-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حلاوة الكرسي

حلاوة الكرسي

قليلون من يمكنهم وصف “طعم” كرسي الرئاسة وزعامة البلاد في العالم الثالث، حيث مرادف الكرسي هو تشريف بالكامل، يمنح لصاحبه ولحاشيته الامتيازات والجبروت، فحلاوة الأشياء لا يشعر بها إلا من تلذذها، أو من اقترب منها، على طريقة التجارب العلمية التي قام بها العالم الروسي بافلوف، وترتفع شراهة الشهية، كلما شعر صاحب الكرسي بقرب ابتعاده عنه، أو شعر الطامح بإمكانية الجلوس عليه، وفي المقابل ورثت الشعوب الحقد على الجالس، حتى ولو كان حاكما راشدا، أو كما قال الأديب السوري الراحل محمد الماغوط في روائعه إيليس في بلاد العجائب، بأن العربي يحسد الجالس، سواء كان على كرسي الرئيس أو الوزير أو المدير أو في الأوتوبيس.. وحتى على كرسي التواليت؟

مشكلة الكرسي في الجزائر أنه لم يعد مفردا، وإنما جمع تكسير، بمعنى كراسي، فالذين يدافعون عن كراسيهم في الوزارات وفي المديريات العامة وفي الولايات والدوائر والبلديات وفي الشركات العامة التي تنتج الأوهام والخاصة التي بُنيت من الأوهام، هم أكثر شراهة من صاحب الكرسي الأول، فإذا كان هو يكافح، ويتلقى الانتقادات، ويصاب بمختلف الأمراض، ويعرض كرسيه للمزايدة حتى ولو بشكل صوري، فإنهم ينعمون بكراسيهم بقرارات فوقية، يمارسون خلالها جبروتهم وجشعهم في إمبراطوريات صغيرة مخفية بعيدة عن الأنظار وعن الانتخابات، بل وربما هم من يجبرون صاحب الكرسي الأكبر على أن يبقى على كرسيه حتى يبقوا هم أيضا على كراسيهم لعهدات لا تنتهي.

مشكلة الكرسي الكبرى في الجزائر، أن الذين لم ينعموا بالجلوس عليه يفكرون بمنطق الجالسين، الذين ينقشون أسماءهم عليه، ويجعلوه ملكية خاصة، رفقة بقية الكراسي التي يمنحوها للأقربين الذين هم دائما الأولى بالمعروف المادي.

فقد حكم فيديل كاسترو كوبا تسع وأربعين سنة، وحكم كيم سونغ كوريا الشمالية ست وأربعين سنة، ومعمر القذافي ليبيا ثلاث وأربعين سنة، وعمر بانغو الغابون اثنتين وأربعين سنة، باسم محاربة الأعداء والإمبريالية، وما قدموا لبلدانهم سوى نموذج من الحكم، ولّد عشقا جنونيا للكرسي قد يجعل هاته البلدان ديكاتوريات للأبد لا تزول بزوال الرجال، لأن الذين أرادوا كرسي بشار الأسد، كانوا أحرص على الكرسي منه، وأبانوا بأنهم مستعدون لتدمير سوريا وفعلوا ذلك، من أجل هذا الكرسي، الذي مات عليه حافظ الأسد، وورّثه ابنه، كما يُورّث المال الخاص.

هما يومان فاصلان عن موعد الكراسي، ليس بالنسبة للستة المتسابقين الطامحين في الرئاسة وإنما بالنسبة للجيوش التي جابت الوطن وما زارت بؤر التوتر والمشكلات الحقيقية، ولن نقذف أحدا، إن حاول أن يقول أن لا مآرب له من تدعيم هذا المترشح أو ذاك عندما نصيح في وجهه بـ”الكذاب“.

 

صحيح أن فرانكلين روزفلت بلغ مشارف العهدة الرابعة، وقاد أمريكا على مقعد متحرك في آخر عهده ومات وهو رئيس بعد اثنتي عشرة سنة على رأس الولايات المتحدة، وصحيح أن رونالد ريغن فاز بعهدته الثانية وهو في التاسعة والستين من العمر، وصحيح أن ترومان هدّد وهو في سباق الرئاسيات بالويلات على الولايات المتحدة، وصحيح أن كرسي البيت الأبيض جلس عليه وطمع فيه الويسترن وماسح الأحذية والطباخ.. ولكنه كان عهدا.. وولّىللأبد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • فواتيح

    يا اخي الكرسي ينسي يقرب البعيد ويبعد القريب لان شهوته فوق شهوات الدنيا وشكرا.

  • جزائري

    سلام الله عليك اخي عبد الناصر وجمهور القراء الكرام ،وشعب الجزائر ...
    حاصل القول إذا لم تحصل المصالح وهو الواقع ، يرشد العقل والشرع إلى احتمال أهون الاضرار لا جتناب أعظمها ... لذلك فالفتنة عظيمة ودما ء المسلمين أعظم عند الله من كل هذه الدنيا ،ويكفي الجزائر ماعانته من ويلات ... ومن أراد أن يقدم للوطن فيمكنه أن يخدمه من أي مكان ومهما كانت الظروف وليس شرطا أن يكون على الكرسي أو في القيادة... وخير مثال خالد بن الوليد ...
    ..صاحب أحسن عمود صحفي في الجزائر لك مني أجمل تحية....

  • الجزائرية

    " وصحيح أن ترومان هدّد وهو في سباق الرئاسيات بالويلات على الولايات المتحدة، وصحيح أن كرسي البيت الأبيض جلس عليه وطمع فيه الويسترن وماسح الأحذية والطباخ.. ولكنه كان عهدا.. وولّى... للأبد.هذا حدث في أكبر ديمقراطية التي اخذت عقودا عديدة لتنتقل لمنطق أكبر للتداول على الكرسي.للإشارة الكرسي هو كذلك عنوان للراحة ألا تحب أنت أن تجلس على كرسي لاسترخاء جسمك و كلنا كذلك .هناك كرسي وحيد وواحد لا يحبه أحد ...نعم نعم إنه الكرسي الكهريائي..

  • سليمان

    الشركات العامة التي تنتج الأوهام والخاصة التي بُنيت من الأوهام،

    اعجبتني هاته الجملة
    هذا هو واقعنا الذي نعرفه و نتجاهله