حوامل يتحدين القضاء والقدر ويقتلن أجنّتهن
في ظل التطور الحاصل في مجال الطب واستعمال أجهزة حديثة، أصبح من السهل اكتشاف إصابة الجنين بمرض ما أو إعاقة جسدية وهو داخل رحم أمه، وهو الأمر الذي لا يتقبله بعض الأولياء، فبمجرد معرفتهم بأن المولود المنتظر ليس سليما جسديا أو عقليا، يفكرون في طريقة للتخلص منه قبل أن يرى النور، بحجة تجنب المعاناة التي سيتكبدونها في سبيل رعايته مستقبلا.
يتمنى الوالدان، وهما بصدد انتظار الوافد الجديد على الأسرة، أن يرزقهما المولى عز وجل مولودا سليما من الناحية الجسدية والعقلية، بل لا يفكران أبدا في إمكانية أن يولد معاقا أو مصابا بمرض ما، وكم هو صعب أمر اكتشاف مرض الجنين قبل خروجه إلى الحياة، فإذا كان هناك أولياء يؤمنون بالقضاء والقدر وإرادة الله تعالى يرضون ويسلمون أمرهم للخالق، فإن هناك آخرين ابتعدوا عن الدين الإسلامي الحنيف وتعاليمه السمحة، فهم يفكرون بمجرد أن يخبرهم الطبيب، بأنهما سيرزقان بطفل يعاني مشاكل جسدية أو عقلية في كيفية التخلص منه، وهو داخل رحم أمه قبل أن يرى النور.
وبما أن عمليات الإجهاض السري أصبحت أمرا يحدث في بلادنا بصفة عادية في ظل غياب الرقابة مع تهاون الجهات المعنية، فقد وجد الكثيرون ضالتهم عند بعض أشباه الأطباء الذين لا يأبهون للشرع عندما يتعلق الأمر بملء جيوبهم بالأموال.
هي حالات كثيرة لنساء اكتشفن أنهن يحملن في أرحامهن أطفالا غير سليمين جسديا أو ذهنيا، بعضهن تقبلت الأمر فكان زوجها من عارضه وطلب الإجهاض أو الطلاق، مثل ما حدث مع “فاتن” التي أخبرتها طبيبتها أن ابنتها المنتظرة مصابة بمرض “متلازمة داون” أي “منغوليان” وقد أصرت على إنجابها، إلا أن زوجها رفض الأمر رفضا قاطعا، وطالبها بإجهاضها، وفي حالة رفضها للأمر سيقوم بتطليقها.
وكعيِّنة على هذه الحالات حدثنا الدكتور صلاح الدين كرفة، مختص في أمراض النساء والتوليد، حيث قدمت إلى عيادته ببودواو امرأة حامل في الشهر السابع وقد جلبت معها تقارير طبية للطبيب الذي كان يتابع حالتها بغليزان، وتشير جميعُها إلى الحالة الصحية الجيدة للجنين، إلا أنه وبعد عرضها على جهاز الكشف بالأشعة تم اكتشاف إصابة الجنين بتشوه خَلقي، إذ أنه لا يملك رأسا، مؤكدا أن هذه الحالة من المفروض أن يتم اكتشافها مبكرا أي في الشهرين الأولين، في حين توجد بعض الحالات الأخرى التي لا يمكن اكتشافها إلا بعد مرور سبعة اشهر مثل المصابين بتشوهات على مستوى القلب، وقد تفاجأت المرأة كثيرا، وطلبت من الطبيب إجهاضه غير أنه رفض.
وفي هذا الصدد أشار الدكتور كرفة إلى غياب الرقابة في المجال الطبي، فقد أضحى كل من هب ودب يشتري جهاز الكشف بالأشعة ويقوم بمعاينة الحوامل، وعن مسألة اجهاض الأجنة المصابين بتشوهات خلقية أو أمراض مستعصية، أكد الدكتور كرفة أنه لا يسمح بالإجهاض حسب التشريع القانوني مهما كانت حالة الجنين، كما أن هناك فراغا قانونيا في هذه القضية، مضيفا أن هنالك عددا من الحالات التي استقبلها في عيادته لم تتقبل فكرة أن يولد لديهم طفلٌ معاق أو مشوّه خَلقيا، ويقررون مباشرة إجهاضه، وفي حالات نادرة يرضخ البعض الآخر للقضاء والقدر ويفوضون أمرهم للمولى عز وجل.
أما موقف الشرع في هذه المسألة فأفادنا به الشيخ جلول قسول، وهو إمام مسجد “القدس” بحيدرة، إذ نهى عن التفكير في التخلص من الجنين مهما كان السبب، باستثناء بعض الحالات التي يمكن أن يشكل فيها الجنين خطراً على السلامة الصحية للحامل، فمن باب المحافظة على الأصل أي حياة الأم، يمكن أن نضحي بالفرع وهو الجنين، أما فكرة الإجهاض بشكل عام فهي غير جائزة شرعا، لأننا لا نستطيع أن نعرف ما إذا كان إتمام خلق الجنين سيكون في رحم أمه أو سيموت داخله أو خارجه، ففي كل الحالات الجنين الذي يكتب الله له الحياة سيعيش، أما من يُقدَّر له الموت فسيموت حتما، لذا من الأفضل أن نترك الأمر بيد الله ولا نكون سببا في وفاته، ولا يمكن أن نتحدى إرادة الخالق في وجود فئة المعاقين والمشوهين على وجه المعمورة، كما أن المولود بتشوه خلقي يعد بمثابة عبرة للآخرين، إذ أن كل من يراه يحمد الله تعالى على نعمة الجمال والصحة.