الجزائر
المفرزة الخاصة للدرك و"البياري".. القوة الضاربة لمعاقل السموم

حرب على “التشوشنا”

نوارة باشوش
  • 34052
  • 0

جرعة واحدة لا تتعدى الغرام الواحد من مخدر “التشوشنا”، تجعل الصغار والكبار يخرجون من العالم الحقيقي وينتقلون إلى براثن “العبودية” وتجرهم إلى دائرة الإجرام من بابه الواسع، ليتحولوا إلى لصوص وقتلة، ثم يقذف بهم في غياهب زنزانات السجن المظلمة والمنعزلة بعد أن عبثت بعقولهم ودمرت خلاياهم الدماغية..

نعم فنحن لا نتحدث عن “هلمند” و”قندهار”، بل عن الجزائر التي تحولت في الأشهر الأخيرة إلى أحد المعاقل لبيع هذا المخدر الصلب من طرف الرعايا الأفارقة، بتواطؤ من تجار “الموت”، مقابل حفنات معدودة من الدراهم.

أفارقة يستغلون البيوت القصديرية لتحضير الخلطة وتسويقها إلكترونيا

“الشروق” وبمساعدة من مصالح الأمن تمكنت من الحصول على معلومات وصور وفيديوهات حصرية لتجار “التشوشنا”، هذه المادة السامة التي في ذوقها تشبه مخدر “الهيروين”، لكن مفعولها أقوى منه بكثير.. يتكفل بتحضير خليطها “أفارقة” من مختلف الجنسيات، يتخذون البيوت القصديرية، على غرار مواقع “الباخرة المحطمة Bateau Cassé” ببرج الكيفان، وكرا لإنتاجها، ثم ينتشرون كالطفيليات رفقة جزائريين أطلقوا عليهم “الريّاس” في الأحياء الشعبية، على غرار باب الوادي، باش جراح، الحراش، وسط العاصمة، درارية، دويرة، معالمة “سيدي عبد الله”، خرايسية غربها، لاستدراج الشباب والمراهقين وحتى الكهول لاستغلالهم في ترويج سمومهم، في المناطق التي صنفت بـ”خريطة التشوشنا”، خاصة في الغابات والمنتزهات، مثل “بواد ديكارت” بدالي إبراهيم، وبوشاوي بالقرب من محمية الدولة “موريتي”، وباينام بأعالي بوزريعة وصولا إلى “الكتاني” باب الوادي، ومنتزه الصابلات على مرمى حجر من المسجد الكبير، اللذين يعتبران متنفسا للعائلات الجزائرية.. بل إن تجار “التشوشنا” اخترقوا مدرجات الجامعات والمدارس والثانويات… وهنا يكمن الخطر.

القوة الضاربة للدرك والشرطة.. عيون لا تنام

في صلب محاربة تجار “زطلة” المخزن وشبكات المتاجرة بالهيروين والكوكايين والأقراص المهلوسة، ظهرت “مافيا” أخطر بكثير من هؤلاء وهي عصابات “التشوشنا”، ولكن كما يقال “لكل فرعون موسى”، فقد سخرت قيادتا الدرك والشرطة قواتهما الخاصة من فئة “المغاوير” الذين يمتد عملهم إلى جميع ولايات الوطن، حيث جنّد جهاز الدرك عناصر “المفرزة الخاصة للدرك DSI”، وهي وحدة صفوة عملياتية مختصة في التدخل الخاص، فرقة لا تعرف حدودا لاختصاصها، تتميز بالسرعة في التنفيذ والدقة في التحري، يوجه نشاطها أساسا لشل نشاط المجرمين جد الخطرين، ومصالح الشرطة عن طريق تسخير قناصيها من فئة “البياري BRI” التي تتميز بالتغلغل وسط الشبكات الخطيرة، فهؤلاء عيون لا تنام وجنود خفاء لتعقّب ورصد كل تحركات تجار “التشوشنا” من أفارقة وجزائريين، كل حسب اختصاص إقليمه، وباستعمال أجهزة جد متطورة من كاميرات وأجهزة الترصد والتحري، وبالفعل تمكنوا من تفكيك العديد من الشبكات وتوقيف المجرمين وتجار هذه المادة السامة، خاصة أن هذه الأجهزة الأمنية تدرك تماما أنها في مواجهة عصابات جريمة منظمة لها امتدادات دولية تتجاوز الإقليم الجزائري.

اعترافات خطيرة للمدمنين والمروجين.. والغابات والمنتزهات في خطر

وقد كشفت التحقيقات مع الموقوفين من خلال تعقب مافيا “التشوشنا”، أن هذا المخدر أصبح يستقطب جميع الفئات من الشباب والمراهقين، رجالا ونساء، طلاب جامعات ومتمدرسين في المتوسطات والثانويات، إلا أن أبناء المسؤولين من فئة الوزراء وإطارات الدولة حطمت الرقم القياسي، بعد انتقالها من الهيروين والكوكايين إلى “التشوشنا”، فغرام واحد من الهيروين يباع بـ4 آلاف دج، أما غرام واحد من الكوكايين فيباع بأكثر من مليون سنتيم، فأسعار هاتين المادتين، ليست في متناول جميع المدمنين، شأنها في ذلك شأن حبوب ”اكستازي” المنشطة التي يستهلكها أكثر أبناء الأثرياء والمتعودين على السهرات الليلية، حيث تباع الحبة الواحدة منها بـ7 آلاف دج، فيما تتراوح أسعار “التشوشنا” بين 3000 و5000 دينار جزائري للغرام الواحد، مما يدر أرباحا طائلة على تجار ومروجي هذه السموم، إلى درجة صناعة ما يعرف بـ”اقتصاد مواز”، نظرا لجني هذه العصابات الملايين من الدينارات.

وإلى ذلك، فإن التحريات المعمقة لذات الأجهزة الأمنية أسفرت عن حقائق خطيرة بخصوص الطريقة الحديثة التي يتم بها بيع “التشوشنا” والتي تستقطب أكبر عدد من المستهلكين، وذلك من خلال التسويق الإلكتروني باستغلال مروجي وتجار المخدرات مواقع التواصل الاجتماعي، على غرار “الفايسبوك، إنستغرام، تويتر، سناب شات”، لترويج سمومهم وسط الشباب، بغرض تحقيق الربح المادي السريع، حيث إن التحقيقات بينت أنها تمتلك الوسائل والقدرات كافة لإحباط محاولات ضعاف النفوس في ترويج مختلف المواد المخدرة والإيقاع بهم.

وفي هذا السياق، تمكنت مصالح الأمن من تحديد عمليات عديدة لإرسال الرسائل العشوائية عبر إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، التي كانت تحوي صورا ومقاطع فيديو ورسائل صوتية لترويج المخدرات، وتدعي قدرة تلك العناصر الإجرامية على إيصال المخدر لأي مكان أو منطقة في الجزائر.

 “التشوشنا لايت” لإيقاع “الزوالية” في فخ “العبودية”

وبينت التحقيقات أيضا أن أفارقة من مختلف الجنسيات يقومون بإحضار خليط “التشوشنا” المكون من “كمية قليلة من الهيروين والفرينة والبراستامول” وغيرها من المواد، ويتم تجفيفه ليشبه إلى حد ما حجرة صلبة بيضاء ليتم بيعه واستهلاكه، عن طريق إذابة هذه المادة المخدرة، إذ يوضع مسحوق الهيروين على الملعقة ويذاب بالماء مع استخدام بعض قطرات من الليمون أو الخل وتسخين الماء المخلوط بالمخدر مع المادة الحمضية عن طريق ولاعة أو كبريت أو شمعة للمساعدة على الذوبان، ثم يقوم المدمن بحقن نفسه عن طريق الوريد، باستعمال الحقنة الموجهة لمرضى السكري “حقنة الأنسولين”، وهي الطريقة التي تستعمل بكثرة بين المدمنين، الذين لا يفكرون إلا في تلك الساعات أو الدقائق المعدودات التي يبحرون فيها في “التشوشناتهم”، وصاروا عبيدا لذلك “السم”.

كما يحتال الأفارقة على الشباب “الزوالية”، حسب التحريات التي توصلت إليها مصالح الأمن من خلال تحضير ما يعرف بـ”التشوشنا لايت”، أي الخفيف والذي لا تتعدى فيها المادة المخدرة “THC” نسبة 10 بالمائة ويقومون ببيعها بأقل الأثمان أي لا تصل 1000 دج، وبالضبط فهي تتراوح بين 500 و700 دينار.

الأفارقة ومقابل الأموال علّموا المهنة للجزائريين الذين أصبحوا هم كذلك يحترفون إنتاج خليط “التشوشنا”، ويبدو أنّ عصابات هذا المخدر لا يقتصر نشاطها على ترويج هذه السموم، بل إلى تخدير الشباب، ومن ثمة تجنيدهم في عمليات السرقة والسطو، وعمليات الاحتيال وتكوين جماعات أشرار، ويصل الأمر إلى حد ارتكاب جرائم القتل.

وحسب التحقيقات الأولية، فإن جريمة القتل التي جرت أطوارها مؤخرا في حي باب الوادي، كانت نتيجة “التشوشنا”، والتحريات مازالت متواصلة، وكل ذلك يجعل تلك العصابات تتنازل أحيانا وتبيع الشباب ذلك المخدر بنصف الثمن، حتى تقوده إلى عالم الإدمان، ويسهل فيما بعد التحكم فيه.

 “الرّايس” و”العقرب”.. اعترافات خطيرة للموقوفين

وقد جمعت “الشروق” عينات من اعترافات عدد من الموقوفين من طرف مصالح الأمن، حيث أدلوا بحقائق صادمة عن عالم “التشوشنا” الخفي، والذي تولد من خلاله الملايين من الدينارات، وجر الآلاف من الشباب والرجال والنساء على حد السواء.

المدعو “م.محمد” البالغ من العمر 36 سنة من حي باب الوادي، صرح للضبطية القضائية أنه مدمن على “التشوشنا” لأكثر من 7 أشهر، وروى تفاصيل دخوله هذا العالم قائلا: “الخلطة جعلتنا نجرب التشوشنا”، كان هناك أشخاص من خارج الحي يروجون لها، وكانوا يبيعونها لنا بأبخس الأثمان “70 ألف سنتيم” للغرام الواحد، لكنها ليست قوية وهي معروفة باسم “التشوشنا لايت” أو خفيف حتى ندمن عليها، وأنا مثلي مثل العديد من شباب حي “الساعات الثلاث” وقعت في الفخ، لولا أنني تفطنت للحيلة لما انسحبت، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن، فالبطالة وأزمة السكن والمشاكل حولت العديد من أبناء حينا إلى مدمنين بامتياز، ليس فقط على “التشوشنا” لكن على المخدرات بكل أنواعها “الزطلة” والمهلوسات، بل حولت عددا منهم إلى لصوص وقتلة، ولقد دخل كثير منهم السجن، وآخرين ضاعوا تماما، فيما مات الكثير منهم في عرض البحر، بعد أن قرروا تحقيق حلم “الحرقة” إلى أوروبا.

تجار “التشوشنا” اخترقوا مدرجات الجامعات وأسوار الثانويات

من جهته، اعترف “فتحي.س” الذي تم إلقاء القبض عليه في منطقة سيدي عبد الله “المدينة الجديدة” بزرالدة، بإدمانه وترويجه لـ”التشوشنا”، قائلا “لم أكن قد رأيت هذا المخدر في حياتي إلا في الأشهر القليلة الأخيرة، حيث أن الكثير من أبناء الحي صاروا يتعاطونه وكأنه موضة، ومن أسوإ ما يفعل هذا المخدر بالإنسان أن يجعله فعلا يرتكب أشياء لا يشعر بها، كأن يشوه نفسه بيديه، ولكن من دون أن يشعر بذلك، ولا أدري إن كان هذا الترويج لهذا السم القاتل كان بالصدفة، أم أنّ هناك نية في زرعه بيننا، فأنا في البداية كنت أتعاطي الأقراص المهلوسة”.

وتابع “وفي أحد الأيام التقيت بأحد الأفارقة الذي تبين أنه تاجر للمخدرات الصلبة بكل أنواعها، وبعد دردشة معه أقنعني أن جرعة واحدة من “التشوشنا” ستحسن مزاجي ومفعوله أفضل بكثير من المهلوسات، وفعلا “مشيت معاه”، وجربت هذا المخدر وأصبحت مدمنا عليه، بل بين ليلة وضحاها تحولت إلى مروج لهذه المادة، إلى أن أوقفتني مصالح الأمن متلبسا وأنا بصدد بيع هذه السموم”.

وبالمقابل، فإن المسمى “بدر الدين.ق”، كشف لمصالح الضبطية القضائية “أن المدعو “عقرب”، تاجر المخدرات، الذي ينادى باسم “الرايس”، هو من يمكن أن يدلهم على الأماكن التي يمكن الحصول منها على “التشوشنا” والمخدرات الأخرى بالناحية الشرقية للعاصمة”، ويشرح “هنا مفترق طرق، يمكنك أن تجد كل شيء، الهيروين والكوكايين للأغنياء، أما بالنسبة للفقراء، فهناك الترامادول والغانجا”، وكل هذه المواد المخدرة تباع وتشترى على مستوى قهوة الشرقي وعين طاية وهراوة، وعلى طول هذا الخط الساحلي، إلا أن المعقل السري لإنتاج خليط “التشوشنا” يتموقع في البيوت القصديرية الواقعة بـ”الباخرة المحطمة” ببرج الكيفان، وهو من اختصاص الأفارقة، خاصة من جنسيتي النيجر ومالي”.

أما المدعو “ع. ابراهيم”، الذي تم توقيفه من طرف مصالح الدرك الوطني، فقد أقر بإدمانه وترويجه لمادة “التشوشنا” ومعها الأقراص المهلوسة، ويتحدث الموقوف عن تجربته مع تعاطي المخدرات بالقول “يفقد مدمن “التشوشنا” بعد تعاطيه الجرعة شهيته للطعام طوال 14 يوما، فلا يستطيع تناول أكثر من رغيف خبز واحد كل يوم وسرعان ما يتغير لون بشرته الذي يميل إلى الأصفر الشاحب وهو ما حدث لي ولرفقائي في الإدمان”.

إبراهيم وخلال تصريحاته للضبطية القضائية، اعترف بندمه، وقال “والله أنا ندمان”، ومع توقيفي قررت أن أخوض معركة الانسحاب من عالم المخدرات الذي سيجرني حتما إلى السجن، ومع هذا فإني مستعد للتعاون مع الأجهزة الأمنية لتحديد خارطة “التشوشنا” والأقراص المهلوسة على مستوى العاصمة، لأنني أعرفها وأعرف مروجيها جيدا.

ديوان مكافحة المخدرات يحذر..!

وفي هذا السياق، حذر تقرير الديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها، من ارتفاع كميات المخدرات التي تدخل عبر الحدود الجزائرية، وبلغة الأرقام كشفت مصادر من الديوان لـ”الشروق” أن مختلف الأجهزة الأمنية “المشتركة” الدرك، مفارز الجيش، الشرطة، الجمارك، حجزت 40 طنا من راتنج القنب الهندي خلال الـ10 أشهر من السنة الجارية، منها نسبة 43 بالمائة تمت في غرب البلاد، وبالضبط في الحدود مع المغرب.

أما بخصوص الأشخاص المتورطين، فقد سجلت ذات الهيئة أن ما يفوق 35 ألف شخص تورطوا في قضايا استهلاك وترويج ومتاجرة بالمخدرات خلال نفس الفترة، مؤكدة امتلاك بارونات المخدرات لمخابر مختصة وكذا تحويل كميات كبيرة من الحبوب المصنوعة في المخابر الأجنبية نحو سوق المخدرات، فيما تؤكد العديد من التقارير على أن الحدود الجنوبية أيضا تعد المصدر الرئيس للمخدرات التي تعبر الجزائر.

مقالات ذات صلة