حربٌ فكرية باريسية على ظهر المهاجرين في زمن الأقصى المباح
لم تعد حقيقة تراجع الحس الإنساني العابر للحدود عند المثقفين الإعلاميين الفرنسيين مسألة تحتمل الحد الأدنى من الشك، ويتمثل الخطر الأول والأخير العاصف بالحضارة الأوروبية والعالمية في نظر الكثير منهم في الهجرة بوجه عام والإسلام بوجه خاص كما ردد شيخ ومؤسس الجبهة الوطنية جان ماري لوبان الذي فقد سكينه في الجزائر حينما كان ضابطا، وكما تردد ابنته مارين التي جددت خطاب والدها بروتوشات تكتيكية مخادعة لكنها لم تغير شيئا من جوهر العقيدة اللوبانية العنصرية.
هذه العقيدة التي تطغى على الحياة السياسية في فرنسا، وفي عدد غير قليل من البلدان الأوروبية في الأعوام الأخيرة، والتي اتخذت طابعا وجوديا وعبثيا رهيبا غير مسبوق في سياق مأساة اللاجئين المستمرة، لم تعد حبيسة صراع السياسيين المكيافيليين بطبيعتهم، وطالت رموز النخبة الفكرية بجميع حساسياتها والاستثناءات التي يمثلها بعض المفكرين الكبار المهمشين الحقيقيين ـ من أمثال إدغار موران وآلان باديو وبرتران بادي وريجيس دبري ـ لا تغير شيئا من الحرب التي اندلعت مؤخرا بين المثقفين الإعلاميين الذين أطلق عليهم المفكر السياسي الجريء والمهمش هو الآخر باسكال بونيفاس وصف “المثقفين المزيفين” في كتاب رفضته 14 دار نشر فرنسية وطبعته دار مجهولة بشق النفس.
واتخذت الحرب الفكرية المذكورة بعدا جديدا غير معهود في الأيام القليلة الماضية بعد خروج الفيلسوف ميشال أوفري، المحسوب على يسار اليسار الوردي، عن صمته بعد أن اتهمه الصحفي لوران جوفران مدير تحرير جريدة “ليبراسيون” بتزكية أطروحات اليمين المتطرف ومن بينها المتعلقة بوحدة أوروبية تمت في نظرهم على حساب سيادة وسعادة واستقلال الشعب الفرنسي وضحّت بقيمه الحضارية والاقتصادية والثقافية الوطنية الخالصة والصافية، كما سبق وأن نددت بذلك قبل أوفري منذ سنين جماعة ألان فينكلكروت وإريك زمور وإليزابيت ليفي وإيفان يوفول والكسي بريزي وفرانتز جيزبيرغ وجان كريستوف غييو…
والتحق بالركب مؤخرا المؤرخ إيمانويل طود بشكل نّوه به قادة الجبهة الوطنية التي تستعد لتعميق تمددها الفكري في أوسط الرموز الفكرية المذكورة في ظل توقعات المراقبين الذين ينتظرون فوزها بالاستحقاقات الانتخابية الجهوية المزمع تنظيمها في نهاية السنة الجارية.
مأساة الكثير من المثقفين العرب الطلائعيين المؤمنين بالجدلية التاريخية وبالأطروحات الفكرية الحديثة غير الدينية، هم أنفسهم الذين يدوسون عليها بإصرارهم على تفضيل كل نظم البطش غير الإسلامية ورفضهم تفسير الظاهرة الإسلامية ضمن صيرورة تاريخية كما يفعلون حيال اتجاهات وظواهر أخرى.
الحرب الفكرية التي شنها في صحيفة “لوموند” عددٌ من المفكرين والصحفيين اليساريين على المفكر ميشال أوفري ـ مؤسسة جامعة كون الفكرية وصاحب كتاب “بحثٌ في الإلحاد” ومقدس نيتشه وألبير كامو الذي فضل أمه على عدالة نضال الشعب الجزائري ومقوض فكر فرويد ـ “اشتعلت أكثر وأخلطت الأوراق الإيديولوجية حينما وجد أوفري في موقف الاقتصادي القريب من الجبهة اليسارية الراديكالية جاك سبير فرصة ذهبية لتأكيد عدم تناقضه الفكري مع أطروحات اليمين المتطرف الذي قال إنه تمكن من تعرية فكر اليسار الوردي والمخملي المسيطر، وعرف كيف يتحدث عن الشعب الفرنسي البسيط الذي طحنته الآلة الأوروبية وتسبّبت في ضياع سيادته الوطنية.
إن اللافت للانتباه في الحرب الفكرية النظرية بين اليسار واليمين، واليمين المتطرف واليسار المتطرف، والحساسيات الفرعية الأخرى المنضوية تحت اليافطات الإيديولوجية الكبيرة، أنها تبقى منحصرة في معظم الأحيان بين القطبين المسيطرين على الحياة السياسية والفكرية منذ عدة عقود من منطلق التصارع حول المشكلات الفرنسية الداخلية المحضة، وأصبحت هذه الحرب اليوم غير تقليدية كما كانت في السابق بعد أن دخل تيارُ اليمين المتطرف على خطوط جبهات التقاتل السياسي والفكري إثر السقوط المروّع للقطبين التقليديين وعجزهما عن إيجاد الحلول لأزمات الشعب الفرنسي من منظور سيادي.
وزاد الخطاب السيادي من قوته النظرية والعملية في سياق عالمي جعل من عنوانيْ خطريْ الهجرة التي أضحت عبئا على أوروبا في نظر معظم المثقفين يسارا ويمينا، والإسلام الذي أضحى تهديدا للصفاء الحضاري الأوروبي وللوحدة الثقافية والتاريخية والدينية، الورقة الأكثر رواجا في دكاكين إعلامية أصبحت منابر لمفكّرين يتناقضون إيديولوجياً على الصعيد المحلي ويتفقون ويلتقون حول أطروحات اليمين المتطرف الذي يعتبر عدوّهما المشترك ظاهريا في الوقت ذاته، وخاصة حينما يتعلق الأمر بتأويل الإرهاب العالمي الذي ضرب فرنسا وكان وراء إجماع وطني إثر الاعتداء على صحيفة “شارلي إيبدو” في شكل حادي عشر سبتمبر ثان كما كُتب في الصحافة الفرنسية.
تفسير الأقوى سياسيا وفكريا وإعلاميا وتكنولوجيا وعسكريا واقتصاديا للإرهاب بشكل لا ينطبق على الحرب التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني الملاحَق في حميميته الدينية المقدّسة في المسجد الأقصى المباح والمنسي لتداعيات الهجرة التي دفعت بآلاف اللاجئين للجوء إلى أوروبا مسيحية فشلت في تحقيق وحدة منسجمة وناجحة اقتصاديا في نظر السياديين أصحاب الفكر الوطني السيادي، كلها معطيات أذابت الحدود والاختلافات النظرية التي ميزت يسارا تقليديا متشبّعا بالفكر الإنساني وبين يمين محافظ ومنغلق تاريخيا، وعليه ليس من الغريب أن يُسوّق عالميا خطاب التخويف من إرهاب واحد محسوب على مسلمين ومهاجرين عرب يهدّدون الحضارة اليهودية المسيحية غير الإرهابية في نظر مفكرين فرنسيين وأوروبيين وحتى عالميين من كافة التيارات المتصارعة محليا كما أسلفنا الذكر والمتفقة خارجيا.
الأدهى والأمرّ أن هذا الخطاب الذي أصبح يجمع المتناقضين فكريا في العالمين الأنجلوساكسوني والأوروبي على السواء بدرجات متفاوتة، قد امتد إلى مفكرين وأدباء عرب يدّعون الدفاع عن القيم الإنسانية، ومن بينهم الجزائري بوعلام صنصال، المرشح لكل الجوائز الفرنسية، ولجائزة “نوبل” حسب ما قاله لنا الشاعر الكبير الفرنسي اللبناني الأصل صلاح ستيتيي في حديث صحفي ليس ككل الأحاديث.
بوعلام صنصال الذي يصنع الحدث الأدبي اليوم في كثير من البلدان الغربية، ومن بينها ألمانيا وفرنسا، يعد حلقة جديدة في مسلسل روائيين وكتّاب عرب كثر باركوا الانقلابات على الإسلاميين السلميين الذين فازوا بانتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة في أكثر من بلد عربي، لكنهم اعتبروا خطرا على الديمقراطية في نظر الكثير من المثقفين اليساريين والليبراليين واليمينيين والفوضويين، علما أن بعضهم ذاقوا طعم التعذيب في سجون الأنظمة التي قمعت إسلاميين وشيوعيين، وآخرين رفضوا تسلّطها ومن بينهم الروائي الكبير صنع الله إبراهيم الذي صعقني بقوله في صالون جنيف الدولي إن الأوضاع تحسّنت في مصر السيسي بفضل “النجاح” في محاربة الإسلاميين، علما أن الكثير من رفقاء دربه يرون أن عهد مبارك أرحم من عهد من يسجن كل من يعارضه حتى وإن كان من غير الإسلاميين.
مأساة الكثير من المثقفين العرب الطلائعيين المؤمنين بالجدلية التاريخية وبالأطروحات الفكرية الحديثة غير الدينية، هم أنفسهم الذين يدوسون عليها بإصرارهم على تفضيل كل نظم البطش غير الإسلامية ورفضهم تفسير الظاهرة الإسلامية ضمن صيرورة تاريخية كما يفعلون حيال اتجاهات وظواهر أخرى.
الشيء نفسه يقوم به مثقفو باريس اليوم حيال المهاجرين والإسلام، والكثير منهم مثلا عُرفوا بتمجيدهم للرئيس التونسي بن علي على ضفاف الشواطئ الخلابة في الوقت الذي كانت فيه تونس سجنا في الهواء الطلق. معظم المثقفين العرب الذين يصرّون على إخراج التوجّهات الإسلامية من دائرة التحليل الجدلي ولا يعترفون بفشلهم الفكري حيال الجماهير التي تحدّثوا وكتبوا باسمها لعقود، يساعدون إسرائيل على قتل الإنسانية في فلسطين المسجد الأقصى المنسي والمباح بغض النظر عن مرجعيته الدينية على مرأى ومسمع مثقفين عالميين وأوروبيين جعلوا من التنديد بالإرهاب الإسلامي فقط تجارة مربحة في سوق إيديولوجية الأقوى الذي يكتب التاريخ ويفسر الظواهر والمفاهيم على مقاسه.