الرأي

حلب.. عادت أم ضاعت؟

حالة حلب كما تسلّمها النظام السوري بعد قتال مرير، جرّبت فيه القوى العظمى كل أسلحتها الممنوعة والقديمة والحديثة، لا توحي بأن بشار الأسد قد حقق انتصارا. وحالة أعداء النظام السوري وهم يتباكون على ضياع حلب، لا توحي بأنهم كانوا يريدون مدينة، يفتحون بها بقية البلاد، كما زعموا، لكن حالة الصهاينة وهم يهلّلون لحالة الخراب، التي طالت حلب، هي التي تقدّم لنا من المنتصر ومن الخاسر في هاته الحرب، التي بدأت ذات 2011 ولن تنتهي قبل أن يشمل الخراب كل سوريا.

صور أبناء حلب وهم يحتفلون بـ”عودة” مدينتهم بالأعلام الروسية، فيه الكثير من المرّ في الحلق، لأن تحقيق النصر ببنادق الآخرين، لا يمكن أن يكون مبعثا للفخر والفرح، فقد أبانت القوات السورية هشاشتها، بعد أن ظننا لأكثر من نصف قرن بأنها قادرة على استرجاع الجولان، التي سيمرّ على سقوطها في أيدي الصهاينة في سنة 2017، خمسون سنة من الزمن، من دون أن تطلق روسيا رصاصة تضامن واحدة مع سوريا. 

ودموع الذين راهنوا على سحب حلب من أيدي بشار الأسد، كانت مسروقة من التماسيح، فلا عين من هذه العيون، بكت مرة واحدة على الجولان أو سعت لاسترجاعها، كما فعلت مع حلب ومع غيرها من المدن السورية، إلى درجة أنها وضعت أيديها في أيدي الأمريكان، وحوّلت خطابها الديني بالكامل شطر سوريا، وما حدث لحلب التي فقدت ملامحها، يشترك فيه المحتفلون بـ”عودتها” والباكون على “ضياعها”.

كل التهم التي وُجّهت للرئيس السوري من ديكتاتورية ووحشية وطائفية وأنانية وعمالة، على صدق الكثير منها، إلا أنها موجودة، في الذين شنّوا الحرب على النظام السوري، بدليل أن الطرفين لم يدخلا على مدار سنوات الفتنة، قرية أو مدينة سورية إلا وأفسداها، كما فعلا سوّيا في حلب.

بوتين يتحدث عن سوريا أكثر مما يتحدث عن روسيا، وترامب قبل أن يتسلم بشكل رسمي مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، نطق كلمة حلب أكثر من واشنطن، التي سيسكن بيتها الأبيض، ومع ذلك يزعم الأسد بأنه حقق نصرا في حلب، ويزعم أعداء الأسد بأنهم كانوا محتلين لحلب، والحقيقة أن الذي احتل حلب ثم استرجعها، هو نفسه الذي كان يهدف لنسف خمسة آلاف من عمرها، ويزرع الفتنة بين عربها وأكرادها وتركمانها وشركسها وأرمنها، ويجرّ المنطقة بأكملها إلى الفتن العرقية والطبقية والمذهبية، وهو أدرى بأن الفتن الذي قسمت الأمة، أشدّ من القتل الذي فعل الأفاعيل في حلب وفي غيرها من المدن السورية. 

هل من حق أنصار النظام السوري الابتهاج باسترجاع حلب، وهل من حق أعداء الأسد البكاء أمام حائط حلب، أم من واجبهما أن يفهما بأن المدينة سئمت من هاته المشاعر المتناقضة؟ ما حدث لمدينة التاريخ حلب، لا يختلف عما حدث للطفل إيلان، فقد تقاذفته الأمواج بين مدّ وجزر، وتركته جثة هامدة!

مقالات ذات صلة