الرأي

“حلابة” بقرة سوناطراك

حبيب راشدين
  • 2306
  • 0

تابعت منذ يومين حوارا تلفزيونيا مع مفاوض سابق شارك في المفاوضات المؤهلة لالتحاق الجزائر بمنظمة التجارة الخارجية، وهو يستذكر بحسرة كيف أن الجزائر التي دخلت المفاوضات منذ ربع قرن، ما تزال مع قلة قليلة من الدول الفاشلة خارج المنظمة: مثل الصومال والسودان، أو كانت معوقة لأسباب سياسية مثل إيران، فيما يقول إن أغلبية الدول في القارات الخمس قد التحقت بالمنظمة، ومنها غالبية الدول العربية بما في ذلك الدول النفطية.

ما يثير الانتباه والحيرة، أن هذا الخبير المفاوض أقر بجهل، مثل كثير من زملائه، أسباب التعطيل، وقد اشتكى من انعدام الشفافية في الموقف الرسمي، كما اعترف في الوقت نفسه أن التحاق البلد بالمنظمة بهذا الاقتصاد الهش المعطل، الذي توقفت مساهمته في ميزان التجارة الخارجية عند نسبة الـ 3 في المائة، سوف يكون كارثة على الاقتصاد الوطني، وسيسحق قاعدة إنتاجه حتى في ما هو موجه للاستهلاك الداخلي.

وفي الوقت الذي ما يزال الوزراء المتعاقبون على حقيبة التجارة يستظهرون الملف قبل أن يدفنوه بسرعة، فيما يقاول بعضالخبراءلجهة الإسراع بانضمام الجزائر دون شرح الحاجة، والدوافع، والأثمان، فإن ما فهمته من حديث الخبير المفاوض سابقا، أنه لا شيء يلزم البلد بالانضمام، لكن أسباب تعثر المفاوضات، والتعتيم الذي تفرضه السلطات على الملف، يجب أن يدفع بنا إلى فتح حوار وطني آخر يسبق الفصل في خيار الانضمام للمنظمة، له صلة بالإصلاحات الاقتصادية العميقة والواسعة، التي تخرج اقتصاد البلد من حالة الغيبوبة، وتضعه على سكة الإنتاج، والتنافس، والمرونة، والتكيف، مع اختيار القطاعات التي يمكن له التنافس فيها ساعة الانضمام إلى المنظمة، في سوق عالمية شديدة التنافس.

الخبير المفاوض لم يزد عن هذا التوصيف، وإلا كان وجب عليه القول دون تردد: أن البلد بحاجة إلى ثورة حقيقية في سياستها الاقتصادية وإعادة بناء اقتصادها من جديد، كما هي بحاجة قبل ذلك إلى إعادة بناء الدولة بنظام حكم بديل، يحرر المبادرة السياسية التي هي شرط سابق لتحرير المبادرة في الاقتصاد، كما أن تغيير الواقع السياسي يحتاج إلى مقاربة مبتكرة، تبتعد عن استيراد نظام الحكم على طريقةالمفتاح في اليد، كما فعلنا عند الانتقال من نظام الحزب الواحد الخربان إلى تعددية معتلة، أضافت للبلد وهنا على وهن، فإن الانتقال الفوضوي من اقتصاد إداري موجه، يعمل بثقافةالندرةوالتقتير الفاضح على المستهلك، إلى اقتصاد سوق توّلته طائفة منالكمبرادوريينواصلواحلببقرة سنتراك بوتيرة هندسية، هم من حق فيهم اسمالحلابةوليس الغلابة من شباب الحدود العاطل.

هذا ما لم يجرؤ الخبير على تفصيله، وهو أن الجماعة التي استأثرت بحلب سوناطراك لن تقبل أبدا بالانضمام للمنظمة الذي سوف يهدم في بحر ساعة مصدر ريعها الأول والأخير، ويهدم منظومةالاستيراد والاستيرادالتي تحلب سوناطراك في المنبع، وتحلب قطيع المستهلكين عند المصب، فلا حاجة لها باقتصاد انتاجي لا تملك ثقافته، وتضيق ذرعا باستحقاقاته، مغارمه أكبر من مغانمه، وقد عوّضهم الله عنه ببقرة مدرارة لا يحلبها إلا الخاصة من القوم.

مقالات ذات صلة