حينما تُمارَس الاحتجاجات بمعاقبة المواطنين!
تشهد الجزائر منذ أسابيع تصاعدا لافتا للإضرابات والاحتجاجات الاجتماعية التي أجبرت مئات الآلاف من الجزائريين على دفع ثمنها غالياً بلا ذنب ارتكبوه.
على مشارف الجزائر العاصمة الشرقية والغربية، يعيش المسافرون القادمون من مختلف ولايات الوطن، منذ أسبوع، جحيما لا يطاق في الطرق السريعة بسبب إغلاق مداخل العاصمة يوميا بغية الحؤول دون التحاق الآلاف من الجنود القدامى بقلب العاصمة للاعتصام فيها. ولإفشاله مسبقا، عوقب آلاف المسافرين من دون ذنب، وقضى بعضُهم يومي السبت والأحد الماضيين نحو 4 ساعات في الطرق “السريعة” قبل الوصول إلى وِجهاتهم، والمفارقة أن بعضهم قضى وقتا أقل بكثير من سطيف أو غليزان إلى مشارف العاصمة!
وإلى حدّ الساعة، لا تزال الطرق “السريعة” للعاصمة تعيش اختناقا مروريا كبيرا، ويُخشى أن يستمرّ إصرارُ قدماء الجنود على دخول العاصمة أشهرا عديدة، ويتواصل معه العقابُ الجماعي لآلاف المسافرين يوميا بـ”ذنبهم”، وتتحوَّل يومياتُهم إلى عذاب لا يطاق وشعور بالقهر والقلق والغليان والاحتقان لا ينجم عنه سوى مضاعفة أعداد المصابين بالأمراض المُزمنة.. بعض طلبة الجامعات حُرموا من أداء الامتحانات يوم الأحد الماضي، والآلاف من ساعات العمل ضاعت هدراً، وهو سيناريو يتكرّر مع مختلف الاحتجاجات منذ سنوات لإفشالها مسبقا… ترى: هل كانت السماء ستقع على الأرض لو تُرك الجنود القدامى يدخلون العاصمة وينظمون وقفتهم الاحتجاجية؟ أليس الحوار هو أفضل حلّ لهذه الاحتجاجات وغيرها؟ ولماذا يستمرّ منعُ المظاهرات في عاصمة البلاد منذ مظاهرة “العروش” في 14 جوان 2001 إلى الآن؟ ألم يحن الأوانُ بعد لترك الجزائريين يمارسون حقهم الدستوري والقانوني في التظاهر السلمي أينما أرادوا؟
بالمقابل، أفضى إضراب الأطباء المقيمين في مختلف مستشفيات الوطن، إلى تأجيل آلاف الجراحات والتدخُّلات العلاجية الضرورية والاكتفاء بالحدّ الأدنى من الخدمة الذي لا يفي بالغرض ولا يخفف آلام الآلاف من المرضى في مختلف أنحاء الوطن، فما هو ذنبُ هؤلاء المرضى حتى يعاقَبوا جماعيا أكثر من شهر ويُتخذوا رهائن ووسيلة ضغط على السلطات لحملها على الاستجابة لمطالب الأطباء المقيمين، مهما كانت وجاهتُها وشرعيتها؟ الأمر لا يتعلق بيومين أو ثلاثة حتى يصبر المرضى بل بأزيد من شهر قد تسوء فيه الوضعية الصحية للكثير منهم!
وفي البليدة يقترب إضرابُ الأساتذة، ولاسيَّما في التعليم الثانوي، من دخول شهره الثالث، ما جعل آلاف التلاميذ يدفعون غاليا ثمنَ صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل ويتأخرون في دروسهم شهرين كاملين عن أقرانهم في 47 ولاية. هل هذا أسلوب ضغطٍ مناسب يمارسه مربُّو الأجيال لافتكاك مطالبهم؟ من أجل صراعاتهم مع مديرية التربية للبليدة يتخذون التلاميذ رهائن وأدوات ضغط ويضيّعون شهرين من أعمارهم من دون تحصيل علمي ومعرفي؟!
طالما ساندنا حق مختلف الفئات المهنية في الإضراب لتحقيق مطالبها العادلة، فهو حق دستوري، ولكنّ حينما يطول به الأمد، يتحول إلى أداة لمعاقبة آلاف المواطنين الأبرياء من دون وجه حق، ويصبح ضررُه أكثر من نفعه. وفي جميع الأحوال، من المؤسف أن يعاقَب الجزائريون جماعيا أو يُتَّخذوا أداة لإفشال تحرُّكات غير مرغوب فيها، أو لافتكاك مطالب، عوض أن تبحث الأطراف المعنية عن وسائل أخرى حضارية لتحقيق أغراضها.