جواهر
حراق "سابق" يروي لـ "جواهر الشروق" قصتهن

“حراقات” تعطل بهن القارب أربعة أيام فشربن من مياه البحر!

سمية سعادة
  • 9039
  • 11
ح.م

انقطع بهن حبل الأمل في الجزائر، فركبن قوارب”الحرقة” في دجى الليل العميق وهن غير متأكدات إذا كن سيمتطين البحر أم البحر سيمتطيهن في لحظة غضب، لكن لأن مجاديف حياتهن انكسرت تحت وطأة الفقر والطلاق والمشاكل الاجتماعية، فقد صارت الحياة والموت بالنسبة لهن سيان.

هن فتيات في عمر الشباب، خضن تجربة “الحرقة” بمنطق” يا جات يا راحت” لأنه ليس لديهن ما يخسرنه في الجزائر التي تركنها خلفهن، ولكن الله كتب لهن النجاة في كل رحلاتهن التي انطلقت من عنابة نحو سردينيا بايطاليا، ذلك ما رواه لنا “حراق” سابق يدعى سمير الذي كشف لنا عن الأسباب الاجتماعية التي أدت ببعض الجزائريات الشابات إلى ركوب قوارب الموت، والمخاطر التي يمكن أن تعترض الرحلة، وقصة الفتيات اللواتي تعطل بهن القارب في عرض البحر فشربن من مائه لمدة يومين عندما نفدت منهن المؤونة وأشرفن على الهلاك لولا أن شيئا ما حدث في العاشرة صباحا من اليوم الرابع الذي قضينه بين الأمواج ينتظرن الموت.

 

الطلاق وطيش المراهقة

 بحكم تجربته السابقة في الميدان، لاحظ سمير أن معظم الفتيات اللواتي أقبلن على” الحرقة”هن من المطلقات اللواتي فقدن الأمل في مجتمع لا يرحم المطلقة، خاصة إذا كانت بدون أب أو أم، ومعظم اللواتي سألهن عن سبب خوض هذه التجربة، قلن له أنه لم يعد لهن ما يبقين من أجله في الجزائر، فلا عمل ولا مدخول، ناهيك عن فتيات مراهقات يتم إغراؤهن من طرف بعض الشباب الذين يزينون لهن الهجرة ويرسمون لهن عنها صورة جميلة.

ولأن هؤلاء الفتيات يعلمن مسبقا موقف عائلاتهن من هذه المغامرة، فلا يخبرنهم بما سيقدمن عليه إلا بعد أن يصلن إلى سردينيا، حيث يتصلن بهم ويخبرنهم بأنهن غادرن الوطن وأصبحن في الضفة الأخرى، بينما لا تجد بعض “الحراقات” أي داع لإخبار أهاليهن بالأمر.

وبالنسبة لعائلات المتصلات التي ينتهي إلى علمها خبر “حرقة” بناتهن، تقوم بتبليغ الشرطة بالأمر، وهو إجراء لا ترتجى منه أي نتيجة لأن السلطات لا يمكنها أن تفعل شيئا حيال شخص قطع البحر “حراقا”، على عكس ما كان يحدث في السنوات الماضية، حيث كانت الدولة الجزائرية تدفع تكاليف عودة “الحراقة” إلى الوطن عندما يتم الإمساك بهم من طرف خفر السواحل في الضفة الأخرى، إذ تنتظر سلطات سردينيا هناك حتى يبلغ عدد الموقوفين 100 إلى 200 شخصا ليتم إعادتهم إلى الجزائر على نفقة الدولة، أما الآن، فأصبح الحراق مجبرا على دفع 6 ملايين سنتيم ليعود إلى بلده وفق ما صرح لنا به سمير.

15 مليون و15 ساعة

  كيف يتم الاتفاق بين الفتيات وبين المشرفين على قوارب “الحرقة”؟ ذلك هو السؤال الذي طرحناه على “الحراق” السابق الذي قال إنه كان يتم الاتفاق عبر صفحة على الفيس بوك مخصصة لهذا الغرض، أو شخص معروف بعمله في هذا المجال، حيث يتم إعلام الفتاة المتصلة بكافة المخاطر المحتملة ومنها الموت، فتبدي موافقتها على كل شيء، ليتم توجيهها إلى شخص موثوق به بعد التأكد من وجود مكان لها بين الرحلة، لأن القارب يسع في العادة عشرة أشخاص رفقة السائق، فيما تدفع كل فتاة مبلغا يتراوح بين  10 إلى 15 مليون سنتيم، وخلال ذلك يحدد لهن المشرف يوم الانطلاق ومكانه ليتم التحاقهن بالمجموعة قبل يومين من الرحلة التي تنطلق في العاشرة ليلا أو الثالثة صباحا، حيث يستغرق الوصول إلى سردينيا التي تقع على بعد 235 كلم نحو 15 ساعة، فإذا انطلق المركب مثلا على العاشرة ليلا يصل إلى هناك في الثانية عشر منتصف النهار

مخاطر متوقعة

مخاطر كثيرة يمكنها أن تغير مسار الرحلة من عنابة إلى الموت، من أكثرها وقوعا، غرق القارب بسبب هيجان البحر فجأة، حيث يصل علو الأمواج إلى 6 أمتار ما يؤدي أحيانا إلى انقلاب القارب في الإقليم الجزائري، وفي هذه الحالة لا تكتب النجاة لهؤلاء “الحراقة” إلا إذا مرت سفينة أو دورية لخفر السواحل التي تنقذهم من الموت، مع أنه يتم قبل الرحلة التأكد من حالة الطقس في الجزائر وايطاليا، ووضعية البحر والرياح التي تأتي أحيانا بما لا تشتهيه القوارب.

ويشير سمير، في سياق حديثه عن المخاطر التي يمكنها أن تصادف ” الحراق” الذي يسافر عبر البحر لأول مرة، إلى احتمال إصابته بحالة تعرف ب” دوار البحر” وهو الإحساس بصداع قوي وألم في البطن يجعل المسافر يتقيأ كل شيء ويرى الموت بين عينيه وغالبا ما تحدث هذه الحالة في منطقة تسمى “الحجرات” وهي على بعد 50 كلم من عنابة، أي قبل دخول الإقليم الايطالي.

ويعتبر تعطل محرك القارب، من أكثر المخاطر التي تحدق بالمسافرين، خاصة إذا عجز السائق عن إصلاحه، وفي هذه الحالة يظل المركب يتبع الريح التي قد تأخذه إلى أي مكان، ومعظم المهاجرين غير الشرعيين كما قال سمير، عندما يتعطل بهم القارب يخرجون من تونس.

ومن الاحتمالات الواردة أن يتعطل جهاز “جيبياس” الذي يرصد الأماكن، أو تنفذ منه البطاريات، لذلك يتحسب الرحالة لهذه المشكلة بالتزود بـ 120 بطارية.

ومن الممكن أيضا نفاذ كمية البنزين التي تكون في العادة 450 لترا، حينها لا يوجد حل سوى التضرع لله، خاصة في وجود أسماك القرش التي يمكنها أن تمزق القارب في دقيقة واحدة.

وإذا نجى “الحراقة” من كل هذه المخاطر، فيمكنهم أن يفاجأوا بتسرب الماء إلى القارب قبل نحو 30 سم فقط من الوصول إلى الجانب الآخر لينفجر المركب، لهذا السبب يقول سمير، يبحث “الحراقة” عن أشخاص ذوي أجساد ضعيفة حتى لا يغرق القارب، ومن الاحتمالات الضعيفة التي يمكن أن تحدث، هي أن يجد المهاجرين أنفسهم في مواجهة قراصنة البحر الذين يمكن أن يقتلوا كل من على القارب، وهذا الأمر في الغالب لا يحدث إلا مع “الحراقة” اللبيبين يقول محدثنا.

إيطاليا والموت القادم

يروي “الحراق” السابق لـ “جواهر الشروق” عن قارب كان يقل مجموعة من الفتيات المتوجهات إلى سردينيا عندما توقف بهن في الإقليم الايطالي بسبب تعطل المحرك، فأشرفن على الهلاك وتلون الشهادة وبقين في انتظار الموت، إحدى الناجيات من هذه الحادثة روت لسمير الذي التقاها في باريس ما جرى لهن، حيث قالت: “كان القارب يسير بنا في أمان، ونحن نمرح ونمزح وتغني “إيطاليا.. إيطاليا” وفجأة أحسسنا بالقارب وقد بدأ يتعطل، فقال لنا السائق لا داعي للخوف، سخن المحرك فقط وسننتظر حتى يبرد لمدة ساعة لنستأنف الرحلة، وبعد ذلك راح يشغله ولكنه لم يشتغل، فصار يبحث عن سبب آخر للعطل ولم يجده، في تلك اللحظة أحسسنا بأننا انتهينا وصرنا نبكي ونصرخ ونصلي، كان ذلك في الرابعة صباحا، وأشرقت شمس ذلك اليوم، وأمواج البحر تأخذنا يمينا وشمالا وصرنا لا نعرف أين نحن، فأدركنا أن ساعة الرحيل قد أزفت”.  

وتابعت الفتاة قائلة: ” وفي اليوم الثاني، بدأ ينفذ منا الماء والطعام وخشينا أن نموت جوعا وعطشا، وفي تلك اللحظة هطلت الأمطار بغزارة واشتد البرد وتسرب الماء إلى القارب وصرنا نفرغه بأيدينا، وشيئا فشيئيا نفذت منا كل المؤونة ولم تتبقى إلا قارورة عصير كنا نتقاسمها، وبدأ الجوع والعطش يفتك بنا والفتيات يبكين ليلا ونهارا لدرجة إن إحداهن كانت سترمي نفسها في البحر، وأشار علينا السائق حينها بشرب مياه البحر حتى لا نموت، وشربناه لمدة يومين حتى أصابنا الضعف والشحوب وصرنا نتلو الشهادة ونقرأ القرآن الكريم، ولجج البحر لا زالت تعبث بنا”، وفجأة حدث ما لم يكن يتوقعنه، تقول الحراقة” بعد أربعة أيام، خارت قوانا، وقال لنا السائق لقد انتهى أمرنا، وفي تلك اللحظة التي كانت الساعة تشير فيها إلى العاشرة صباحا، رأينا شيئا صغيرا أسودا يقترب منا، فأخذنا نصرخ ونبكي فإذا بقارب مهاجرين غير شرعيين من عنابة يتوقف عندنا، فوجدنا أصحابه في حالة سيئة جدا، طلبنا منهم الماء والطعام فلم يبخلوا علينا، وحاولوا إصلاح مركبنا لكنهم لم يتمكنوا لأنه أصيب بعطل كبير، فسمحوا لنا بالركوب في قاربهم الذي كاد ينقلب من كثرة الركاب الذين بلغ عددهم بعد ركوبنا 34 شخصا، وظل يمخر عباب البحر لمدة 5 أيام إلى أن وصل بنا إلى السواحل الايطالية”.

 “حراقات” وأطفالهن

يقول “الحراق” السابق أن أعمار الفتيات تتراوح ما بين عامين إلى 35 سنة،  بمعنى أن بعض الفتيات يأخذن معهن أطفالهن، بالإضافة إلى إنهن قادمات من كل ولايات الوطن، وعادة ما يأخذون معهن كمؤونة “الغرس” والسمك الذي يأكلونه نيئا.

سألنا سمير عن مصير الفتيات اللواتي يتم توقيفهن من طرف خفر السواحل، فقال إنهم يأخذونهن إلى مركز الحراقة “السنتر” ويتخذون معهن كل الإجراءات، حيث يعرضونهن على الطبيب ويغيرون لهن ملابسهم ويقدمون لهن الطعام ويسمحون لهن بالنوم لمدة ثلاثة أو أربعة أيام، وهذه الإجراءات تتخذ مع كلا الجنسين، ثم يسلمون لهن بطاقات “سي جور” التي يدخلن بها لإيطاليا التي تعتبر منطقة عبور فقط، ثم يسافرن بها إلى فرنسا عبر القطار بتذكرة سعرها 50 أورو، حيث لا يتعرضون للتوقيف لأنهم يحملن تلك البطاقات، ثم تمضي كل واحدة إلى الوجهة التي تريدها، فبعض الفتيات يذهبن إلى أقاربهن وصديقاتهن، وأخريات يبحثن عن عمل ومنازل للكراء.

زوجان وطفلة صغيرة

 روى لنا سمير عن زوجين اضطرا إلى “الحرقة” برفقة ابنتهما التي تبلغ من العمر 3 سنوات، والتي تعاني من مرض في الرأس تتطلب عمليته الجراحية في الجزائر 500 مليون سنيتم، ولأنهما لا يملكان هذا المبلغ، قررا أن يأخذانها إلى فرنسا عبر قارب للحرقة، ومن حسن حظها أن رئيس المستشفى الفرنسي تكفل بعلاجها مجانا.

ويتوقع سمير، “الحراق” السابق، أنه مع الوقت، ستصبح الفتيات، مثل الشباب، يركبن قوارب الحرقة لوحدهن، بحثا عن مستقبل ضاعت ملامحه في الجزائر.

مقالات ذات صلة