-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حزب “شح”

عمار يزلي
  • 3579
  • 0
حزب “شح”

كانت انتخابات الخميس عادية بالمقاييس المعروفة عندنا منذ ربع قرن. عادية لأنها لم تغير من الأمر شيئا كما كان متوقعا. الشيء الجديد فيها أن المعارضة زادت في التراجع فيما أحزاب الدولة والسلطة كرست كراسيها بلا منازع. هذا العمل ليس وليد تعديلات دستورية جديدة وليس فقط نتيجة تزوير كما كان يحدث في السابق. فالتزوير حتى وإن حصل، فليس هو المشكل، إنما المشكل في العزوف الذي صار هاجسا يؤرق السلطة ويخيف المعارضة على حد سواء.

كما كنا قد تحدثنا مرارا، فإن اللعبة السياسية الانتخابية صارت مغلقة إلى غاية 2030، وليس في وسع السلطة، إيمانا منها على الأقل، بضرورة مواصلة العمل على تطبيق برنامج رئيس الجمهورية، الذي لا يمكنه أن يطبق إلا بعد عهدتين ما بعد 2019. هذا واضح في برنامج الحكومة التي خططت لبرنامج اقتصادي تنموي على ثلاث مراحل يمتد إلى غاية 2030.

بالمناسبة، 2030، هو تاريخ انتهاء عمر الجيل الثاني، جيل الثورة وما بعدها، أي جيل الخمسينات الذي لا يزال هو عينه يشرف على التحولات الاجتماعية والاقتصادية لصالح الجيل الثالث، الذي سيعمر من 2030 إلى 2070، والذي سيجد، بحسب برنامج الحكومة الاقتصادي الطموح والكبير، الجيل الثالث مجبرا على القبول به وانتهاج نفس النهج والمواصلة فيه. هذا على الأقل ما تراه السلطة ضروريا للخروج من الواقع الحالي بعد أن يؤول الاقتصاد غير الريعي إلى واجهة اقتصاد التصدير والاكتفاء ودخول البلاد في تصورهم إلى دائرة الدول المستقرة النامية.

هذا الغلق السياسي مع السماح لبقية من المعارضة الهادئة بالمشاركة بنسب قليلة لا تؤثر على مشاريع قوانين الحكومة وتمر بيسر في البرلمان بدون الاضطرار إلى التشريع بالمراسيم، كان خطة إستراتيجية لبقاء أحزاب السلطة ومن يدور في فلكها، مهيمنة على “الأغلبية في منتخبي الأقلية”، وتمرير المشاريع بكل سكر وحلاوة. نتمنى أن تكون الحكومة والسلطة على حق و62 في المائة من “العازفين” على وتر غير وتر السلطة، على خطأ، لأن كل البوادر تشير إلى اتساع الهوة بين السلطة والشعب، والدليل هو نسبة المشاركة، حتى ولو وضخمت، فإن النسبة تبقى ضعيفة جدا. هذا دون أن نعرف حجم الأوراق الملغاة والبيضاء منها والسوداء، التي حوت كل أشكال الضحك والتفكه والمعاني الموحية بأن شيئا ما يتطور نحو الرفض المطلق. ولعل هذا ما دفع أمين عام الأفلان إلى التصريح بأن حزبه سيبقى مائة عام أخرى في السلطة.

الأكيد الآن أن حزب “شح” (“حزب شكاير الحليب”)، وحركة “حام” (“حركة الأوراق الملغاة”)، وجبهة “جعا” (“جبهة العزوف الانتخابي”) تشكل الآن في رأي العام والخاص الأحزاب الكبرى، أحزاب الأغلبية، والذي سيختار منه رئيس الجمهورية بعد استشارة الكتلة “الصامتة” ـ التي صارت تنطق اليوم بصوت مسموع عبر مواقع التواصل الاجتماعي الهائلة ـ رئيس وزراء باعتباره ممثلا للأغلبية المغلوبة على أمرها.

بهذا المنطق، سنجد أنفسنا قلبنا المعادلة وبدأنا من أسفل ـ كما كان يفعل بن علي عندما تقدم له قائمة ترشيحات! كان يبدأ في تعيين من الذيل وصاعدا! هكذا، نحن علينا اليوم أن نعتبر أصوات 8 ملايين، إذا صدقنا الحجم الانتخابي وإذا لم نحسب الأصوات الملغاة، رقما هزيلا لوعاء انتخابي يزيد عن العشرين مليونا وشعب يزيد عن 40 مليونا. أقلية ساحقة، كالعادة ترسم حياة الأغلبية المطلقة المغيبة (62 في المائة) منذ ربع قرن بكل أشكال التغيب حتى أن  الأحزاب عندنا صارت مجرد ديكور لا علاقة لها لا بالشعب: الاتصالات بالقاعدة والاجتماعات مقيدة برخص لا تمنح، مظاهرات ممنوعة، لأن الرخص لا تمنح! هذا الفصل بين القواعد والقمم، جعل أحزاب السلطة باعتبارها “أجهزة دولة” تعمل بشكل إدارة لا في شكل أحزاب، تطبق القوانين وتأتي للصناديق عندما يطلب منها أن تهب لذلك.

هذا الوضع بحاجة إلى تصحيح، لأن عمر انتهاء الجيل الثاني إن لم يحدث تغير ملموس، سيكون أصعب من نهاية الجيل الأول في 1990، والذي حدث بعده ما حدث، لا زلنا إلى اليوم نكتوي بناره سياسيا واقتصاديا.. وأمنيا.

لم أنم أمس.. تصبحون على خير!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!