الجزائر
أجرة صاحبها لا تتجاوز 13500 دج شهريا

حرفة حفر القبور.. قطعة عذاب في الحر والصيام

الشروق أونلاين
  • 10127
  • 3
الأرشيف

تعدّ حرفة حفر القبور الأصعب على الإطلاق في الوقت الحالي، فهي لا تختلف عن الأعمال الشاقة التي يعاقب بها السجناء في السابق. هذه الحرفة تتحول إلى قطعة من العذاب عندما تكون في رمضان وتحت حرارة ملتهبة كما هي الآن.

محمد والسعيد نموذج من الفئة المكلفة بحفر القبور، الاثنان يمارسان هذه الحرفة منذ أكثر من عشرين سنة، فهما يعملان ببلدية سطيف ويشكلان فريقا له مهمة واحدة وهي حفر القبور في مقبرة سيدي الخيّر، وهي المقبرة التي زرناها وقضينا فيها أكثر من نصف يوم ملتهب، فوجدنا محمد والسعيد قد انطلقا في حفر القبر بعد إخطارهما بوجود وفاة. محمد يبدأ الحفر بالفأس، والسعيد يزيل التربة بالمجرفة ثم يتبادلان الدور. الحرارة بلغت 40 درجة، وفي بطحاء المقبرة لا تلمح إلا صمت القبور ولا تسمع إلا همس وضربات المعول الذي تآكل من شدة احتكاكه بالأرض الصلبة، فما بالك بحامله محمد الذي بدأ يتصبب عرقا واضطر إلى الانسحاب من ساحة المقبرة ليتوسد شجرة على حافة الممر، بعدما سلم المعول لزميله السعيد ليخلفه.

حتى استراحته فيها عذاب فقد بسط رجليه على الأرض وشهيقه يسابق زفيره، بينما احمّر وجهه ومال إلى اللمعان من شدة الحر والتعب، فشابك بين أصابع يديه المخشوشنتين والمتشققتين. وراح يحدثنا بحرقة فيقول: مثل هذا العمل لا يكفيه فريق من شخصين فقط، بل إن القبر الواحد يتطلب على الأقل أربعة عمال؛ فالمهمة شاقة ومرتبطة بالوقت لأن القبر يجب أن يكون جاهزا قبل صلاة الظهر. وفي مثل هذه الظروف، فإن مدة حفر قبر واحد تستغرق من ساعتين إلى 3 ساعات على الأقل. وهو تحد عليه أن يرفعه رفقة زميله، وأحيانا يجدان نفسيهما مجبرين على حفر أكثر من ثلاثة قبور في اليوم، دون أن يتلقيا المساعدة من أي جهة    .

السعيد يقول بأنه رفع شكواه إلى مسؤولي البلدية لتدعيم الفريق بعمال آخرين إلا أن طلبه لم يلق أي صدى. وخلال حديثنا أفادنا السعيد بأن عملية حفر القبر لا تتطلب حسابات معقدة، فعموما الطول يكون حوالي 190 سنتمترا، وإذا أعلن أهل الميت بأن المرحوم طويل القامة يمكن أن يوسع إلى مترين بينما عمق الحفرة الداخلية يصل إلى موقع الركبة. يعود السعيد ويقول إن “الحڤرة” ضُرِبت عليهما. وفي نفس الوقت يواجه مع زميله معاملة قاسية من بعض أهالي الميت الذين يشترطون التعجيل بحفر القبر ويفضلون اختيار المكان دون احترام ترتيب القبور. ورغم ذلك يقول السعيد لا نتصادم معهم ونقدر وضعيتهم لأنهم مجروحون ونحاول قدر الإمكان تلبية رغباتهم. 

ونحن نتحدث، يوشك القبر أن يكون جاهزا والساعة تشير إلى منتصف النهار، لكن فجأة جاء رجلان وأخبراهما بأن لهما جنازة، فتنهد السعيد ثم استرجع أنفاسه بعدما أخبره أحدهما بأن الدفن سيكون بعد صلاة العصر. فذلك من حسن حظهما فعليهما الآن أخذ قسط من الراحة واستئناف العمل لحفر قبر جديد وهذه يومياتهم، قبر من بعده قبر حتى يلتحقا هما بالقبر.

ورغم صعوبة هذه المهمة يقول محمد بأن المقابل لا يعدو أن يكون دراهم معدودة لا تكفي لسد الرمق، فأجرة حفار القبور لا تتجاوز الـ 13500دج، وحسب محمد “هي قيمة زهيدة جدا لا تتناسب مع متطلبات الحياة اليومية“.

 وإذا كانت بعض الأعمال الشاقة تتوقف في رمضان وتؤجل إلى أيام أُخر، كما هو الشأن مع عمليات الحفر اليدوي التي تقوم بها شركة سونلغاز أو مصالح البلدية واتصالات الجزائر فإن عمليات حفر القبور تستمر حتى في شهر الصيام لأن الدفن لا يحتمل التأجيل، وهو العمل الذي يتم تحت الحر وتحت الأمطار والثلوج وفي كل الظروف والأزمة؛ فالكثير يغفلون عن هاته الفئة التي تعاشر الموتى أكثر من الأحياء، رغم أن حرفتهم من أقدم الحرف فوق الأرض، فالغراب أول من مارسها وعلمها للإنسان وعكس العديد من الحرف فهي غير قابلة للانقراض وستبقى خالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

مقالات ذات صلة