حمص.. بين سيف المخابرات وجرائم “جبهة النصرة”
كان التكليف الذي حصلنا عليه من وزارة الإعلام يسمح لنا بالتغطية داخل منطقة الوعر وحي بابا عمرو، وحمص الحديثة وريف حمص بمناطق صدد ومهين، لكننا فوجئنا في الأخير بأن الأجهزة الأمنية منعت دخولنا إلى كل هذه المناطق بحجج متعددة، إما خوفاً علينا من الاختطاف أو القنص، أو أن المنطقة لم تُسترجع بالكامل ولم يتم مسحُها وتمشيطها وطرد الخلايا المتبقية بها من المسلحين. أدركتُ حينها أن الجيش السوري لا يسيطر على كل مدينة حمص كما يسوّق له عن طريق وسائله الإعلامية وما تبقى له هو أحياء قليلة فقط، تلك التي تجولنا فيها تحت حراسة أمنية مشددة.
هنا تنتهي الحياة
استوقفتني مشاهد الدمار والخراب في أحد المناطق التي كنت أراها من بعيد، طلبت من المرافقة الذهاب إلى هناك، خاصة أنني أقنعتها بأنني لا أملك المادة الإعلامية الكافية لإخراج أيّ وثائقي، كانت وجهتُنا مقر المخابرات في حمص، نزلتْ هي من السيارة في محاولة منها لإقناع المسؤول للسماح لنا بتغطية المناطق المدمرة التي يسيطر عليها الجيش. بعد دقائق عادت ومعها الموافقة على بعض تلك المناطق وليس جميعها. كانت وجهتنا عندها حمص القديمة التي بها خمسة أحياء متداخلة من بينها منطقة الخالدية، شارع وادي السايح. مررنا على نقطة تفتيش واحدة تمنع دخول أي مواطن وأي مركبة لكننا وجدنا أسماءنا لديهم، فما كان منهم إلا أن طلبوا منا الحيطة والحذر وعدم التوغل داخل الأحياء المهجورة. حديثهم كان يوحي بوجود خلايا أو قناصين لا يزالون متمركزين داخل هذه الأحياء .
كانت السيارة تتوغل شيئا فشيئا داخل الأحياء في مدينة حمص القديمة، السكون يطبع المنطقة بل الصمت المهيب يجعلك تنتظر أي ضربة من جهات مختلفة. كانت من أقوى مشاهد الدمار التي رأيتها في حياتي. فبرغم تغطيتي حرب العراق وليبيا، لكن صراحة لم أقف من قبل على مخلفات دمار كامل لمدينة بأكملها بهذا الشكل. سألت المرافقة: هل دارت الحرب العالمية الثالثة هنا؟ ابتسمت وردت أنني لم أر أي شيء بعد، فكل سوريا اليوم أصبحت هكذا، والنتيجة تدمير كل البنى التحتية فيها. توقفت السيارة وأخبر السائق مرافقتنا بأنه لا يمكنه السير أكثر من هذا الحد. ربما كان خائفا. كانت تتناقش معه على ضرورة حمايتنا، لكنني في المقابل طلبت منها إكمال عملنا سيراً لأن هذا يناسبني أكثر في أخذ اللقطات. ما استغربته خلال وجودي هناك هو أنه لم توفر لنا أي حماية أمنية من أي تشكيل، ربما كان تخوفهم من دخول تلك المناطق أكبر، أو ربما لم يتفقوا فيما بينهم حول السماح لي بالدخول فعكف كل منهم على الدخول معنا. رغم كل ذلك، كنا مصممين على إكمال الطريق والتوغل داخل أحياء تحمل بين جدرانها المنهارة حكاية حرب ضروس دارت هنا لسنوات .
دامت الحرب هنا حسب المرافقة ما يقارب ثلاث سنوات، كان فيها الجيش يقاتل مختلف التشكيلات المسلحة، الجميع يعرف أن بداية الحرب في سوريا كانت من المعارضة المسلحة التي كانت تطلق على نفسها اسم “الجيش الحر”، الذي كان يلقى مساندة كبيرة من قبل الشعب حتى داخل المناطق التي لم يسيطر عليها. وهو ما لمسناه خلال احتكاكنا بالشارع الحمصي، لكن الجميع يتحسر على أن هذه المعارضة تحول جزء كبير منها في الأخير إلى تشكيلات إرهابية تلقى الدعم من دول أجنبية وعربية مختلفة على رأسها “داعش” و”جبهة النصرة”. هذه الأخيرة التي كانت آخر تشكيل خرج من مدينة حمص القديمة التي كنا بها .
آثار الخراب والدمار تحكي لوحدها أساطير من القتل والتهجير لعائلات غادر البعض منها إلى أحياء تشهد هي الأخرى معارك اليوم مثل حي الواعر، فيما فضل البعض الآخر الانتقال والهجرة إلى دول أخرى، ومنهم من تقاذفته الأمواج في رحلة الموت ليكتب لقصصهم أن تنتهي في صمت. وصلنا إلى المشفى الميداني. كان بناية كبيرة ربما من سبعة طوابق أو أكثر لا يمكن التمييز في عددها لأنها موجودة أرضا، أخبرتني مرافقتنا باستعمال المعارضة المسلحة في البداية لهذا المشفى الميداني الذي كان يمول من قبل دول داعمة لهم، لكن وبعد انسحاب “الجيش الحر” استولت “النصرة” على المكان، ما زاد الأمر تعقيدا وتوترا خاصة بالنسبة إلى الأهالي الذين تقول مرافقتنا إنهم لقوا الويلات على يد هؤلاء.
كان وسط حي الخالدية مدرسة للبنات دخلناها لنجد بها آثار رماد حريق كبير، وكم صدمنا والمرافقة تروي لنا تفاصيل جلب المعارضين من “النصرة” إلى هذا المكان وحرقهم أمام الجميع، أخبرتنا أن الناجين والفارين من جحيم ما عاشوه مع تلك “الجبهة”، سردوا ما عاشوه، البعض تقول مرافقتنا تحدث عن سبي النساء واغتصاب الفتيات وشق بطون الحوامل كعبرة لمن يقدِّم معلومات للنظام أو يتعامل معه خفية، ما كانت تتحدث عنه مرافقتنا لم يكن جديدا على التجاوزات التي نراها عبر مقاطع الفيديو المسرّبة من داخل معاقل “جبهة النصرة” في سوريا، صور وحقائق ربما جعلت الأهالي يرون في الجيش وعودته حماية لهم تطبيقا لمقولة “ما رماك على المرّ إلا الأمرّ منه”.
الأنفاق السرية وتمرير السلاح
التجول بين شوارع حمص القديمة جعلنا نلاحظ وجود حجر أسود كثيرا ما رأيناه في مسلسلات سوريا داخل حاراتها القديمة، وهنا كسرت موفدة وزارة الإعلام السوري معنا فضولي بالرد بأنه الحجر البازلكي القديم والمشهور في مدينة حمص، بحيث يلقبونه بأم الحجارة السود، حجارة قوية بنيت بها معظم المنشآت في حمص حتى البنايات الحديثة منها، ما سهّل اختباء عناصر “النصرة”، لاحظنا ونحن ندخل البيوت المدمرة، أن جميعها به أقبية. وهنا كشفت مرافقتنا أن مدينة حمص مشهورة بانخفاض التربة ما يجعل الأهالي يلجأون إلى بناء أقبية ومن ثم الطابق الأول، أقبية استغلها فيما بعد نفس التنظيم للاختباء داخلها وإخفاء ما كان يحتاجه من عتاد ومؤونة.
دخلنا أحد البيوت، وجدت حبلا متينا داخل أحد الأقبية، وليس ببعيد عنه اكتشفت حفرة، لقد كانت ممرا سريا تحت الأرض بل نفقا سميكا، حملتُ حجارة وبقيت أرمي بها لأكتشف مدى عمق النفق، كانت الحجارة تلبث ثواني قبل أن تسقط في الماء، أخبرتني المرافقة أن مدينة حمص القديمة مشهورة أيضا بوجود قنوات وأنفاق رومانية قديمة واستدلت بذلك بمسلسل “باب الحارة” الذي كنا نشاهده، حيث يستطيع الثوار الذين كانوا ضد الاستعمار الفرنسي أن يمرروا سلاحهم عن طريق البئر الموجودة في كل منزل، التي توصلهم إلى قنوات تحت الأرض تأخذهم خارج المدينة.
هو نفس الأمر هنا في مدينة حمص القديمة فقد تتبعت بنفسي مع الكاميرا تلك القنوات من داخل المنزل إلى خارجه؛ حيث توجد قنواتٌ أخرى بين الشوارع، في نفس الوقت الذي وجدت فيه البئر في بعض المنازل، التي كانت يستعمل أيضا كممر لدخول وخروج عناصر “النصرة” آنذاك وتمريرهم الذخيرة ومختلف أنواع العتاد العسكري في محاولة منهم السيطرة على كامل المدينة. كنت أرغب في خوض مغامرة الدخول والتوغل عبر تلك الأنفاق والوقوف على مداها وإلى أين توصل، لكن المرافقة منعتني من ذلك لكون نفس الأنفاق لم يتم تمشيطها بالكامل من قبل الجيش وتخوفا من وجود قنابل وألغام قد تكون مزروعة في الأسفل لمنع تقدّم الجيش نحوهم، ويبقى الاحتمال الثالث وهو أن نجد أنفسنا بين أيدي عناصر التنظيم، أمر جعلني أتراجع عن قرار خوض المغامرة، لأن إكمالها فوق الأرض أحسن.
دخلنا إلى شارع “السموأل”، كان هو الآخر يحكي لوحده تفاصيل الحرب الكبيرة التي استعملت فيها مختلف أنواع الأسلحة ضد المباني، كل ما كنت أفكر فيه تلك اللحظة هو ممتلكات الشعب التي ضاعت بين ليلة وضحاها، كم هو صعب فعلا أن يبقي أي مواطن يدخر لسنوات ليمتلك بيتا وفي الأخير يهجّر منه مكرها، بل ولا يستطيع العودة إليه، وإن عاد بعد سنوات فسيجده أطلالاً.
شد انتباهي أيضا أكياسُ الرمال الموجودة داخل ما تبقى من بعض المباني، حاولت الوصول إلى إحداها، كان الأمر يتطلب المرور على ركام المباني، الأمر خطير لأن المتفجرات في كل مكان والتمشيط لم يكتمل بعد، حاولت أن أكون حذرة أكبر قدر ممكن، سمعت صوت ماء يتدفق من تلك البناية، كان انفجارا للأنابيب والقنوات، في نفس الرواق كانت هنالك حفر في كل بناية وحائط. أدركت عندها وقبل أن تشرح لي المرافقة، أنه نفس الأسلوب المنتهج لدى “أنصار الشريعة” في الشرق الليبي، الذين يلجأون إلى المرور عبر فتحات يقومون هم بوضعها داخل غرفة كل منزل للمرور إلى الأحياء الأخرى هروبا من قصف الطيران، هو نفس السيناريو في مدينة حمص، دخلت من إحدى تلك الفتحات لأصل إلى منزل آخر مشيت بين غرفه فوجدت كلمات تمجد الكتائب المسلحة التي كانت موجودة هناك، أسماء تعبر عن أبي حمزة وأبي قتادة وأبي فلان وفلان… وأخرى تسب الجيش وتتوعد بالانتقام، وأخرى تترحم على “شهدائها” كما تصفهم، بل وأخرى تنتظر الجنة للوصول إلى الحور العين، كانت عباراتهم تحفيزية وتشجيعية من الناحية الدينية لمقاتليهم. في إحدى الغرف وجدت الأكياس الرملية وفتحة صغيرة آخر الحفرة تسمح فقط بوجود سلاح القناص، ألقيت نظرة من هناك لقد كان الموقع استراتيجيا فعلا ومهمّا لأنه يطل على الشارع الرئيسي، وجود القناص هناك كان سيصيب أي شخص تسول له نفسه بالمرور، فالموقع مكشوف ومساحة الركض غير كافية للهرب من الزناد، ربما هو الأمر الذي صعّب استرجاع مدينة حمص بعد سنوات.
حقيقة نبش ضريح الصحابي خالد بن الوليد
الساعة تشير إلى الثانية زوالا، درجة الحرارة تحت الصفر، والسكون أهم شيء يطبع المكان، بتنا لوحدنا داخل المنطقة وبقيت مصرة على التوغل أكثر، لاحظت تقدم سيارة جيب سوداء نحونا، كان صاحبها يشغل أضواءها في إشارة منه ربما إلى توقيف التصوير، طلبت من المصور إكمال عمله، تقدمت المرافِقة وأعطته اسم العقيد الذي سمح لنا بالتصوير، سمعت الضباط يطلبون منها أخذ الحيطة والحذر لكوننا في منطقة خطيرة لم يسيطروا عليها بعد بالكامل، رأينا مسجدا كبيرا سألت المرافقة لترد بأنه مسجد الصحابي الجليل خالد بن الوليد، تقدمت نحوه محاولة أخذ بعض الصور خاصة أنه كان متضررا من بعض القذائف التي طالته، لكن المرافقة طلبت منا عدم الاقتراب أكثر لأن الجيش يمنع التصوير داخله، استغربت الأمر خاصة أننا صورنا الأخطر فكيف إذن نمنع من تصوير مسجد؟
في تلك الأثناء جاءتنا سيارة مدنية أخرى كانت لضباط من جهاز المخابرات، أخذوا المرافقة لوحدها ولا أدري ما كان فحوى الحديث، لكنها عادت بعد دقائق أكثر إصرارا على عدم الدخول إلى المسجد، طلبت منها أن أدخل لوحدي ودون الكاميرا لقراءة الفاتحة عند الضريح فقط، لكنها بقيت على رأيها بقرار المنع، بقي الموضوع محيِّرا بالنسبة إلي وسألت عنه بعد أن خرجت لأكتشف أن البعض يتحدث عن المساس به من قبل أتباع طائفةٍ معينة، نبشوا ضريح الصحابي وقاموا بإخراج رفاته، ما سبب أزمة داخل مدينة حمص وتدخلا من قبل بعض الجهات الأمنية التي تحاول حمايته اليوم وإعادة بناء الضريح من جديد، بعدما سمعت عرفت لماذا كنت ممنوعة حتى من قراءة الفاتحة عنده.
وليس ببعيد عن مسجد الصحابي خالد بن الوليد، كانت كنيسة أم الزنار، المسماة بذلك نسبة إلى وجود زنار السيدة مريم العذراء، نفس المعلم التاريخي والديني عرف التهديم من قبل تنظيم “جبهة النصرة”، حسب مرافقتنا فإنه قد تم عن طريق مخطط أجنبي استهداف المعالم الأثرية والتاريخية داخل مدينة حمص، أمر لا يمكن نكرانه، فمعلوم أن معظم الجبهات اليوم في سوريا تضرب المعالم التاريخية والدينية وحتى أضرحة الصحابة وتهريب الآثار، وما حدث في حلب وتدمر وحمص كان أكبر دليل على ذلك.
النظام يضرب الأحياء السكنية
شد انتباهي ونحن داخل حارات حمص القديمة حي مدمر بشكل كامل، المنظر يدل على استعمال الطائرات الحربية وليس السلاح العادي من القذائف والصواريخ، لأن البنايات أسقطت من فوق بالكامل وفتحات الصواريخ المنزلة من السماء كانت واضحة، الموضوع كان واضحا لي خاصة أنني غطيت الحرب الليبية عام 2011 وكنت أرى كيفية ضرب طائرات الناتو للمباني التي تنهار بنفس الشكل الذي انهارت به المباني في حمص، طلبت من المرافقة السماح لنا بالدخول عن طريق القلعة كما يسمونها هناك، كان جوابها بالرفض لأن الأمر حسبها يحتاج إلى موافقة من جهات أمنية أخرى فلكل قطاعه وحيّه هنا.
ونحن داخل السيارة وجدت وسط الحي شيخا مسنا يبيع الكبة المشوية وهي أكلة تقليدية سورية، طلبت من المرافقة أن ننزل ونتناول البعض منها، كانت هذه المحاولة الوحيدة التي ستسمح لي بالنزول وأخذ المادة التي أحتاجها، قبل أن ننزل أشرت إلى المصور حتى ينزل معه الكاميرا، بقيت مع المرافقة التي كانت تطلب الكبة المشوية وبعد دقائق زاد عدد الأشخاص حول العربة، بدأت أنسحب تدريجيا من حولهم، تسللت وطلبت من المصوِّر أن يتبعني، هنا بدأ مسلسل الركض والابتعاد عن العربة والدخول في أزقة ضيِّقة لا تنتهي تشبه لعبة الدوران وإيجاد المخرج، كنت أبحث بينها عن الحي الذي مُنعت من تصويره، كان المصوّر خائفا فقد توغلنا كثيرا ولا إنس أو طير حولنا، ومع ذلك أكملنا الركض حتى وجدنا أخيرا ذلك الحي، كان واضحا في معالم انهياره بالكامل أنه ضرب طيران عسكري حربي ومعلوم أن الجهة الأخرى سواء من المعارضة أم “جبهة النصرة” لا تمتلك هذا الأسلوب، ربما هي الطائرات الروسية أو طائرات النظام، المهم هو ضرب حقيقي لبنايات ومساكن المواطنين.
في تلك اللحظات التي كنا نلتقط فيها بعض الصور، عادت إلى مخيلتي الصور التي تبثها بعض القنوات العربية التي يلقبها النظام بـ”المغرضة”، التي توضح ضرب طائراته واستهدافها للمدنيين وقتلهم، صور الأطفال وهم يفرون من جحيم تلك الصواريخ والآخرون يخرجون من تحت الأنقاض ولا يجدون أي كلمة يعبرون بها سوى “الله لا يوفقك يا بشار”، لا أدري إن كانت هي الحقيقة أم لا؟ ولكن ما أمتلكه من صور يجعلني متأكدة من أن الطيران يستهدف فعلا الأحياء والبنايات المدنية التي انهارت ودُمِّرت عن آخرها.
يُتبع