حسيسن… طير الملحون الذي رحل باكرا
ثمة فنانون يرحلون في زهرة شبابهم، وعظمتهم لا تقاس بعمرهم، بل بتلك البصمة الفريدة التي يخلفونها وراءهم، في زمن قد يعيش الآخرون ضعفه، ولكن لا يتركون أثرا يذكر. الفنان الراحل حسيسن، يجسد هذا الكلام، بحياته القصيرة وإنجازاته الفنية الكبيرة. فنان مر على الشعبي كشهابٍ خاطف، وقد اختزلت حياته القصيرة والكثيفة معادلة الفن والنضال. الشروق العربي، تفتح ثلاثية حسيسن، الرجل والفنان والمناضل.
ولد حسيسن، واسمه الحقيقي أحسن العربي بن عمار، في حي القصبة العريق، بالجزائر العاصمة، في 8 ديسمبر 1929. تنحدر عائلته المتواضعة من قرية “تيزي عمور بوماحني“، التابعة لبلدية عين الزاوية بالقرب من ذراع الميزان.
شعر أحسن بوطأة الفقر والبطالة في زمن الاستعمار، في عيني والده المثقلتين بالهموم، واستشعر الطفل منذ نعومة أظافره قسوة الحياة مبكرًا؛ فاستعان بمهنة بيع الجرائد في أزقة العاصمة، لكسب فرنكات قليلة ساعدته في الصمود حتى نال شهادة التعليم الابتدائي. رغم هذا الإنجاز الكبير آنذاك، إلا أن أحسن لم يكمل تعليمه، وعمل لدى أحد المشغلين الفرنسيين عملا مرهقا وشاقا.
بين الآهة والآهة آهات
وفي خضم عقبات الحياة وجحيم الحال، بدأت الموهبة الاستثنائية لـ “حسيسن“ بالظهور؛ فتعلم عزف المندول والإيقاع بنفسه. ولم يكد يبلغ الخامسة عشرة حتى اكتشفه الشيخ “عمراوي ميسوم“، فضمّه فورًا إلى فرقته كعازف إيقاع. واغتنم أحسن قربه من العبقري الشيخ الميسوم، ليغوص في أسرار الموسيقى الشعبية، وفك شيفرة العروض، والأداء مستعينا بذاكرة خارقة مكنته من حفظ القصائد الطويلة، بعد قراءتها لمرة أو مرتين، وهي ملكة كانت تعد شبه معجزة في عصر الاعتماد على النقل الشفهي. وقد نهل من العنقى إتقانه اللامحدود للمندول والانضباط الإيقاعي، ومن الشيخ خليفة بلقاسم سخاء صوته عند الاستخبار، والشيخ مريزق كاريزمته على المسرح. وفي سنوات قليلة، غدا حسيسن أحد شيوخ الشعبي المعترف بهم، صدّاحًا في مقاهي القصبة وأحياء البيار وكوبا.
حامي حمى الملحون
تجلّت فرادة حسيسن في تمسّكه الراسخ بأصالة قصيدة الملحون الجزائري، في وقتٍ اتجه فيه جيل معاصريه نحو الطقطوقات القصيرة والإيقاعية السريعة، للتكيف مع المتطلبات التجارية للأسطوانات، اختار دربا آخر هو إعادة إحياء المقطوعات الدفينة لكبار الشعراء مثل العربي المكناسي، والأخضر بن خلوف، وأحمد الغربلي، مدوّنًا إياها بصبر بالأحرف اللاتينية في كراس خاص سماه “الكوراس“. في مسيرته الملهمة لم يظهر الشيخ حسيسن قط وفي يده نص مكتوب في أثناء الغناء، وهذا اقتداء بسيرة الشيوخ الكبار.
نداء الوطن
لم يكن حسيسن في معزل عن معاناة الشعب، وحين اندلعت الثورة المجيدة التحق بصفوف جبهة التحرير الوطني، عام 1955. كان حب الوطن لديه أقوى من أي حب آخر، وأكبر من حب أمه الشديد له، لكونه كان وحيدها. ورغم توسلاتها بأن يبقى إلى جانبها، إلا أنه فضل نداء الوطن.
المنفى الباريسي
بعد أن صارت حياته في خطر، غادر حسيسن إلى فرنسا، فجمعته الصدفة بأستاذه الشيخ ميسوم، ليحييا معًا أمسياتٍ للعمال والمهاجرين في مقاهي باريس. وفي أفريل 1957، ومع الإعلان عن تأسيس الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني بتونس، كان حسيسن في طليعة الملبين للنداء، برفقة صديقه وعازف إيقاعه الدائم “عليلو دبة“، الذي رفَض بدوره عروضًا مغرية من كبرى الفرق المصرية ليظل مخلصًا للثورة.
المنفى الذي دام عاما لم يعزل الفنان، بل جعله قريبا من نخبٍ فنّية مناضلة؛ أمثال عبد الحليم رايس، والحاج عمر، وسيد علي قويرت، ويحيى بن مبروك، وغيرهم. وبلغ نشاطه أوجه في الحفل التاريخي الذي أحياه يوم 26 جانفي 1958 بمقر اتحاد الطلبة المسلمين (115 شارع سان ميشيل)، حيث تنقل بسلاسة في قاعة مكتظة بين روائع الشعبي وأبيات بالأمازيغية. وبعد يومين فقط من الحفل، أقدمت السلطات الاستعمارية على حل الاتحاد واقتحام المقر.
أنا شيخ وأنت شيخ
تجلت إنسانية حسيسن في تواضعه وكرمه؛ إذ كانت حفلاته الطلابية مجانية بالكامل، وحين يغني في المقاهي كان يقسِم العائدات بالتساوي مع جميع العازفين متجاوزًا أعراف عصره بقوله: “أنا شيخ وأنت شيخ“. وفي باريس، بعيدًا عن الوطن، سجل منفردًا على المندول استخبارًا مؤثراً أهداه لأمه، وكان بمثابة مرثية تنبأت بدنو أجله.
غنى أغاني بالعربية كأغنية “راح طيري نهار الجمعة“ و“اللاهي يلتهى بهمو“ وبالقبائلية “آ طير القفص“ و“رفداغ تاباليزت“، حيث يحكي عن معاناة المغتربين والمهاجرين في بلاد الغربة.
منفى الجسد الأبدي
في أواخر مارس 1958، توجه حسيسن إلى تونس للانخراط في صفوف الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني، للقيام بجولات عربية في القاهرة، بغداد، دمشق، بيروت للتعريف بالقضية الجزائرية. هناك، وأمام إرهاق السفر والمنفى، تدهورت صحته فجأة وفارق الحياة قبل أن يكمل عامه الثلاثين. تتعدد الروايات التاريخية حول تاريخ وفاته. فهناك من يقول إنه توفي في 29 سبتمبر 1959. وهناك من يقول إنه رحل عن الدنيا عاما من قبل، أي في سبتمبر 1958.
دفن جثمان الفنان الراحل حسيسن في تونس بعيدًا عن قصبته العريقة، ولم يعد رفاته إلى أرض الوطن إلا عام 2012 ؛ ليرقد أخيراً في مقبرة القطار بالعاصمة، في القبر ذاته الذي يضم أمه التي غنى لها من منفاه الباريسي.