الرأي

حرية التعنتير!

جمال لعلامي
  • 3869
  • 3

..23 سنة من ميلاد التعددية الإعلامية، في الجزائر، علينا جميعا كإعلاميين وصحفيين، وسياسيين، وعلى القراء أيضا، تقييم حصيلة هذه السنوات التي كانت “عجافا” حسب البعض، وكانت حسب البعض الآخر “مبحبحة” إعلاميا وسياسيا، لأنها كانت فضاء لإفراغ المكبوتات والمقترحات وحتى “تصفية الحسابات” بعد سنوات طويلة من الحزب الواحد والرأي الواحد والإعلام الواحد و”التعنتير” الواحد الأوحد!

الجيل الأول والمخضرم، يعرف جيّدا أن 23 سنة لم تكن بردا وسلاما، بالنسبة لحرية التعبير والصحافة، فقد كانت هذه الأخيرة خلال تلك الفترة “العصيبة” والمعقدة والحسّاسة، في مواجهة الإرهاب الأعمى الذي استباح بكلّ وحشية دماء عشرات الصحفيين العزل، ممّن واجهوا “المحشوشة” بقلم رصاص وقنينة حبر وكمشة أوراق بيضاء!

 

الجيل الأوّل، يرى أنه افتكّ التعددية الإعلامية من فمّ الأسد، في وقت اعتبرها بعض المنظرين والفلاسفة، أنها “هدية” اضطرارية من السلطة أنذاك، تبعا لما فرضته المتغيرات وتطورات ترتيب الأوراق داخل دواليب الحكم، مباشرة بعد “انتفاضة 5 أكتوبر”، التي وُلد من رحمها تعددية إعلامية وأخرى سياسية مغلفتين بكارتونة الديمقراطية!

لقد واجه الجيل الأول السلطة، وواجه “لعبة التوازنات”، وواجه مئات الإرهابيين، وواجه الرعب والهلع، وواجه قوانين حالة الطوارئ، وواجه مخاطر تشميع الجرائد، إمّا بالإفلاس أو بالقرارات السياسية والقضائية، كما واجه مخاطر الدخول إلى السجن، وواجه قبل ذلك، مخاطر إنجاح تجربة جديدة لم تكن هكذا بالسهولة والمشاهد الوردية التي يتصوّرها اليوم “الجيل الجديد” من الصحفيين وأفراد الأسرة الإعلامية!

نعم، 23 سنة، كانت لحرية التعبير والصحافة، وكانت للتضحيات والمغامرات والمقامرات والتحديات والانتصارات، لكنها كانت أيضا لحرية “التعمير” و”التمسمير”، وكذلك بالنسبة للبعض من الدخلاء والسماسرة حرية لـ”التعنتير” و”التشوكير” والتدمير، وكلها باسم حرية التعبير!

الفاتورة كانت باهظة، والتجربة طويلة ومريرة، وبالتالي، لا داعي لأيّ مزايدات أو مهاترات أو استعراض للعضلات، فالذي دفع ثمنه الصحافيون والإعلاميون الجزائريون، يستحق اليوم والغد، اعترافا وتقديرا واحتراما، من طرف هؤلاء وأولئك، وهذا بطبيعة الحال، بعيدا عن عقلية “حوحو يشكر روحو”، أو منطق “الأقربون أولى بالمعروف”!

لكن، هذا لا يمنع من الاستناد إلى المثل القائل: “ألـّي فاتك بليلة فاتك بحيلة”، ولذلك على الجيل الجديد أن لا يتنكـّر للجيل القديم، مثلما على الجيل القديم أن لا يحتكر “ثورة” حرية التعبير ويسطو على غنائمها وانتصاراتها، معتقدا أنه البطل الذي لا بطل قبله ولا بطل بعده!

مثلما على الجيل “المبتدئ” من الصحفيين أن لا يعتقدوا أن أصول وفصول الصحافة وقفت عند عتبتهم، وأنهم في غنى عن تجارب و”نصائح” الأوّلين من المحتكرين، كما لا يجب على فئات من السابقين واللاحقين، أن تعتقد بأن حرية التعبير تعطي الحقّ للمساومة والابتزاز والتحامل والتطاول والقذف وكيل الاتهامات دون دليل!

..لكن بالمقابل، لا ينبغي إطلاق سراح حرية تعبير على المقاس، فحرية التعبير هي حق وواجب في النقد والانتقاد وفضح المستور وكشف الحقائق والدفاع عن انشغالات المواطنين، والمساواة بين الوزير والمدير والمير والغفير، في تمكين المواطن من حقه في الإعلام، دون تغطية الشمس بالغربال، أو ستر هذا وذاك، أو التواطؤ مع فئة على حساب فئة.. والأهم أن حرية التعبير، هي سلاح للدفاع عن الجزائر والجزائريين، وليتنافس في ذلك المتنافسون.

مقالات ذات صلة