الرأي

حصاد الزمن المرّ

عبد الرزاق قسوم
  • 2832
  • 6

خرج الغرب النصراني اسمًا، العلماني رسمًا، خرج هذه الأيّام إلى الشوارع، معربدًا بعد أن تزيّنت الشوارع والمحلات، وتبّرجت النساء والفتيات، وكلّ ذلك احتفالا _زعمًا منهم- بمولد المسيح عيسى بن مريم _عليه السلام-.

غصّت بهذه المناسبة، الحانات والمطاعم، فملئت الأقداح والكؤوس بالخمور، وأوتيت كلّ أنواع الشذوذ والفجور، فشنشنت الكؤوس، وتمايلت الرؤوس، واشرأبّت الأعناق، والتفت الساق بالساق.

تبًا لهم! أهكذا يكون الاحتفال بمولد المسيح عيسى بن مريم رسول الله عليه السلام، وهو المبَّلِغُ عن الله بقيم الخير والسلام، والمبشِر باحترام الغير، ونشر الوئام؟.

ثم ما لأبناء الغرب لا يحتفظون من مبادئ المسيح، وهي النبيلة، إلا بعيد مولده، فيلطخونه بكلّ أنواع الفسق والرذيلة؟ إنّ عيسى _عليه السّلام- المبشِر بمحمد _صلّى الله عليه وسلّم- هو أوّل من يبرأ إلى الله مما يفعله “أتباعه” في عيد مولده، ومن يلعن أفعال هؤلاء الكافرين به وبمقصده.

أليس، سيّدنا عيسى _عليه السّلام- هو القائل: “إذا ضربك أحد على خدِّك الأيمن، فأدِرْ له خدَّك الأيسر” عفوًا وتسامحًا؟ فمال النصارى الذين يحيطون ميلاد المسيح بهذه المهرجانات يلطخونها بكلّ أنواع المنكرات، ويضيفون إليها منكرًا آخر وهو إذلال النفوس والعقول واحتلال الثكنات والحقول، وشتّى العدوان المسّلح على الشعوب، بقوّة السلاح الفتّاك، الثابت والمنقول؟.

إنّ الذين يرفعون _هذه الأيّام- شجرة السلام في عيد الميلاد، هم الذين رفعوا ويرفعون المشانق في كلّ بلاد، فهم الذين لا يزالون يحتفظون بمعتقل غوانتنامو سيء الذكر، وهم الذين بعثوا بقواتهم إلى العراق، وأفغانستان، وليبيا، ومالي، وأفريقيا الوسطى، ولا أعتقد أنّ قواتهم في تلك البلاد قد ذهبت للفسحة، وشمّ النسيم. فأين قيم، ومبادئ، وتسامح المسيح من كلّ هذا؟ وأين الوفاء للمسيح يا أمّة المسيح؟ (على حدّ تعبير المرحوم محمود بوزوزو).

وبينما الغرب النصراني ذي الجذور اليهودية، يقيم الأفراح ويشنشن الأقداح، فيتيه عجبًا في البطاح، نلتفت يمنة إلى مشرقنا العربي ذي الأصول الإسلامية نجد الدماء والجراح، والأحزان والأتراح، والبكاء والنواح.

ففي الغرب أفراح وفي الشرق غمّة                وما الأرض إلا جنّة، وجهنّم

سلم الغرب، بالرغم من مجونه، وخلاعته، وفسقه، وحمقه، سَلِمَ من كلّ أنواع العنف الجماعي، فلا تفجير، ولا تدمير، ولا مجازر بشرية أو مقابر جماعية لأنّ الغرب سلِم من الاستبداد السياسي، وفتنة الحكم والكراسي فتحصّن بذلك ضدّ كلّ المآسي.

أمّا الوطن العربي بشقيه: المشرقي والمغربي، فقد ابتليَ بالظلم على جميع المستويات، والفساد في كلّ الطبقات، فصار الظلم مقنتا والارتشاء مفننا، والعنف مسنّنا.

فلا يزال شعبنا في سوريا يعاني تدمير المباني على ساكنيها، فيُقطَعُ عنهم الماء، والكهرباء، ليُحرَموا من الغذاء والهواء. ولا يزال العُزَّل من النساء، والأطفال، والمدنيين يعيشون الخوف من سقوط المتفجرات عليهم من السماء أو سقوط زبانية القمع، وكلّ أنواع البلاء من كلّ فضاء، لقد أُغلِقت في وجوه السوريين كلّ أبواب الرّجاء إلا باب السماء، فأصبحوا كأوراق الخريف في الفضاء، فلطفًا بهم، يا ربّ السماء!.

وغير بعيد من سوريا، يعيش أشقاؤنا في العراق أسوأ أنواع الفتن، الفتنة الطائفية، وفتنة التفجيرات العشوائية، وفتنة التسّلط الاستبدادية، وما كان العراقيون يميّزون من قبل بين سنّي وشيعي، ولا حتى بين مسلم ومسيحي… فكيف تحوّلت الأحوال، وحلّ بهم الوبال، فأصبح العراق لقمة لكلّ دجال؟.

فإذا التفتنا إلى مصر الكنانة، وكانت من قبل رمز أهرام السّلام، وقبلة أزهر العلماء الأعلام، وشعب الفنّ والرّقة والابتسام، فماذا دهى مصرنا؟، ولماذا حادت عن خطها وخطنا؟.

إنّه ليعزّ علينا أن نقول، على لسان صالح خرفي، أنّها أصبحت مأوى ذئاب، كدّرت صفو الحياة. فأين مصر من شعارها المرفوع {ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ}{اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} أصبح المواطن فيها يخاف من المتفجرات في كلّ مكان، وصار المؤمن فيها يخشى الاعتقالات في كلّ زمان. إنّ الانتماء إلى التنظيم الإسلامي الإخواني، وقد كان تنظيمًا شرعيًا، تحوّل بجرّة قلم إلى تنظيم إرهابي، يعتقل كلّ منتمٍ إليه.

فهل سنضع الشعب المصري في أغلبيته في أقبية السجون لأنّه شعب مسلم؟.

والله إنّ الذين أقدَموا على هذا القرار هم فاقدون للوعي الوطني، ولا يملكون البعد الاستراتيجي المطلوب… فقد أدخلوا بقرارهم هذا الشعب العربي في كلّ مكان، في محنة وليل مظلم يصعُب التنبؤ بصبحه المرتقب.

ولا ننسى في محنتنا المشرقية هذه شعب ليبيا الشقيق، وما يعانيه من ويلات، فالسيارات المفخخة، والاغتيالات صارت هي الطابع المميّز للجماعات… فلمصلحة من يقع كلّ هذا؟ وكيف يبرر حكام ليبيا هول الفاجعة المأساوية، ما آل إليه الوضع بعد التخلّص من النظام السابق؟.

ذلك -إذن- هو حصاد الزمن المرّ الذي نعيشه في وطننا العربي الإسلامي وفي استفزازات الغرب المسيحي، لكن الغرب يعربد في الأفراح بين الكؤوس والأقداح، في حين أنّ وطننا العربي يترنّح وسط الجراح، وعلى العويل والصياح.

 

اللّهم إليك نلجأ في فك معادلة المشرق الضرّ، والغرب الحرّ في حصاد الزمن المرّ.   

مقالات ذات صلة