الرأي

حسن المقصد في الاحتفاء بالمولد

سلطان بركاني
  • 3919
  • 0

مع حلول شهر ربيع الأوّل، واقتراب ذكرى مولد النبيّ- صلّى الله عليه وآله وسلّم- الموافقة للثاني عشر من هذا الشّهر، في قول أكثر أصحاب السير، ينشط كثير من الشّباب على مواقع التواصل الاجتماعي، في نشر فتاوى تنتصر للقول ببدعية الاحتفال بالمولد النبويّ، ولا شكّ أنّ قصد هؤلاء الشّباب حسن، ومنطلقهم مفهوم. ومن الحيف والظّلم أن يُزايد عليهم في محبّتهم لنبي الهدى- صلى الله عليه وآله وسلّم-، خاصّة أنّ هذا القول الذي يروّجون له ليس جديدا بين المسلمين، فقد سبقهم إليه علماء جهابذة من مختلف المذاهب الإسلاميّة.

لكنّ الذي يؤخذ على هؤلاء الشّباب، هو إصرارهم على إظهار القول ببدعية الاحتفال بالمولد النبويّ على أنّه قول مجمع عليه بين أئمّة الدّين، وهو وحده الصّواب الذي ليس بعده إلا الخطأ، بل ربّما الحقّ الذي ليس بعده إلا الباطل، ونزوعهم إلى تعميم القول بتحريم كلّ مظاهر الاحتفال والاحتفاء بذكرى ميلاد الحبيب المصطفى عليه الصّلاة والسّلام، بما في ذلك عقد المحاضرات والنّدوات وتنظيم المسابقات التي يكون الغرض منها حثّ المسلمين على الإلمام بسيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وعلى طاعته ونصرته واتّباع سنّته والتّأسّي بهديه، هذا فضلا عن عدم مراعاة هؤلاء الشّباب لواقع الأمّة، وواقع المسلمين الذي ما عاد يصلح معه مبدأ “كلّ شيء أو لا شيء”.

إنّه مهما ظهر من بُعد كثير من المسلمين في هذا الزّمان عن دينهم، فإنّ جذوة الخير في نفوسهم، وغيرتهم لدينهم ولقضايا أمّتهم، ومحبّتهم للحبيب عليه الصّلاة والسّلام، لا يمكن أن ينكرها أحد، وإذا قصّر المسلمون في ترجمة الغيرة على الدّين إلى واقع حيّ، وما عاد كثير منهم يتذكّرون الدّين إلا يوم الجمعة، فإنّ ذلك لا يسوّغ للدّاعية الحكيم أن ينكر اهتمامهم بالدّين يوم الجمعة ويظلّ مصرا على تبنّي القول ببدعية الدرس الذي يسبق الخطبة في هذا اليوم استنادا إلى نصوص تُنزّل على غير مناطها، بل الحكمة تقتضي أن يستثمر إقبالهم على الدّين في هذا الوقت ليُذكّرهم– مستخدما اللّهجة التي يفهمها عامّتهم- بحقيقة أنّ دين الله ينبغي أن يحكم حياتهم كلّها في كلّ مناحيها وفي كلّ يوم وكلّ ساعة وكلّ وقت، وهكذا إذا رأى المسلمين ينتفضون نصرةً للنبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- كلّما رامَ المتطاولون مقامه السّامي، فليس من الحكمة أن يواجِه تلك الفورة المحمودة في أصلها وفي كثير من وسائلها، باجتهادات يذهب أصحابها إلى بدعية المظاهرات والاعتصامات، وإذا رأى المسلمين يظهرون محبّتهم لنبيّ الهدى عليه الصّلاة والسّلام في ذكرى مولده بمظاهر منها الحسن ومنها المقبول ومنها المرفوض، فإنّ المفترض في حقّ الداعية الحكيم أن يُحاول استثمار هذا الإقبال في تعليم النّاس لوازم محبّة المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم ومقتضياتها، بدل أن ينشغل بإنكار مظاهر الاحتفال جملة وتفصيلا. 

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: “فتعظيم المولد واتّخاذه موسمًا، قد يفعله بعض النّاس، ويكون له فيه أجر عظيم لِحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمتُه لك أنّه يحسن من بعض الناس ما يُستقبح من المؤمن المسدّد، ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء إنّه أنفق على مصحف ألف دينار، أو نحو ذلك، فقال: دعهم، فهذا أفضل ما أنفقوا فيه الذهب، أو كما قال. مع أنّ مذهبه أنّ زخرفة المصاحف مكروهة. وقد تأوّل بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجويد الورق والخطّ. وليس مقصود أحمد هذا، إنّما قصده أنّ هذا العمل فيه مصلحة، وفيه أيضًا مفسدة كُره لأجلها. فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا، وإلا اعتاضوا بفساد لا صلاح فيه، مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور وكتب الأسمار أو الأشعار، أو حكمة فارس والروم.. فتفطّنْ إلى حقيقة الدّين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشّرعية والمفاسد، بحيث تعرف مراتب المعروف، ومراتب المنكر، حتى تقدّم أهمّها عند الازدحام، فإنّ هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل، فإنّ التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر، أو جنس الدليل وغير الدليل، يتيسّر كثيرًا “. (اقتضاء الصّراط المستقيم: 2/ 89).

الاحتفال بمولد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم شابته في هذا الزّمان وفي أزمنة مضت، عند طوائف من المسلمين، شوائب كثيرة، ينبغي أن يُعلّم المسلمون بالحكمة والرّفق أنّها ليست من الدّين، ويبيَّن لهم منشؤها وأصلها، لكنْ أن يصل الأمر إلى حدّ إنكار كلّ مظاهر الاحتفال، ويحرّم تخصيص ذكرى المولد بأيّ لون من ألوان الاحتفاء بما في ذلك النّدوات والمسابقات والتّكريمات، فهذا ليس من الحكمة في شيء. يقول الإمام محمّد البشير الإبرهيمي رحمه الله: “ولو أنّهم (الملوك الذين احتفلوا بالمولد) جعلوا تلك الاحتفالات ذرائع لإصلاح حال الأمّة، وحملها على الرّجوع إلى السّنن النبوية، والاهتداء بالهدي المحمّدي، لكان لفعلهم محمل سديد، وأثر حميد، لأنّ الأمور بمقاصدها. أمّا الحبُّ الصحيح لمحمَّد صلّى اللهُ عليه وآله وسلَّم فهو الذي يَدُعّ صاحبَه عن البدع، ويحملُه على الاقتداء الصحيح، كما كان السلف يحبُّونه، فيُحيون سُننه، ويَذُودون عن شريعته ودينه، من غير أن يقيموا له الموالد وينفقُوا عليها الأموال الطائلة التي تفتقر المصالحُ العامَّةُ إلى القليل منها فلا تَجدُه، ونحن نحتفل بالمولد على طريقة غير تلك الطريقة، وبأسلوب غير ذلك الأسلوب، فنجلّي فيه السيرة النبوية، والأخلاق المحمدية، ونكشف عما فيها من السر، وما لها من الأثر في إصلاحنا إذا اتبعناها، وفي هلاكنا إذا أعرضنا عنها، ففي احتفالاتنا تجديد للصلة بنبيّنا في الجهات التي هو بها نبيّنا ونحن فيها أمّته”. (آثار الإمام الإبرهيمي).

إنّه لم يعد من مبرّر لفتنة النّاس في هذه المسألة، خاصّة أنّ المسلمين جميعا يرون كيف أنّ الدّول الإسلاميّة كلّها ومن دون استثناء تحيي ذكريات كثيرة في العام تَخصّها بمظاهر لا تكون في سائر الأيام، ويستهجنون أن تكون ذكرى المولد النبويّ أقلّ شأنا من تلك الذّكريات والمناسبات.

مقالات ذات صلة