الرأي

حربٌ باردة بدماء العرب الرخيصة

حبيب راشدين
  • 5091
  • 20

الفيتو الروسي الصيني المزدوج ضد مشروع قرار عربي ودولي يدعو إلى هدنةٍ من 7 أيام بمدينة حلب لإدخال المساعدات الإنسانية، هو الفيتو المزدوج الثاني حول الأزمة السورية، وقد تميّز هذه المرة بدعم من دول الـ”بريكس” بما يضعه حتما في خانة إصرار القوى الناشئة على إقامة نظام عالمي متعدِّد الأقطاب، ولو بمزيدٍ من الدماء العربية وبهدم حواضرهم.

ليس صدفة أن يقبل النظام السوري على مذبحة في حمص سقط فيها أكثر من 300 ضحية، عشية تصويت مجلس الأمن، وكان الطرف الروسي قد طمأنه باستحالة تمرير مشروع قرار كان سقفه أصلا منخفضا، يطالب بفرض هدنة إنسانية تسمح لهيئات الإغاثة بنجدة عشرات الألوف من المدنيين المحاصَرين في بعض أحياء حلب، وقد أضيف إلى القصف الجوي وجرائم الميليشيات الإيرانية وحزب الله، سلاحُ القتل بالتجويع.

وكيفما كانت أهدافُ القوتين: روسيا والصين، فإن القرار لا يضعهما فقط في خصومةٍ مع الدول الغربية والولايات المتحدة التي انسحبت عمليا من الصراع العسكري في سورية، لكن سيُدخلهما حتما في عداءٍ مع الشعوب العربية التي تُبتلى اليوم بعدوٍّ من الشرق بعد نصف قرن من استعداء الغرب لها، كما يوحي القرار برغبة القطبين الجديدين في ربح معركة بناء النظام العالمي المتعدِّد الأقطاب ولو على أنقاض المدن العربية وبدماء العرب.

ما هو مؤكدٌ أن روسيا والصين لا يُعيران أي اعتبار للدماء العربية، تماما كما فعل الغرب في العراق وليبيا، ومن قبل في الصراع العربي الصهيوني، علما أنه لا مصلحة اقتصادية واضحة للقوّتين في سورية، وأن الفيتو لم يكن لـ”إعلاء مبدأ سيادة الدول واحترام القانون الدولي” كما يدَّعي بوتن، لأن سورية اليوم هي أكثر دول العالم استباحة، مع سقوط جزء من أراضيها تحت سيطرة المعارضة، ووجود مساحاتٍ واسعة تحت سيطرة تنظيم “داعش”، فضلا عن سقوط شريط الشمال تحت سيطرة الأكراد والأتراك، ولن يكون لسقوط حلب ـ إن حصل ـ تأثيرٌ كبير على مسار استعادة السيطرة لصالح النظام.

بقي أن الأهمَّ في الفيتو الروسي الصيني هو تداعياته الدولية على أكثر من صعيد، فقد وضع وجها لوجه المجموعة الغربية المهيمنة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أمام كتلةٍ صاعدة ممثلة في دول الـ”بريكس” وقد صوّتت متضامنة ضد مشروع القرار العربي الغربي، في رسالة هي الأوضح، تفيد بنهاية حقبة استبداد الدول الغربية بسلطة مجلس الأمن كسلطة تُجيَّر لإخضاع الشعوب المستضعَفة وليس لصيانة الأمن الدولي وحراسته، ولا تفيد بطموح أكثر من رغبة الروس والصينيين في اقتسام سلطة الاستبداد مع الغرب.

بعض العرب قد يصفِّق فرحا لقرار ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قِبله العذاب، سوف يتبيَّن بعد حين أنه ليس مسموحا ـ منذ اليوم ـ للضعفاء من شعوب ودول العالم سوى البحث عن مظلة الحماية من أحد الفسطاطين كما كان حالهم زمن الحرب الباردة، وأن العرب والمسلمين ـ وهم المستهدفون من قبل ومن بعد بخطط النظام العالمي الساقط تحت الهيمنة الصهيونية ـ لن يستفيدوا من حماية إحدى المظلتين حتى يتَّبعوا ملة يأجوج الشرق ومأجوج الغرب ويدفعوا الجزية من أموالهم وأعراضهم وملَّتهم عن يدٍ وهم صاغرون.

مقالات ذات صلة