“حلب”.. سابقا!
“من يحلب ومن يشد المحلب”؟ مثل قديم صار اليوم واقعا على وقع حلب الذبيحة! مأساتنا جميعا في كل سوريا لا تتوقف، ذاهبة وتتمدد، ذاهبة وتتبدد، ذاهبة سوريا لتتعدد!
الرابح في هذه المأساة والخاسر فيها، هم نحن جميعا، الذي حولنا بلداننا إلى ركام! ماذا بقي من حلب وغير حلب؟ وماذا سيبقى من الموصل بعدما وصلت إلى هذا الموصل؟ وماذا بقي من “تدمر” بعدما حل بها من تدمير، وما سيحل لها عما قريب من دمار؟ الرابح فيها إسرائيل والقوى الأجنبية التي ستسارع إلى “الإعمار” إن طالت “الأعمار”!.. تمهيدا للاستعمار!
نمت على هذا الوجع لأجد نفسي أعيد تقييم النتائج التي قدمها الخريف العربي الرسمي، بعد “ربيع عربي” لم تكن يد “العبري” فيها بريئة! حلب لم تعد حلبا! لقد فعل بشار بشعبه ما فعله أبوه بحماه! وفعل الروس ما فعله الأمريكان في بغداد وما فعله الصهاينة في غزة وما فعله الاقتتال “الأخوي” في اليمن وفي ليبيا بعد القذافي! سألت مرافقي سؤالا بريئا وهو يحمل أدوات التصوير ومعدات فحص الاعتداء!: هل تعرف من هم الذي بنوا “الأطلال”؟ قال لي: هل تقصد “Les ruines”؟..إنهم الرومان! هم الذين تركوا لنا “لي روين” في كل من “جميلة بتمقاد” وغير تمقاد! أطلال “جميلة”؟.. إنها جميلة بالفعل! قلت له: تركوا لنا الروينة مش “لي روين” مانيش على الرومان ولا على الإغريق! من ترك لنا الأطلال! قال لي وهو يفكر بعمق: أم كلثوم!
قلت له “نعم.. راك بديت تقرّب وتقرقرب!..زيد شوية.. راك بديت تفهم! قال لي: شعراء الجاهلية؟ قلت له: العرب يعني؟ وما علاقة شعراء الجاهلية بالأطلال؟ قال لي: ألم يعلمونا في الأدب بأن الشعر الجاهلي كان دائما يبدأ “بمقدمة طلالية” يبكي فيها الشاعر على الأطلال، أطلال حبيبته وخيبته و”خلا دار أمه” قبل أن يمدح أو يتغزل بأخرى أو يهجو أو يدعو أو يلهو؟.. قلت له: والله إنك لأذكى مني! أنا هو الحمار وأنت البردعة! فعلا.. معك الصح! (وأضربه بصفعة على وجهه حتى طارت خنونته!): جاهليو اليوم هم من جاهلية الأمس! “ذلك “الزبل” من ذاك “الأسد”! لقد ترك لنا العرب قصائد طلالية وترك لنا الرومان مباني ومدنا باقية، وحضارة فانية، لكننا نحن العرب المسالمين مع العدو، المتقاتلين فيما بيننا هم من خلًف خلفه “الأطلال”! لقد خربوا بأيديهم وأرجلهم وأيادي الأعداء ما بنوه بأياديهم وأيادي الاستعمار! الذين “يخربون بيوتهم بأيديهم”، هم نحن وليس اليهود.. يا للأسف وأنظر حولك رماد حلب.. “حلب سابقا”! إنها بقايا داحس والغبراء وحروب الغساسنة والمنادرة! نحن من يبنى الأطلال ويتغنى بها.. وحدنا من دون العالمين!
وأفيق وأنا أقرأ:
قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل!