الرأي

حروب بالفاشلين في زمن “عولمة” الإفلاس

حبيب راشدين
  • 2498
  • 12

ألمس عند بعض القراء كثيرا من التردد في مسايرة الوجه الجديد للحرب بالفوضى في منطقتنا، وألتمس لهم ولنفسي كثيراً من الأعذار، لأننا لسنا بصدد حرب تقليدية بين طرفين، ولا هي بحرب أخرى يحرّكها دافعٌ استعماري صرف، أو ديني صليبي محض، أو هي مجرد امتداد وتوسعة للحروب الصهيونية المستدامة، أو تحركها الأطماع في الثروات النفطية، وليست هي فقط حرباً على العرب بالجملة، وعلى السُّنة منهم بالتقسيط، بل هي كل ذلك وأكثر، وإن شئت فهي حرب مركّبة، تُحرّك على أكثر من مستوى: محلي، إقليمي، وعالمي، بمضامين ثقافية، عِرقية، مذهبية، اقتصادية وجيوسياسية مضلِّلة، لم يكن بوسع شعوب المنطقة، ولا بوسع نخبهما صرف أعاصيرها المدمِّرة عن المنطقة، منذ أن منحنا لأمريكا في العراق موطنا مميزا لتفجير صاعقها الأول.

هذه الحرب المركبة كانت “مكتوبة” معلنة منذ بداية الألفية الثالثة، وقبلها بأعوام، حين بدأ التخطيط لتوليد ما كانت صفوةُ “المحافظين الجدد” تصفه بـ”مشروع القرن الأمريكي الجديد”، وقد اشتَغلت عليه ما بين 1997 و 2006 أبرزُ شخصيات الإدارة الأمريكية بوجهيها، منذ ريغان وحتى بوش الابن، من الصفوة التي سوف تدبر ما يشبه الانقلاب الأبيض بداية عهدة بوش عبر أحداث 11 سبتمبر 2001، وكان شعارهم “ما يصلح لأمريكا يصلح للعالم”، وأنه يتعين على أمريكا قيادة العالم رغم أنفه.

غير أن غرق أمريكا عسكرياً في رمال العراق بكلفة مالية باهظة، واقترانه بنشوء أزمة مركّبة في المنظومة المالية النقدية والمصرفية الغربية، قد أظهر عندهم الحاجة إلى تخليق حالة من “الفوضى الخلاقة لمزيد من الفوضى”، وترهيب الشعوب بالكوارث والجائحات، كان يُعوَّل عليها لصرف الشعوب الغربية قبل غيرها عن مساءلة النخبة عن حالة الإفلاس الشامل، وإن أمكن عولمة الإفلاس، وتفريق “إثمه” بين أمم العالم.

يكفينا أن نذكر أن 46 ولاية من بين 50 ولاية أمريكية هي في حالة إفلاس معلن، وأن 15 من أضخم البنوك العالمية هي في حكم المفلس، وأن الدين العمومي في الغرب يزيد عن 40 تريليون دولار، وأن الدولار مرشح للانهيار قبل نهاية 2015، وليس اليورو بأفضل حال، ولا بصيص أمل في تعافي الاقتصاد العالمي قبل حلول 2020 حسب الخبراء، أي في توقيت تكون الولايات المتحدة وأوروبا قد فقدتا فيه الصدارة الاقتصادية والتجارية، وربما الهيمنة النقدية والمالية لفائدة الصين ودول “البريكس”.

لأجل ذلك، صنعت هذه الفوضى الخلاقة في قلب العالم الطاقوي والجيوستراتيجي، وسوف تتوسع وتتعاظم، ولأجل ذلك اختلطت في أذهاننا الخيوطُ البيضاء بالسوداء، وصرنا لا نميِّز العدو من الصديق، ونقيم حروبا غير مسبوقة، تكتب سيناريوهات بالتفصيل المملّ داخل المخابر، نقيمها بمعايير ومصطلحات زمن الحروب الصليبية الأولى، وفي أحسن الأحوال بمعايير زمن الاستعمار القديم، وصدّقنا الأكذوبة التي جعلت من “داعش” قوّة عالمية ترعب الغرب، كما صدّقنا من قبل أن مجموعة مطارَدة بجبال أفغانستان كانت قادرة على تدبير وإدارة أحداث 11 سبتمبر 2001، وصدّق بعضنا أن العالم الغربي، الذي ينتكس بوتيرة هندسية نحو حقبة جليدية من الفاشية، كان مؤهّلا لموالاة ونصرة شعوبنا وهي تطلب البنفسج من الربيع في آخر ساعة من فصل الخريف.

مقالات ذات صلة