العالم
"الشروق" تكمل رحلتها نحو المجهول

حلب.. هنا تكثر الممنوعات والخطوط الحمراء

الشروق أونلاين
  • 8358
  • 0
الشروق

التوغل داخل المناطق التي قام النظام باستهدافها عن طريق الطائرات، شكّل آخر نقطة في كأس أجهزة المخابرات السورية التي كانت تحاول بكل الطرق منعي من تأدية مهمتي المهنية والاقتراب من الواقع والحقائق، خاصة أنني كثيرا ما طلبت من المرافِقة التوجه إلى المخيمات التي توجد بها العائلات المنكوبة، غير أن إنكار وجود هؤلاء أصلا كان جوابها، رغم أن بعض المواطنين داخل مدينة حمص حاولوا التطوع لأخذي للوقوف على معاناتهم. فالبعض يروي قصص مأساة الموت البطيء والبعض الآخر فقد العزيز الغالي داخل مخيمات تشبه المعتقلات، لكن تقييد أجهزة المخابرات لي في الساعات الأخيرة كان تعجيزا فعليا لإكمال باقي المهمة في المدينة.

 

الطرد من حمص

كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة زوالا عندما طلبت مني المرافقة العودة بسرعة إلى دمشق. طالبت بالسبب، خاصة لكوني أحمل ترخيص العمل من قبل وزارة الإعلام؟ لكن الأمر بات يتعلق بأجهزة الأمن. فقد كان واضحا من خلال سلسلة الاتصالات التي كانت تأتيها، آخرها كان مع سيادة العميد الذي كان يطالبها بترحيلنا فورا.

 لم يكن يروق لتلك الأجهزة وقوفي على بعض الحقائق، بل لم تكن تتوقع أن تجد صحفية تنطق بكلمة “لا”. كيف لا وهم من حذفوها من قاموسهم أصلا. قالت المرافقة إنني من بلد عربي وإن للجزائر موقفا مشرفا مع نظامهم، يعني علي أن أمشي على نفس الخطى، لكنني أوضحتُ لها أن موقف الجزائر لم يكن مع نظام بشار، بل كان ضد التدخل الأجنبي في أي دولة عربية. وهو نفس القرار الذي اتخذته مع العراق وليبيا في جامعة الدول العربية. أخبرتها بأن الجزائر لا تريد سيناريو مشابهاً لليبيا التي دمرها حلف شمال الأطلسي وانسحب منها.

 كلامي كان مادة دسمة لتقرير آخر لهذه الموفدة، كنت لا أزال أحمل الكاميرا التي تلتقط الصوت من بعيد، وكنت أسمع الموفدة وهي تتحدث مع شخصية نسائية لم أعرف من تكون؟ هل هي من الأجهزة الأمنية؟ أم من رئاسة الجمهورية؟ لكن نتيجة الاتصال هي إرسالنا مباشرة إلى العاصمة دمشق. قرارٌ رفضت الخضوع له ذلك المساء. فقد كنا بعد الظهيرة ورحلة الذهاب إلى دمشق تستغرق أكثر من ست ساعات عبر طرق محفوفة بالمخاطر. وكأن النظام أراد التخلص مني ذلك اليوم. قلتُ لها إنني سأغادر صباح اليوم الموالي. في تلك الليلة قمت بسلسلة من الاتصالات وحصلت على سيارة تقلّني إلى حلب. كان التكليف الذي حصلت عليه من الوزير يسمح لي بذلك، ولم يكن لدي أي قرار مكتوب بالعكس.

 

إلى طريق حلب

توجّهنا في الصباح الباكر إلى طريق حلب. قصص هذا الطريق لا تنتهي، لكني فعلا عشت مخاوفه. هو عبارة عن مزارع وأراض فلاحية كبيرة تسمح بدخول الطرف الثاني، الذي يقول النظام إنه من “جبهة النصرة”. كان مرافقنا يحمل بطاقة خاصة بالأجهزة الأمنية. وهذا ليس بغريب. فمعظم هؤلاء لديهم مهنة ثانية لكون الراتب الأول لا يكفيهم. بطاقته السحرية سهّلت علينا المرور على نقاط التفتيش، التي كان أهمّها النقطة التي تخرج من مدينة حمص إلى الطريق الجديد الخطير المؤدي إلى حلب. هنا تبدأ التحقيقات المعقدة. كانت واضحة حالة الاستنفار من قِبل تلك النقاط ربما تخوفا من تسلل أجانب مقاتلين أو تمرير المال والسلاح.

 قبل النقطة الأخيرة، وجدنا ضابطا على الطريق يطلب من السائق إيصاله إلى نقطة التفتيش الأخيرة. قبل سائقنا بالأمر وبدأ الاثنان يتبادلان أطراف الحديث. كان الضابط الذي صعد معنا ناقما على سياسة وحال البلد الذي لم تنته الأزمة به منذ سنوات، خاصة أنهم مجبرون على البقاء في تلك النقاط لسنوات دون رؤية أهلهم. كانت درجة الحرارة ذلك اليوم تحت الصفر والثلج يتساقط. كان الضابط يرتجف وهو جالس في المقعد الأمامي من شدة البرد. طلب من السائق أن يأخذ حذره في الطريق لكون المتسللين بها زاد عددهم في محاولة منهم لقطع الإمداد العسكري الذي يصل إلى حلب من دمشق وغيرها من المناطق.

 بعد دقائق، وصلنا إلى نقطة التفتيش الأخيرة. لم يقُم العناصر بسؤالنا أو تفتيشنا لأن صديقهم معنا. تبادلنا التحيات وأكملنا طريقنا نحو المجهول.

 

حلب والترسانة العسكرية الروسية

تبعد حلب عن حمص بأكثر من 300 كلم، لكن الوصول إليها يتطلب أكثر من ست ساعات. قليلا ما رأيت لافتاتٍ تدلّ على المناطق القريبة مثل مناطق السلمية وأثريا وخناصر والسفيرة وغيرها. الطريق كانت طويلة تشبه الأفعى المتمايلة. كنا نصل إلى نقاط يطلب منا السائق فيها أن نخفض رؤوسنا خوفا من رماية قناص. وكان هو في المقابل يزيد من سرعة السيارة بشكل جنوني، ما زاد من مخاوفنا أننا مشينا لأكثر من 100 كلم دون أن نصطدم بحاجز أمني. أخبرنا السائق بأن عناصر الأمن موزَّعون بشكل سري عبر الحقول والمزارع مع مدرّعاتهم ومعداتهم العسكرية. وهذا في محاولة لمنع أي تسلل لـ”داعش” أو “النصرة”.

بعد أكثر من ساعتين من المشي، بدأت ملامح الحرب تظهر لي.. لقد كان هناك رتل عسكري كبير، معظمه من الشاحنات الضخمة التي تحمل دبابات ومدرعات وأسلحة واضح أنها جديدة، أما باقي الشاحنات فتحمل صناديق الذخيرة الحربية. لقد كانت معدات روسية. أخبرنا السائق بعد أن رأى البعض منها أنها أسلحة مدفعية متنوعة. كان مرافقنا من الأمن وكان خبيرا في تلك الأجهزة. في إحدى الشاحنات رأينا أنظمة متعددة لإطلاق الصواريخ، تلتها في الشاحنة الخلفية دبابات روسية من طراز “تي 90 “. كان مرافقنا يشرح لنا مدى قوة الترسانة العسكرية التي تدعمت بها سوريا عن طريق روسيا، التي تتدفق بشكل يومي على مدينة حلب التي يحاول النظام السيطرة على ما تبقى منها في ظل عجزه عن التقدّم منذ سنوات.

كنت أرغب في أخذ بعض الصور، لكن مرافقنا لم يكن يعرف مهمتنا أو من نكون، لهذا فضلت عدم المجازفة وإكمال الطريق إلى حلب في سرية تامة، لم يكن ذلك الرتل الوحيد الذي صادفنا في الطريق، بل كانت كل الطريق المؤدية إلى حلب مليئة بالأرتال العسكرية المتوجهة إلى هناك. كان هنالك بعض السيارات رباعية الدفع التي هي في معظمها سوداء لا تبين من بداخلها. أخبرني السائق أنها تحمل الخبراء الروس والإيرانيين الداعمين للجبهات في حلب، الذين يتحركون للوقوف على تركيب الأسلحة وتدريب الجيش عليها، وكذا وضع الخطط الاستراتيجية العسكرية للجيش الذي انهار، حسب سائقنا، منذ سنوات، وما كان ليصمد في مدينة حلب لولا دعم الروس والإيرانيين بالعدّة والعتاد.

 

حلب.. بداية الممنوع

وصلنا إلى مشارف مدينة حلب. الدخول يكون عبر ضيعة وهي عندنا “الدشرة”، ضيعة توضح في ملامحها شدة الفقر الذي يعيشه هؤلاء، البعض منهم يحمل في عربة دلو الماء المنقطع عن المنازل منذ سنوات، والبعض الآخر يبيع البنزين في شكل يشبه السوق السوداء. كان الأولاد يقتربون من السيارة، طالبين بعض المال ومنظرهم يدل على البؤس والحرمان. سألت السائق إن كان هذا هو المدخل الرئيسي للمدينة؟ فرد بالنفي لكون الطريق الثاني يقع تحت سيطرة “الجبهة الأخرى”.

 في نظري، كان هذا الطريق مخصّصاً لمرور المدنيين فقط، فأرضيته ووجود السكان به لم يكن يصلح لمرور كل الترسانة العسكرية الروسية الكبيرة التي مررنا عليها، بدأنا ندخل إلى قرى سكانية مهجورة، بدأت ملامح الحرب في حلب تتضح أكثر فلا طير ولا إنس، معظم المنازل هُدمت عن آخرها، وأخرى تضررت جراء القذائف، أما نقاط التفتيش فكلها تظهر صورة العميد ماهر الأسد شقيق الرئيس بشار، من الواضح أن مداخل المدينة أوكلت إلى الفرقة الرابعة للجيش التابعة له.

وصلنا أخيرا إلى مدينة حلب، بل إلى ما تبقى منها، بناياتها منهارة، بل ما شدني أكثر هو أن ما تبقى منها لا تزال العائلات تتخذ منه “سكنا” لها. رأيت نصف بنايات متآكلة آيلة إلى السقوط، لكنني صُدمت بأن شرفاتها شبه المنهارة تحمل ملابس العائلات القاطنة بداخلها، سألت السائق فرد بأن معظم الحلبيين اليوم يعيشون هكذا، فالدولة لم توفر لهم البديل، بل لم توفر حتى الخيم، فكيف لهؤلاء أن يتركوا شققهم ويُذلوا خارجها، بالنسبة إلى السائق الذي كان شقيقه يمتلك شقة في نفس البنايات، فإن الموت تحت الركام أفضل من الذل والهوان على يد ما تبقى من النظام.

 توجّهنا إلى فندق وسط المدينة.. طلب أحدهم جوازاتنا، وعندما عرف أننا أجانب طلب منا الإقامة أو الفيزا، أخبرناه بأن الجزائريين غير ملزمين بالفيزا، لكنه طلب أي ورقة تثبت سبب دخولنا إلى حلب، كانت القوانين والأجهزة الأمنية أكثر تشددا في مدينة حمص، فما كان منا إلا أن قدّمنا تكليف الوزير، عندها تم تسليمنا مفاتيح الغرف، أخبرنا موظف الاستقبال بأن الكهرباء غير متوفرة إلا ثلاث ساعات كل 24 ساعة، سألته عن السبب؟ فأجاب بأن حلب دون كهرباء منذ أشهر، وأنه يقوم بتشغيل المولدات الخاصة.

دخلنا الغرف، بعد خمس دقائق اتصلوا بي من الاستقبال ليخبروني أن هنالك شخصاً يسأل عني، صدمت لأنني لم أرتب ملابسي بعد، عندما نزلت وجدتها موفدة وزارة الإعلام الخاصة بنا في مدينة حلب. كان بالقرب منها في إحدى الطاولات شخصان كثيرا ما التفتا نحونا، عرفت دورهما لأنني كنت قد بدأت أتعوّد، سألتها: كيف علمت بمجيئي خاصة أنني لم أتصل بها؟ فابتسمت وقالت: “أنت في حلب يا حبيبتي، هنا لا يمكن إخفاء أي شيء”. سألت الموفدة عن تكليفنا، وبعد أن رأته اتصلت بالجهات الأمنية، طلبت مني البقاء في الفندق وانتظارها لدقائق، وبعد مدة قاربت نصف ساعة عادت وفي يدها موافقة المحافظ وكل الجهات الأمنية بعملي في مدينة حلب. في تلك الأثناء كنت أنا أتصل بجهاز الحرس القومي العربي رغبة مني في التنسيق معهم. حضر الجميع وبدأنا نرسم خطة العمل، لكن المفاجأة كانت كبيرة عندما رنّ تلفون موفدة وزارة الإعلام ليلا.

عادت نفس المسؤولة وهي مستغربة من الموضوع، سألتني: هل كان لك مشاكل مع أي جهة هنا في سوريا؟ أخبرتها بأنني غطيت في حمص وأن تكليفي يسمح لي بالعمل هنا، وحتى الموافقات الأمنية التي بين يديها، لتجيب بأنها تلقت اتصالا يمنعني من إكمال مهمتي.. استغرب كل القادة الذين كانوا معنا، وبدأت سلسلة الاتصالات من كل جهة، طلب مني الجميع أن أهدأ وأنتظر اليوم الموالي لمعرفة الأسباب.

في الصباح، بقينا ننتظر في الفندق، كل منا يراقب هاتف الآخر، طلبت من الحرس القومي بداية العمل معهم في انتظار قرار الوزارة الذي لم يفهمه أحد منا، خرجنا باتجاه جبهة لا تبعد بسوى 500 متر عن “جبهة النصرة”، وبدأنا التصوير، كانت موفدة الإعلام في تلك الأثناء تمارس عملها بإرسال التقارير، وبعد عشر دقائق جاء اتصال إلى أحد القادة الميدانيين الذين كانوا معنا، كل ما فهمته أنه كان يطلب منه إطفاء الكاميرا وعدم إكمال التقرير.

 عرفت في تلك الأثناء أن النظام لا يريد إكمال عملي مع جهاز “الحرس القومي العربي” الذي يحمل مختلف الجنسيات العربية ومنها الجزائرية والتونسية واللبنانية والفلسطينية والعراقية وغيرها، كان تقريري سيجسد وجود جنسيات مختلفة تقاتل مع النظام الذي يرفض الاعتراف بذلك، بل الذي يتهم المعارضة بجلب مقاتلين من دول مختلفة، كانت حجة “الحرس القومي العربي” هي “الدفاع عن القومية العربية” حسبهم. وقد استغربوا قرار منع إكمال التقرير معهم. أحسست بأن بعضهم غضب لكونه يموت داخل الجبهات ولا يُسمح له بإظهار صوته أو صورته، خضعنا للقرار وركبنا السيارة في طريق العودة إلى الفندق.

كانت تجلس بجنبي موفدة وزارة الإعلام التي جاءها اتصال، سمعتُ إحداهن وهي تطلب منها طردنا من حلب، كانت مرافقتنا ترد بأنه يستحيل مغادرتنا الآن لأسباب أمنية. وهنا ردت عليها نفس المسئولة: “قولي لها توضب أغراضها وتطلع من حلب، مو من حلب بس، من دمشق كلها، يا ستي ما بدنا تكمل شغلها، ما بدنا نعطي موافقات خلاص…”.

بدأ الغضب يعمّ كل من كان في الفندق من قيادات، خاصة أن الجميع رحّب بعملي في حلب، كان سؤالنا واحدا: من أعطى قرار الطرد ولأي سبب؟ رفضت حينها الخضوع لمثل هذا القرار التعسفي الذي يُزف إلي عن طريق الهاتف، وطالبت بقرار مكتوب مثلما كنت أملك قرار السماح لي بالعمل مكتوبا. رفضت وزارة الإعلام تقديم ذلك، بل وأصرّت على خروجي الفوري من حلب حتى تحت ظلمة الليل. وهنا تدخّل المسؤول عن الجالية الجزائرية في سوريا فهد الجزائري الذي بدأ عن طريق علاقاته الشخصية إجراء سلسلة من الاتصالات مع كبار المسؤولين.


يتبع

مقالات ذات صلة