-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حول كتاب “ذكريات شاهد الثمانين حولا”

جمال ضو
  • 666
  • 0
حول كتاب “ذكريات شاهد الثمانين حولا”

إن ثقافة تدوين الأحداث والتحقيق وكتابة السير ضعفت في هذه الأمة منذ قرون -عصر ما بعد الموحدين، لتدخل الأمة مرحلة الاجترار والهوامش والتعليق عليها. 

والساحة الجزائرية ليست استثناء بل هي الحالة الأسوأ تقريبا.  وربما مما يمكن أن يستحضره المرء هنا هو السيرة الذاتية للأمير عبد القادر طيب الله ثراه، فهذا الرجل على الرغم من المكانة الرفيعة التي بلغها وسط العام والخاص في العالم الإسلامي وغير الإسلامي في حياته إلا أن الذي سعى لكتابة سيرته الذاتية لم يكن من هذه الأمة بل كان تشارل تشرشل البريطاني ( العائلة نفسها التي ينحدر منها تشرشل رئيس وزراء بريطانيا) الذي جالس الأمير بشكل يومي لشهور عديدة ليسجل مذكراته وتاريخ مقاومته ثم ليكتبها في كتاب هو في النهاية يعبر  عن رؤية الرجل البريطاني للأمير وهذه الأمة.

وكم هي اليوم الأمة بحاجة لشهادة شبيهة منقولة وموثقة عن الشيخ الإبراهيمي!

أما إذا عدنا إلى الجزائر ما بعد الاستقلال فإن  السير الذاتية للشخصيات السياسية والدينية والفكرية قليلة، أما في وسط  الشخصيات ذات التوجه الحضاري الإسلامي فهي شبه منعدمة، فهذا الوسط يعاني من شح، إن لم يكن انعدام الشهادات الموثقة من أصحابها، والاستثناء وسط هذه الفئة هو مالك بن نبي الذي أرخ لسيرته والأحداث التي عايشها بشكل مختلف في كتابه شاهد على القرن أو العفن.   وإذا ما كان الشاذلي ونزار وآيت أحمد وطالب الإبراهيمي كتبوا مذكرات وسيرا تركوا فيها مواقفهم وآراءهم في الأحداث التي عايشوها وساهموا في تشكيل صورتها ، إلا أن الشخصيات التي توصف بالإسلامية آثرت  الانتقال إلى الدار الأخرى في صمت، ولم يترك أحد منهم  سيرته ولا روايته لأحداث كانوا من صناعها أو المشاركين في صناعتها. فلقد مات الشيوخ عباسي مدني ونحناح وسحنون  وغيرهم من دون أن يتركوا أثرة من سيرتهم وتعليقهم على الأحداث التي عايشوها وساهموا في صناعتها، بالرغم من دورهم الكبير والرئيس والحساس فيها. كما أن كثيرا من الأسماء اليوم لا تزال على قيد الحياة ويتقدم بها العمر ولكن لا تزال تؤثر التصريحات المتقطعة أو بعض الحوارات بدل التدوين الموثق للمواقف والسير والذكريات ، ومن هؤلاء الشيخ جاب الله مؤسس حركة النهضة  أمده الله بالصحة والعافية.

وفي هذا السياق يأتي كتاب أو الجزء الأول من مذكرات الدكتور طبيب العيون محمد جاب الله ” ذكريات شاهد الثمانين حولا: بين فسحة الأمل وإكراهات الواقع”. ربما الدكتور محمد جاب الله ليس بالشخصية التي يعرفها الجمهور الجزائري الواسع، فهو ليس بالداعية الشهير أو الشخصية السياسية التي ضاع صيتها، بل هو طيب عيون عمل منذ سنة 81  في عيادته بالوادي، ولكنه كان رجل ظل لفترات عديدة في مسار الحركة الإسلامية منذ نشأتها في مسجد الطلبة في الجامعة المركزية ومجالس مالك بن نبي وشاهدا نادرا على كثير من الأحداث والتحولات التي مرت بها الجزائر والوادي قبل الاستقلال وبعده.

إن ميزة الدكتور محمد أنه رجل عايش عن قرب أحداثا كثيرة وساهم في صناعتها في صمت ومن دون ضجيج، فبالإضافة إلى تميزه بالفعالية في العمل وقلة السفسطة والكلام، تميز بدقة الملاحظة وتدوين الأحداث والاحتفاظ بها،  إضافة إلى ما حباه الله من قدرة على استحضار وتذكر الأحداث والأسماء بدقة مدهشة إلى اليوم بالرغم من تقدم سنه (أدام الله عليه الصحة والعافية).

إن شهادة الدكتور جاب الله في قناعتي تمثل استثناء وسط التيار الوطني الإسلامي ، فهي تدوين دقيق لسيرة رجل نشأ في عمق الصحراء الجزائرية من عائلة متدينة  كانت من أتباع الطريقة القادرية ولكن محاضرة واحدة لشيخ من جمعية العلماء غيرت مسار العائلة لتصبح بيتا إصلاحيا وثوريا استضاف الشيخ بن باديس والإبراهيمي وبن نبي.   رجل فتح أعينه والجزائر ترزح تحت وطأة الاستعمار وما رافقه من مآسي وفقر وحاجة وفاقة، ولكن أقدار الله منحت الشاب فرصة الدراسة  مبكرا ليصبح من أوائل أطباء العيون في الجزائر وأول طبيب عيون في الجنوب الشرقي. وكانت مرحلة انتقال عائلته مبكرا إلى العاصمة  ودراسة الطب هناك الباب الذي جعله من تلاميذ ورفقاء مالك بن نبي وتلميذا للشيخ سحنون ومنشطا ومنظما في الخفاء للمتلقى الإسلامي في بداياته (الذي كان فكرة بن نبي) رفقة رشيد بن عيسى شفاه الله و عبد الوهاب حمودة رحمه الله. رجل اختار أن يفتح عيادة في الجنوب بدل العاصمة يوم كان عدد أطباء العيون في الجزائر محدودا جدا، سنة 1981.

إن هذا الجزء الأول من المذكرات  ينقل صورة الجزائر من صحرائها بوادي سوف  ووادي ريغ قبل الثورة إلى العاصمة ونشأة الحركة الإصلاحية والثورية  ومسلسل التدافع والصراع الفكريين والسياسيين …إلى مرحلة العاصمة واكتشاف ومرافقة بن نبي، ثم نشأة أول نواة  للحركة الإسلامية الطلابية في الجامعة المركزية بافتتاح أول مسجد في الجامعة على يديه ويد زملاء آخرين بمشورة من بن نبي،  إلى مرحلة الثمانينات وأحداث الجامعة المركزية الشهيرة.

كل هذه بأعين رجل أشهد له بصدق الحديث ودقة الوصف والتعفف وإنكار الذات وعزة النفس، أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحدا. فإن كنت أقرأ مذكرات شخصيات كثيرة بكثير من الريبة والشك في دقة نقلهم للأحداث ، وبل يقيني من كذب بعضهم وتزويرهم أو تدليسهم ، إلا أنني أقرأ هذه المذكرات (التي طالما استمعت لأجزاء منها مشافهة ومباشرة من لسان الدكتور جاب الله في جلسات مطولة جمعتنا) وأنا مطمئن لصدق الرواية  وسلامة القصد وعدل الشهادة بالقدر الذي يسمح به عدلنا كبشر.

أتمنى أن يطلع على هذه السيرة والشهادة  كل شاب جزائري، أو كل جزائري، ليقرأ شهادة ابن الصحراء والعاصمة معا، شهادة حول أحداث ومراحل تدافع وتحولات وتقلبات كثيرة شهدتها الجزائر، بعضها حساس للغاية لا تزال إلى اليوم تسيل الحبر الكثير، حبرا قد لا يتوقف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

أشير أن الجزء الثاني لهذه المذكرات، والذي سيغطي مرحلة ما بعد الثمانينات وما عايشته الجزائر والوادي من أحداث، سيصدر قريبا عن دار النشر نفسها، مآل للنشر والتوزيع.

كما أن هذا الجزء الأول سيكون بإذن الله حاضرا في المعرض الدولي للكتاب القادم. كما تجدر الإشارة إلى أن عائدات هذه الطبعة موجهة لإخوتنا في أرض الرباط .

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!