حرب غير معلنة بين روراوة وخاليلوزيتش
توترت العلاقة بين رئيس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم ومدرب المنتخب الوطني الأول، البوسني وحيد خاليلوزيتش، في المدة الأخيرة حيث دخلا في حرب غير معلنة أو حرب باردة، وتبادلا الكثير من الرسائل المشفرة، وحتى وإن لم يخرج خلافهما إلى العلن، فإن الفترة المقبلة ستحمل الكثير من المستجدات التي قد تؤثر بشكل أو بآخر على المشهد الكروي في الجزائر، وبصفة خاصة على المنتخب الوطني المقبل بعد ستة أشهر على المشاركة في نهائيات كأس العالم بالبرازيل.
كانت العلاقة تبدو في آخر ظهور لروراوة وخاليلوزيتش في الجزائر “سمنا على عسل”، ولكن الحقيقة عكس ذلك تماما، فلم يخفف تأهل المنتخب الوطني إلى كأس العالم، بعد اجتيازه عقبة منتخب بوركينا فاسو يوم 19 نوفمبر الماضي، من عمق الأزمة التي اشتعلت بين الرجلين قبل أشهر وزادت حدتها في الدور الفاصل المؤهل إلى المونديال، والعلاقة بينهما اليوم ليست تماما بنفس الصورة التي ظهرا عليها عقب “موقعة تشاكر” المونديالية، عندما التقطت عدسات المصورين عناقهما الحار وإجهاشهما بالبكاء، ابتهاجا ببلوغ المونديال وانتهاء الكابوس الذي طاردهما خلال التصفيات.
وكشفت مصادر عليمة لـ “الشروق” بأن الأزمة بلغت ذروتها بين الرجلين بعد قرعة نهائيات كأس العالم التي سحبت يوم 6 ديسمبر الماضي بمدينة باهيا دو سالفادور البرازيلية، وانتهت بمقاطعة الرئيس لمدربه وعدم حديثه إليه منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا، بل إن روراوة، حسب مصادرنا، يرفض الرد على المكالمات الهاتفية لمدربه. وكلف أحد مسؤولي الفاف بالتعامل معه مباشرة في كل الأمور التي تخص المنتخب الوطني.
وتسرد “الشروق” هنا “كرونولوجيا” القطيعة التي حدثت بين روراوة وخاليلوزيتش في كل مراحلها. والبداية كانت خلال كأس أمم إفريقيا 2013 بجنوب إفريقيا.
“كان 2013”: روراوة حارب الجميع ودافع بشراسة عن مدربه رغم مرارة النكسة
أولى بوادر القطيعة بين رئيس الفاف ومدربه البوسني، والتي كانت على هامش نهائيات كأس أمم إفريقيا التي احتضنتها جنوب إفريقيا مطلع العام الحالي، حيث أطلق خاليلوزيتش قبلها تصريحات نارية في حق مسؤولي الفاف، بعد أن انتقد طريقة اختيارها لمقر إقامة المنتخب في مدينة روستنبورغ، وكذا توقيت مباراة جنوب إفريقيا الودية، لتأتي بعدها نكسة الخروج من الدور الأول من المسابقة، وحينها وكما هو معلوم حارب رئيس الفاف كل من انتقد مدربه بسبب سوء النتائج وإفلاسه التكتيكي، وراح يدافع عنه بشراسة مجددا الثقة فيه، رغم أن مصادرنا أكدت بأن رئيس الفاف أصيب بإحباط كبير جراء مرارة الإقصاء ولم يكن بوسعه سوى الدفاع عن مدربه كون الخضر كانوا على موعد مع لقاء مهم أمام البينين في تصفيات المونديال شهرين بعد “الكان”.
خاليلوزيتش يفجر فضيحة “الشيشة” ويحطم مشروع روراوة
ورغم هدوء الأوضاع في بيت “الخضر” بعد نكسة جنوب إفريقيا، عاد المدرب البوسني ليفجرها من جديد على هامش مباراة البينين يوم 26 مارس الماضي بالبليدة، حيث أطلق العنان لتصريحات نارية ضد بعض لاعبي المنتخب الوطني، منهم كادامورو، بوعزة وجبور، قبل أن يفجر فضيحة من العيار الثقيل كاشفا بأن اللاعب رياض بودبوز دخن “الشيشة”، و”أمور أخرى” قبل وخلال كأس إفريقيا 2013. وكان لتلك التصريحات وقع سلبي على رئيس الفاف الذي امتعض من الطريقة التي تحدث بها مدربه، خاصة وأن الخضر كانوا على موعد مع لقاء مهم بعد أيام من الندوة الصحفية. وشعر روراوة آنذاك بأن مشروعه في ضم أفضل اللاعبين مزدوجي الجنسية سيتحطم على يدي خاليلوزيتش، كون بودبوز واحدا منهم، وسينفّر ما حدث له بقية اللاعبين الفرانكو جزائريين- الذين كان روراوة يتفاوض مع أفضلهم لضمهم إلى المنتخب- من الالتحاق بهذا الأخير في صورة سفير تايدر وياسين براهيمي اللذين انضما فعلا إلى صفوف الخضر قبل مباراة البينين، وكذا بلفوضيل الذي تردد كثيرا في قبول الانضمام إلى كتيبة “المحاربين”.
انتقاده الكرة الجزائرية واللاعبين السابقين والمدربين
وطال اللسان السليط لخاليلوزيتش كل من له علاقة بالمنتخب الوطني والكرة الجزائرية من قريب أو بعيد، حيث لم يتورع في توجيه سهامه تجاه العديد من اللاعبين السابقين والمدربين والتقنيين والمحللين. وبالغ في انتقاد البطولة الوطنية محليا ودوليا.
استبعاده بلفوضيل القطرة التي أفاضت الكأس
وأثار خاليلوزيتش غضب رئيس الفاف من جديد بعد أن استبعد مهاجم نادي أنتر ميلان الإيطالي إسحاق بلفوضيل عن مباراة ذهاب الدور الفاصل أمام بوركينا فاسو بواغادوغو، كرد منه على احتجاج اللاعب على عدم إشراكه في مباراة مالي في ختام دور المجموعات بالرغم من أن نتيجتها لم تكن مهمة. ودخل رئيس الفاف ومدربه في خلاف عميق بسبب هذه القضية، ليفرض الأخير منطقه ويستبعد اللاعب، مثيرا استياء رئيسه الذي رأى بوادر تحطم مشروعه الرياضي مع اللاعبين مزدوجي الجنسية بدأت تتجسد على أرض الواقع. وكان حينها المدرب قد تأخر كثيرا في الإعلان عن قائمة اللاعبين المشاركين في التربص والمباراة، ما أثار جدلا واسعا وسط وسائل الإعلام.
وضع روراوة في حرج كبير بعد تشابكه مع الحكام واتهام الفيفا والكاف بالرشوة. وتطورت الأزمة بين الرجلين من جديد خلال لقاء بوركينا فاسو والجزائر بواغادوغو، الذي عرفت نهايته إصابة المدرب بـ”هيستيريا” كبيرة بسبب تعرض الخضر لظلم تحكيمي، وراح يتهجم على حكام اللقاء بشتى العبارات المشينة، دون أن يراعي مصلحة المنتخب وإمكانية تعرضه للعقوبة، قبل أن يحتوي رئيس الفاف الوضع وينقذ مدربه والمنتخب من ورطة حقيقية قبل لقاء الإياب. وحرص روراوة على تحذير مدربه من مغبة تكرار ما فعل وعواقبه الوخيمة، إلا أنه لم يتعظ بل ذهب إلى أبعد من ذلك في الندوة الصحفية التي سبقت لقاء إياب الدور الفاصل، عندما فتح نيرانه على الهيئات الكروية الدولية والإفريقية وعلى رأسها الفيفا والكاف، حيث اتهمهما علانية بـ”تعاطي الرشوة وخدمة مصلحة من يدفع أكثر”. وهو ما أوقع رئيس الفاف في حرج كبير مع الهيئات التي شغل مناصب حساسة بها. وزاد غضب رئيس الفاف من التصريحات الانهزامية التي أدلى بها خلال الندوة وكذا انتقاده لاعبيه علانية بعد أن قال بأنهم لا يصلحون للعب مع المنتخب وبأنه استعان بهم مضطرا فقط.
حادثة تايدر ومبولحي
وزاد استياء روراوة من مدربه بسبب عدم تواصله الجيد مع لاعبيه، وتجسد ذلك بعد أن قام باستبعاد لاعب الوسط سفير تايدر من التشكيلة الأساسية التي واجهت “الخيول” في تشاكر دون أن يعلمه بذلك شخصيا بل أرسل إليه محلل الفيديو سمير بريكي لإبلاغه بالأمر ما أجج غضب اللاعب، الذي أحس بالاحتقار وكاد يحزم أمتعته ويغادر مقر التربص لولا تدخل بعض المسؤولين. وسار على دربه الحارس رايس وهاب مبولحي، الذي لم يعلم باستبعاده من التشكيلة سوى ليلة المباراة، حيث قرر هو الآخر المغادرة قبل أن يتم احتواء الأزمة خدمة لمصلحة المنتخب.
مواصلته التلاسن مع الحكام والمنافسين في إياب الدور الفاصل
وعاد البوسني مجددا إلى طباعه، وكاد يتسبب في أزمة كبيرة خلال لقاء إياب الدور الفاصل، عندما تلاسن مع الحكم الرابع ومهاجم بوركينا فاسو أريستيد بانسي، ما جعل روراوة ينزل شخصيا إلى أرضية الميدان وينهر مدربه ويعيده إلى كرسي البدلاء. وانتهى الأمر بمساءلته من طرف الفيفا حول التصريحات التي اتهمها فيها بالرشوة وكذا سلوكه في مباراة بوركينا فاسو قبل أن تكتفي بتغريمه ماليا وتوجيه آخر إنذار إليه.
تردده في تجديد عقده، وحديثه المستمر عن تلقيه عروضا
ومن الأمور التي عمقت من الهوة بين الرئيس والمدرب هو تردد الأخير المتواصل في الرد على عرض الأول بتمديد تعاقده إلى ما بعد كأس أمم إفريقيا 2015 بالمغرب، حيث يتهرب في كل مرة ويتذرع بحجج واهية، قبل أن يطل بخرجات غريبة في تصريحاته الإعلامية بتلقيه عروضا مغرية من منتخبات ونواد أوروبية وخليجية، بل تمادى في ذلك عندما بلغ إلى مسامع رئيس الفاف بأن مدربه يتفاوض لأجل القيام بمغامرة جديدة خارج أسوار الخضر.
تقزيم منتخب 2010 أمام الصحافة الدولية
ولم تمر التصريحات النارية التي أطلقها خاليلوزيتش في حق المدرب الأسبق للخضر رابح سعدان ومنتخب 2010 بعد قرعة المونديال مرور الكرام على روراوة، خاصة وأن البوسني وصف ذلك بالضعيف وبنبرة تهكمية وساخرة، وأمام جمع من الصحفيين الأجانب، ما تم اعتباره على أنه إهانة للجزائر وللكرة الجزائرية.
روراوة كاد يقيله بسبب رفضه إجراء اجتماع بالجزائر
ومثلما نشرت “الشروق” في عدد يوم الأحد الماضي، فإن روراوة كاد يقيل مدربه بعد عملية القرعة بعد أن رفض الأخير إجراء اجتماع تقني بالجزائر مصرا على عقده بفرنسا، قبل أن يخيره الرئيس بين الرضوخ لطلبه أو مغادرة المنتخب فورا، ليلبي البوسني رغبته مرغما. وقال مصدر عليم بأن هذا الحديث كان الأخير بين الرجلين، حيث غادر روراوة غاضبا وكلف أحد المسؤولين بالتعامل معه ولم يتحدثا مع بعضهما منذ ذلك الوقت.
تعيين المدرب المساعد و”لغز” اللقاءات الودية
وفي انتظار انتهاء القطيعة بين روراوة ومدربه بحل ودي سلبيا كان أم إيجابيا، فإن آخر مستجدات الأزمة بينهما كان موضوع تعيين المدرب المساعد الجديد للمدرب، حيث كان روراوة يصر على ضرورة تعيين إطار محلي في صورة توفيق قريشي، فيما كان البوسني يصر على مدرب أجنبي، قبل أن يفرض اللاعب الدولي السابق عبد الحفيظ تاسفاوت الذي كان يشغل منصب مناجير عام في المنتخب. وهو ما صدم روراوة، الذي حمل مدربه تبعات هذا القرار بالنظر إلى عدم امتلاك تاسفاوت شهادات تدريب وعدم قيامه بمثل هذه المهمة من قبل. كما عمقت قضية اللقاءات الودية التي من المفروض أن يلعبها المنتخب الوطني استعدادا للمونديال الأزمة بين الرجلين، بعد أن تحولت إلى لغز يصعب حله، حيث ظل المدرب يماطل في اختيار هوية المنافسين، ويتردد في مكان إجراء المباريات، على غرار مباراة البرتغال التي كانت مقررة في مارس قبل أن تلغى نهائيا بسبب المزاج المتقلب للمدرب وعدم استقراره على رأي.