات المراجعة والمصادقة خصوصًا للملفات عالية المخاطر، إلى جانب طرق المراجعة الدورية للتثبت من فعالية النظام. ويضطلع مدير المكتب بدور محوري يتمثل في المصادقة على السياسة وضمان تطبيق الإجراءات والتأكد من تكوين الموظفين والرقابة على جودة التقييمات، بينما يلتزم فريق التدقيق بتطبيق الإجراءات بدقة وإبلاغ أي مؤشر خطر وتوثيق كل الملاحظات داخل ملفات العمل.السياسيّون تحت المجهر.. وإلزامية تحديد المستفيد الفعلي
ويقدم الدليل تعريفات تشغيلية دقيقة للزبون سواء كان ذا علاقة مهنية مستمرة أو عرضية، وللمستفيد الفعلي، وللشخص المعرّض سياسيا، وللعملية غير الاعتيادية، وللاشتباه المعقول الذي يقوم على عناصر جدية ومتضافرة. أما التزامات اليقظة قبل قبول المهمة فتشمل التعرف على الزبون والتحقق من هويته وهوية ممثليه القانونيين، والتعرف على المستفيد الفعلي وتوثيق سلسلة الملكية وتحديثها، وجمع معلومات حول النشاط الحقيقي والمالي وسياق المهمة ومستويات المخاطر.
ويشدد الدليل على الحالات عالية المخاطر مثل الشخصيات السياسية، والقطاعات الحساسة، والعمليات المرتبطة ببلدان عالية المخاطر، والهياكل القانونية شديدة التعقيد، مع ضرورة اتخاذ قرار القبول أو الرفض بشكل موثّق، ورفض المهمة إذا كانت المخاطر غير قابلة للتحكم.
وخلال العلاقة المهنية، يتعين ممارسة متابعة مستمرة تشمل مراقبة العمليات وكشف أي تغييرات أو عمليات غير معتادة، وتكييف مستوى اليقظة حسب تطور الملف وتحديث المعلومات المتعلقة بالزبون والمستفيد الفعلي، وإمكانية إنهاء العلاقة المهنية إذا تعذر التعرف على الزبون أو السيطرة على المخاطر.
وتشمل الالتزامات تجاه الزبون العرضي فهم العملية وتقييم المخاطر والتعرف على الزبون عند الحاجة ورفض الخدمة عند غياب المعلومات الكافية، أما التصريح إلى خلية المعالجة والبحث المالي فيتم وفق مبادئ واضحة، حيث يعلن محافظ الحسابات عن أي عملية يشتبه بارتباطها بجريمة خطيرة أو تمويل إرهاب أو غش ضريبي كبير، مستندًا إلى معايير مثل عدم الاتساق بين النشاط والعمليات، أو المبالغ الضخمة أو التعقيد أو رفض تقديم الوثائق، على أن يتم التصريح شخصيًا عبر القنوات الرسمية وبمحتوى دقيق وموضوعي.
ويلزم الدليل بالحفاظ على السرية المطلقة للتصريحات ومنع إخبار الزبون أو أي طرف ثالث، ويؤكد أن التصريح يدخل ضمن الواجب القانوني ولا يشكل خرقًا للسر المهني، مع تقنين تبادل المعلومات داخل المكتب أو مع مهنيين آخرين. وعند اكتشاف عملية مشبوهة، يدعو الدليل إلى الامتناع – قدر الإمكان – عن المساهمة في تنفيذها، والتصريح الفوري لخلية المعالجة والبحث المالي حتى لو تمت العملية سابقًا، كما ينص على الاحتفاظ بجميع وثائق التعريف ومعلومات معرفة الزبون وإجراءات اليقظة والعمليات المعقدة والتصريحات في ملف منفصل وسري.هذه كيفيات التبليغ في حال الشبهة
وفي النهاية، يوضح الدليل العلاقة بين التصريح للخلية والتبليغ عن الجرائم، حيث يُصرّح لـ”سي تي أر أف” عند الاشتباه، ويُبلّغ القضاء عند تأكد وجود أموال ناتجة عن جرائم خطيرة، في مسارين متكاملين يعززان دوره المهني كحارس للنزاهة المالية.
عندما لا يمتلك محافظ الحسابات سوى شبهات غير مؤكدة ومن دون عناصر مادية كافية تُتيح توصيف الوقائع كأفعال مجرّمة، فإنه يوجّه تصريحًا بالاشتباه إلى خلية معالجة الاستعلام المالي، من دون اللجوء في هذه المرحلة إلى إخطار السلطة القضائية.
ويظل مطالبا بإعادة تقييم الوضع بشكل مستمر على ضوء كل معلومة جديدة تظهر، مع الشروع في إجراءات الإبلاغ القضائي عند الاقتضاء، بمجرد التأكد من ثبوت أفعال ذات طابع جزائي.
وتتضمن الملاحق العملية المصاحبة للدليل نماذج وأدوات عمل مفصلة، تبدأ بنموذج بطاقة تعريف العميل التي تُجمع فيها المعلومات العامة والطبيعة المهنية والقطاع، إضافة إلى هوية الممثلين القانونيين ومستوى مخاطر مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
كما توفر بطاقة تحديد المستفيد الحقيقي عناصر سلسلة السيطرة داخل المؤسسة، ونسب الملكية، ووضع الأشخاص من حيث كونهم شخصيات سياسية بارزة أو لا، مع تحليل المخاطر الخاص بكل حالة. ويتضمن الدليل شبكة متكاملة لتقييم مخاطر وفق معايير تتعلق بالعميل والنشاط والدولة ونوع المهمة والتدفقات، وتُمنح نقاط لكل معيار لتحديد مستوى الخطر النهائي وتحديد تدابير اليقظة المناسبة.
ويقدم الدليل نموذج مذكرة داخلية خاصة بالاشتباه، تجمع وصف الوقائع والتحليل المنجز والاستنتاج النهائي، سواء تعلق الأمر بالتصريح أو عدمه. كما يعرض قائمة موسعة لمؤشرات اليقظة، تشمل العلامات المرتبطة بالعميل مثل الهياكل القانونية المعقدة من دون مبرر ورفض تقديم الوثائق، وتغيّر المساهمين أو النشاط الفعلي غير المتوافق مع الغرض الاجتماعي.
وتشمل أيضًا مؤشرات مرتبطة بالعمليات، مثل التعاملات غير المبررة اقتصاديًا أو غير المتناسبة مع حجم النشاط أو التحويلات نحو دول عالية المخاطر أو الاستخدام غير المعتاد للنقد، وتضاف إليها مؤشرات سلوكية، كالإجابات المتناقضة والضغط للإسراع في التوقيع ومحاولات التأثير على مهمة التدقيق، فضلًا عن مؤشرات قطاعية تخص مجالات الاستيراد والتصدير ضعيف المحتوى الاقتصادي، وقطاع البناء والتعاملات غير القابلة للتتبع، وتجارة المركبات، ونشاط الصرف الموازي.
ويحدد الدليل بدقة خطوات معالجة الشبهات واتخاذ القرار، حيث يقوم المحافظ أو الشريك الموقّع بالتحليل النهائي للملف وتقييم المؤشرات والتطابقات واتخاذ القرار الرسمي بالتصريح أو عدمه لخلية المعالجة والبحث المالي، مع الحفاظ على أثر كامل للقرار. ويتم إرسال التصريح بطريقة مؤمنة وسرية مع الالتزام التام بعدم إعلام العميل، إلى جانب الاحتفاظ داخليًا بأدلة الإرسال. كما تُفرض إجراءات صارمة للأرشفة الآمنة، من خلال حفظ التصاريح والمستندات في مكان منفصل، خارج الملف الدائم للعميل، وبطريقة غير قابلة للتعديل، مع احترام المدة القانونية للبقاء في الأرشيف.