حرائق الغابات: الاستثمار في الإنسان قبل الوسائل
يتسبَّب الإنسان في 98 بالمائة من الحرائق. ويُمكِنه أن يَتحكم في 98 بالمائة منها قبل أن تتجاوز 120 هكتارا بالوسائل الملائمة. هكذا تقول بعض الإحصائيات. يعني ذلك، أنه إذا كان علينا الاستثمار في الوقاية من الحرائق، ومَنع تحوُّلها إلى كوارث، علينا الاستثمار في الإنسان: أولا لِمنعه من التسبُّب في الحرائق، وثانيا لتمكينه من حسن استخدام الوسائل. وهذا على كافة المستويات، الحكومي والمحلي والمجتمعي. كل له مسؤوليته وله دوره. الحكومة لها دورها والمسؤولون المحليون لهم دورهم والمجتمع له دوره أيضا.
ليست هذه المرة الأولى التي تعرف فيها بلادنا حريقا كبيرا، وعليها الاستعداد أكثر في المستقبل. مُنحنى الحرائق الغابية في ارتفاع ليس فقط في بلادنا، بل عبر العالم. لا فرق بين الشمال والجنوب، الدول الفقيرة أو الغنية…
لقد عرفت استراليا ما بين سنتي 2019 و2020 أكبر حريق حدث في العالم في هذه الفترة. تسبَّب في إتلاف 180 ألف كلم2 وترك خلفه 20 من الضحايا. ولم يكن الأسوأ في تاريخ هذا البلد. لقد عرفت حريقا أكبر سنة 2009 ترك 173 ضحيَّة وملايين الهكتارات المُتلَفة.
وشهدت إفريقيا ما بين 2017 و2020 عددا من الحرائق. كان أكبرها في جنوب إفريقيا، حيث خلّف 19 ألف هكتار، و7 ضحايا، و10 آلاف دون مأوى و900 منشأة أتلفتها النيران. ( UNFFS Background paper Robinne).
وعرفت الجزائر في 2017 سنة سوداء بالفعل: أتت الحرائق على 51.908 هكتارا من الغابات (من ضمنها أكثر من 176.969 ألف شجرة مثمرة، و4.285 ألف نخلة …) (و.أ.ج).
ولم تكن الدول الصناعية الكبرى بمنأى عن مثل هذه الكوارث البيئية، وما فتئ مؤشرها يتصاعد…
يكفي أن الولايات المتحدة عرفت في الفترة من 1 جانفي إلى 29 جوان 2021، نحو 30414 حريقًا هائلًا تسبب في إتلاف 566559 هكتارا، وهو نفس ما حدث في عام 2020 تقريبًا. (مركز مكافحة الحرائق الوطني المشترك بالولايات المتحدة).
ولا يتسع المجال هنا لذكر كبرى الحرائق التي عرفها العالم وما تسببت فيه من خسائر، إنما ذَكرنا بعضها للعبرة، ولإدراك أننا أمام خطر كبير أصبح يهدِّد النظام البيئي عالميا وعلينا التعامل معه بالكيفية الملائمة، مستفيدين من تجارب غيرنا من الشعوب والأمم.
ولعلَّ أول ما ينبغي التفكير فيه هو كيف نُدمج الفرد في عملية المحافظة والوقاية من الحرائق، وكيف نُمكِّنه من وسائل المواجهة العصرية؛ أي أن التفكير ينبغي أن يرتكز على الإنسان وكيف يُمْكِنه أَنْ يستبق ويواجه النيران قبل المنشأ أو عند الشرارة الأولى إذا ما حدثت. ويتطلب هذا اعتماد إستراتيجية وطنية ترتكز على العنصر البشري للوقاية وللدفاع عن الغابة وكافة المساحات الخضراء. ولدينا من الباحثين والكفاءات الوطنية في الداخل والخارج من يستطيع القيام بذلك. يكفي فتح المجال لهم والابتعاد عن الشعبوية في مواجهة هذا الخطر الداهم. وإذا اقتضى الأمر علينا ابتداء من الآن الشروع في تكوين آلاف الشباب في هذا المجال ليقوموا في ذات الوقت بمهام الوقاية والتنبيه المُبكَّر، ثم التدخل إن اقتضى الأمر، باعتماد الوسائل الملائمة المُعَدة سلفا، لا تلك البدائية كما حدث في الأيام الماضية بغابات خنشلة وما جاورها.
إن مسألة الحرائق الغابية والكوارث الطبيعية الأخرى ليست أبدا بالأمر الهيِّن، وعلينا أن ننتقل من سياسة ردة الفعل في التعامل معها إلى سياسة الاستباق والاستشراف الغائبة للأسف، ليس فقط مع الغابات، بل في كافة المجالات..