حزب العثماني في المغرب.. كيانٌ وظيفي شاذ!
لقد تعلمتُ من الشيخ محفوظ نحناح أنّ المواقف المبدئية لا تخضع للموازنات السياسية، وكان رحمه الله كثيرا ما يقول لنا: (إنني أوازنُ في كل شيء إلا في موقفي من فلسطين).
وهذا الفهم الأصيل هو ذات الفهم الذي كان عليه الإمام ابن باديس رحمه الله على المستعمِر حين قال: (لو قالت لي فرنسا الاستعمارية قل لا إله إلا الله ما قلتُها).
ولأجل هذا أقول اليوم بعد أن ترددتُ كثيرا في تقدير أهمية كتابة هذه التدوينة أو عدم كتابتها بخصوص التعليق على الموقف التطبيعي المرفوض الذي جدده المغرب وتولى إخراجه رئيس حزب العدالة والتنمية الذي يتولى رئاسة الحكومة المغربية.
وإنْ كنتُ بتاريخ 27 جوان 2017 قد سبق لي تسجيل بعض الخواطر عبر صفحتي وبيّنتُ في تدوينتي بحكم معرفتي الجيدة بعدد من رموز هذا الحزب وبما ينشرونه من أفكار فيها بعض الشذوذ الفكري التي جعلت منظريهم يستغلون مع الأسف الشديد “الفكرة الإسلامية الوسطية” بشكل غريب عمّا هو سائد داخل أبناء التيار الإسلامي العريض؛ إذ جعلوا من بيعة “أمير المؤمنين” قضية مركزية في كل تنظيراتهم ومواقفهم، وتحت سقفها فقط يعملون ولو على حساب المواقف المبدئية، ويخالفون بذلك اغلب الحركات الإسلامية، عكس ما يشاع عند الناس بأنهم جزءٌ هذه الجماعة أو الحركة أو تلك .
وأنا هنا لا أعيب عليهم اختياراتهم السياسية في قضايا بلدهم، وإنما أعيب عليهم الشذوذ الفكري الساخر أحيانا من مواقف غيرهم من تيار الوسطية والاعتدال، مثل ما فعلوا مع جماعة الإخوان المسلمين ومع حركة حماس فلسطين نفسها، والشرعنة للاعتداء على حقوق غيرهم من الشعوب والدول.
وهذا الشذوذ الفكري هو الذي جعل حزبَهم كيانا وظيفيا لخدمة أجندات ضارة بمصالح الأمة وبمصالح شعبهم وقواعدهم الانتخابية والحزبية .
ولقد صرحتُ مرارا أن “الحَراك الشعبي المغربي” إنما أجهضه فكرُهم بتخطيط ذكي من “المخزن” الذي استثمر من خلالهم الإيديولوجية الإسلامية وبالتنسيق التام معهم لامتصاص حراك الشارع لصالح استقرار دوائر الفساد المرتبطة به وليس استقرار الدولة المغربية الذي نتفهمه ولا نقبل المساس به .
ولعله من المناسبة هنا أن أذكِّر بما سبق لي نشرُه على صفحتي الفيسبوكية منذ تاريخ 27 جوان 2017، وتناقلتْ مضمونه بعض الجرائد والمواقع، إذ علّقتُ في تدوينتي تلك على بعض الأفكار الشاذة الواردة في الكتاب الجماعي حول “قضية الصحراء الغربية” الذي كتبه ثلاثة من رموز هذه الحركة وهم (الريسوني- الحمداوي- أبو زيد المقري)، وقد جاء فيه: أن خارطة الجزائر فيها تضخُّمٌ كبير وانتفاخٌ غير طبيعي، وينبغي أن تُقسَّم حتى يكون بعضُها تابعا للمغرب، وتكون مناطق البترول والغاز بحاسي مسعود وغيرها تابعة لليبيا، وتكون ولايات أقصى الجنوب ملحقةً بدول الجوار الإفريقي للجزائر!.
وهذا المختصر من تنظيراتهم كافٍ لإظهار الشذوذ والغرابة في الطرح التي لم يُقدم عليها حتى “حزب الاستقلال” المغربي المعروف بتطرفه السياسي ونظرته التوسعية والعدائية.
ومثل هذا الموقف عبّر عنه أيضا الدكتور أحمد الريسوني بخصوص دولة موريتانيا الشقيقة حين زعم أن أراضيها “أراضي مغربية”، ما جعل الإخوة في “حزب تواصل” الموريتاني يردّون عليه باستغراب.
لقد كان خطاب هذا الحزب دوما مناوئا للجزائر، بل لأغلب الجنسيات حتى في تنافسات الجالية المسلمة حول تسيير المساجد قصد التمثيل الرسمي في أوربا عموما وفي فرنسا خصوصا، بالرغم من عدم جدوى هذه الصراعات بين مكونات الساحة الإسلامية التي تعمل لتوطين الدعوة في أوربا، ولكن سلوكات كوادر هذا الحزب كانت دائما شاذة لا يهمها إلا خدمة أجندات “المخزن” حتى في هذه المواقع الدعوية.
ولكن هذا الشذوذ اليوم بلغ ذروته عندما تعلّق الأمر بقضية فلسطين المقدسة والمركزية لدى أبناء الأمة الإسلامية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تبرير حالة هذا التطبيع المؤسف الذي فيه دعمٌ واضح للاحتلال الغاصب للأرض وللحقوق، والذروة هو ليس فقط في شرعنة الاحتلال بالسكوت أو بالتأييد بل بالقرار والتوقيع والمصادقة عليه باسم الدولة، من هنا جاءت الذروة .
كيف يُعقل أن تُقايَض قضية فلسطين بأي قضية أخرى، وخاصة قضية الشعب الصحراوي التي هي قضية تصفية استعمار حسب لوائح الأمم المتحدة سبق للمغرب نفسه أن وافق على حلها عن طريق الاستفتاء؟.
إنني هنا ألفت النظر إلى قضية جد مهمة وهي أن الدولة المغربية من أكثر الدول معرفة بالأعراف الديبلوماسية وأكثرها تشبثا بها، فكان يغني العثماني رئيس حزب العدالة أن لا يوقع على الاتفاق مع الكيان الإسرائيلي وأمريكا في إطار توازي الأشكال ويوقع على الاتفاق من الجانب المغربي مستشار الملك أو حتى وزير الخارجية، لأنه وقع من الجانبين الإسرائيلي والأمريكي مستشاران وليس رئيس حكومة بل هما مستشاران لحكومتين انتهت عهداتهما، لو لم يكن العثماني مقتنعا بذلك من اجل تقاسم الأعباء السلبية مع القصر لآي ارتدادات سلبية من طرف الشعب المغربي الأبيّ ضمن الالتزام بمركزية بيعة “أمير المؤمنين” كما يؤكدوا عليها في وثائق حزبهم.
تلك المركزية بما يسمى بيعة “أمير المؤمنين” لدى العثماني وحزبه هي التي جعلتهم اليوم ينخرطون في صراع يدور داخل القصر ويؤرق الملك محمد السادس، خاصة وأنه يمر بمرض شديد (والأعمار بيد الله)، وهو صراعٌ على ولاية العهد، فيمن يخلف محمد السادس؟ هل إنفاذ ولاية العهد لابنه مولاي الحسن، أم تعود إلى أخيه مولاي الرشيد؟ وكان ذلك هو الدافع الحقيقي والأساسي من وراء هذا التطبيع مع الكيان الإسرائيلي الذي سيوفر حماية دولية لاستمرار ولاية العهد لابنه الحسن ولاسيما عندما تكون تلك الحماية أمريكية إسرائيلية في ظنه .
وهنا أحبُّ أن أؤكد كذلك أن دولا عربية قد أقدمتْ على التطبيع الأخير قبل المغرب، ورغم إدانتنا المطلقة لتصرفاتها، لكنها أقل شؤما من التطبيع المغربي، ولقد لاحظنا أنّ رموز حزب العدالة والتنمية المغربي ومراجعه الفكرية قد عارضت سابقا مواقفَ قادة تلك الدول حتى كادوا يُخرجونها من الملة، وسكتوا عن انتقاد موقف بلادهم بنفس الشدة والنبرة
وإذا سلَّمنا بصدق مواقفهم، فإن المراقب الموضوعي لا يزال ينتظرُ من هذه الرموز ومن المؤسسات التي يرأسونها -التزاما بالعدل والإنصاف والحق- مواقفَ بنفس القوة وبنفس الصراحة ضد ملك المغرب باعتباره رئيس لجنة القدس، وضد العثماني باعتباره رئيس الحكومة، وضد حزب العدالة والتنمية الراضي بتصرف قيادته.
ننتظر هذا الموقف الذي سيُفرح الشعب المغربي، وكل شعوب المنطقة والأمة وأحرار العالم، وهذا هو امتحان صدقهم .
بقى لي أن أشير في الأخير إلى أن هذا التطبيع المغربي كان مفترضا عندهم أن تلحق به تونس الشقيقة، وكان القصد منه محاصرة الدولة الجزائرية من كل الجهات وهي لازالت تقاوم التطبيع وتصنع الاستثناء من بين غالبية الأنظمة الرسمية العربية الوازنة وتنسجم مع موقف شعبها ومبادئها التي تأسست عليها، إلا أن الموقف الرسمي والشعبي لتونس أفشل جزءا من المشروع الخطير لإسكات أيِّ موقف رسمي إلا وهو مستسلمٌ بل ومتآمر على الحق الفلسطيني والقدس الشريف وآخره تآمر رئيس لجنة الأقصى الشريف على الأقصى الشريف.
ولعله ليس عيبا الآن أن يقرأ الفلسطيني والعربي بلا خجل قصائد مظفر النواب ونزار قباني لاسيما: القدس عروس عروبتكم -يا فلسطين لا تنادي عليهم- قممٌ قمم قمم معزى على غنم، وبصوت الشاعرين وليس غيرهم !