حكواتية جزائرية تُعيد الجمهور إلى زمن الجدّات
حققت الجزائرية سهام صالحي شهرة واسعة، ليس لأنها مخترعة، أو سياسية محترفة، ولكن لكونها فنانة حكواتية.
عرفت سهام كيف تأسر الجمهور بأسلوبها الشيّق في سرد الحكايات، وجعلهم يعيشونها بكلّ تفاصيلها رغم أنّها تعاني من مرض مزمن أُصيبت به بعد عارض عصبي ألمّ بها.
ومنذ 15 سنة، تقف هذه الحكواتية لتقصُّ قصصها على طريقة ما يُعرف بالعرض الممثّل الواحد “الوان مان شو”، تُذكّرُ بأسلوب الجدّات في الأزمنة الغابرة، وهنّ يجمعن أفراد العائلة على ضوء الشموع لإمتاعهم بسرد القصص التي تبلغُ أحيانا حدّ الخرافة والخيال.
وقالت سهام صالحي لموقع “الجزيرة نت” أنّ شغفها بفن الحكاية يعود إلى جدّتها التي شكّلت مدرستها الأولى في هذا المجال، حيث لم يكن هناك تلفاز، ولا كهرباء، وكانت الجدّة هي مصدر التسلية الأوّل، وحتى واحدًا من مصادر التعليم.
كما تُحيلُ تجربة صالحي في اشتغالها بفن الحكاية، بتلك التجربة الرائدة التي تناولها أحد عمالقة المسرح الجزائري الراحل عبد القادر علولة الذي كان يُجسّدُ في كثير من أدواره التي مثّلها على الركح دور “القوّال”، وهو المقابل الموضوعي للحكواتي في الثقافة الشعبية الجزائرية.
وتعتمد هذه الحكواتية في عروضها أمام الجمهور على وسائل ذاتية وهي اللُّغة والحركات، حيث لا تتوفّر في مثل هذه العروض الديكورات التي لا تُستخدمُ حتى لا يتشتت انتباه الجمهور، وجعله يُركّزُ فقط على الممثّل والحكاية التي يرويها، وهو بالضبط ما تقوم به سهام التي تجتهد للبحث عن القصص المشوّقة التي تعمل على تقاسمها مع الجمهور، ولكن بأسلوب كلاسيكي تنكهه بنكهات عصرية، وذلك للمحافظة على التراث اللامادي للأسلاف، وحمايته من الاندثار.
ولا يقتصرُ فنُّ الحكاية عند سهام صالحي على الكبار، لكنّها تتوجّه أيضا للأطفال الصغار عبر شخصيات متنوّعة مثل شخصية جحا وحكاياته المعروفة برسم البسمة على الشفاه.
كما تُذكّر تجربتها بحكايات “ألف ليلة وليلة”، التي تروى أنّ شهرزاد كانت تجلس أمام الملك شهريار، الذي يُمثّل الجمهور في حالة سهام، لتقصّ حكاياتها باستغلال كلّ الأساليب التي تأسرُ آذان المستمعين، وتسحرُ عقولهم، وتجعلهم يذوبون مع تفاصيل تلك القصص.
ومن المثير أن تتوجّه صالحي، وهي الحاصلة على شهادة مهندسة دولة في جيولوجيا المناجم، إلى فن الحكاية، وتكرّس اليوم حياتها لهذا الفن وتُلحّ على أن تكون حكواتية تعشق الجمهور، وتُفضّل الوقوف أمامه على العمل في إدارة أو مخبر بحث في مجال تخصُّصها كجيولوجية.
وتعتمد سهام على الإلهام الذي يعتبر مصدر رصيدها القصصي، حيث تقول بأنّها تقتبس من الحكايات القديمة الجزائرية والعالمية، وتُضيف عليها بهاراتها الفنية الخاصة، إضافة إلى أنّها أصبحت خبيرة من خلال احتكاكها بالجمهور في معرفة نوع القصص التي تستهويهم، وتجعلهم أسرى لأسلوبها الشيّق في سرد الحكاية.
ولا تغفل هذه الحكواتية عن مزج طبختها المحكية بكوكتيل من القصص المستوحاة من المخيال الشعبي، مع بعض الأبيات المأخوذة من الشعر الشعبي الذي تزخر به العامية الجزائرية.