حين تعيدك الدبلوماسية الجزائرية إلى الوطن: شهادة من أوتاوا ومونتريال
لم يكن ذلك اليوم في أوتاوا يشبه غيره. كنت في مهمة عمل، أتنقل بين المواعيد والاجتماعات التي ازدحمت بها أجندتي حتى ضاق الوقت ولم يعد يتسع لشيء. لكن فكرة واحدة ظلت تطرق رأسي بإلحاح: منذ قدومي إلى كندا، لم أزر بعد سفارة بلدي. كانت الساعة تشير إلى أن الدوام يكاد ينتهي، ولم يتبقَّ سوى دقائق، ومع ذلك وجدتني أغيّر اتجاهي، وكأن شيئًا في داخلي أقوى من كل الأسباب العملية يدفعني نحو ذلك المكان الذي يحمل اسم الجزائر.
عند البوابة: أول ملامح الاحترافية الدبلوماسية مصبوغة بطيبة الروح الجزائرية
وصلت إلى السفارة دون موعد مسبق، ولا سابق تنسيق، فقط برغبة صادقة في زيارة تُشعرني بأنني قريب من الوطن ولو للحظات. وعند بوابتها، رأيت رجلاً جزائريًا يقف داخل الأسوار. حيّيته، فاستقبل تحيتي بوجه أشرق بفرح لا يُصنع، فرح يشبه بهجة لقاء أبناء الوطن في الغربة، تلك البهجة التي لا تشبه شيئًا آخر. أخبرته بأنني جئت لزيارة مجاملة إن سمح الوقت، فابتسم وقال بصوت يحمل كرمًا جزائريًا خالصًا: “بما أنك أتيت… فلا بد أن تستقبل.”
داخل السفارة: كفاءة عالية وإخلاص في تمثيل الوطن
لم تمض ثوانٍ حتى فتح الباب، لأجد نفسي في مكتب نائب السفير المكلف بالشؤون الاقتصادية. رجل مثقف، أنيق في فكره قبل مظهره، واسع الاطلاع، يخوض في الاقتصاد الجزئي والكلي كمن يتحدث عن حكاية يعرف تفاصيلها منذ زمن بعيد. ثم التحق بنا السفير نفسه، رغم ضيق وقته وعدم علمه بمقدمي. استقبلني بحرارة، استمع، وسأل، وفتح أمامي باب المشاركة في فعاليات اقتصادية مستقبلية إن رغبت. لم أشعر في تلك اللحظات أنني أمام مسؤولين… بل أمام رجال يعرفون معنى أن تمثل الجزائر بوجه مشرف.
مونتريال: تجربة أخرى تكشف نفس الروح الوطنية
وبعد أيام قليلة، قادتني الظروف المهنية إلى مونتريال، وهناك واجهت ضرورة تجديد جواز سفري الجزائري المنتهي. كانت المسافة بين مسكني والقنصلية طويلة للغاية، لكنني خرجت مبكرًا على أمل أن أتمكن من إكمال الإجراءات في اليوم نفسه. وما إن ذكرت للموظفين اسم المدينة البعيدة التي جئت منها، حتى تغير كل شيء تلقائيًا. موظفان طيبان وبشوشان، اصطحبوني مباشرة إلى مكتب القنصل، الرجل الذي دخل بعد دقائق بوجه مبتسم وروح مستبشرة فرحة و ودودة. شرحت له وضعي، فأجاب بجملة ستبقى محفورة في ذاكرتي: “إن شاء الله… لن تذهب حتى يكون ملفك مقبول.”
كواليس القنصلية: احترام للتاريخ ورمز للوطنية
ثم تحرك بنفسه بين المكاتب، يوصي بالتسهيل، ويختصر الزمن، ويُشعرني دون أن يقول أن خدمة المواطن ليست عملًا إداريًا، بل واجب وطني. لم اعرف عن نفسي ولم أكن هناك بصفتي أكاديميًا ولا اقتصاديًا ولا صاحب مسار مهني محدد. كنت مجرد جزائري جد عادي جاء من بعيد، لكنه وجد وطنه ورجالاته الاوفياء ينتظرونه في الداخل.
غير أن اللحظة الأكثر تأثيرًا لم تكن في اللقاء ولا في الإجراءات، بل فيما سبق مكتب القنصل. في الممر المؤدي إليه، كانت هناك لوحات تنبض بالتاريخ. جدارية كبيرة تروي قصة الدولة الحديثة، تحمل وجوه الأمير عبد القادر، لالة فاطمة نسومر، المقراني، الحداد… رموز قاومت ليبقى الوطن. ثم جدارية أخرى تُجسّد صراع دولة الجزائر مع امبراطورية روما القديمة، صراعًا يعكس أن هذه الأرض وُلدت منذ ملايين السنين بلدا مقاوما قبل أن تُولد اعظم حضارات ذلك الوقت. وفي نهاية الممر، كانت الجدارية الأعظم، جدارية الشرفاء… وجوه أسود الثورة: العربي بن مهيدي، مصطفى بن بولعيد، حسيبة بن بوعلي، زيغود يوسف… وجوه ترفع الرأس، وتربّت على القلب دون أن تتحرك من مكانها.
النشيد الوطني: لحظة وعي بتاريخ الشهداء
وقف النشيد الوطني الجزائري إلى جوار تلك الجدارية، مكتوبًا بكامل أبياته. كنت أردده منذ طفولتي، في المدرسة، في المناسبات، في البيت… لكنني لم أشعر يومًا بما شعرت به تلك اللحظة. كان ترديدي له أمام صور الشهداء بكاءً داخليًا، شعورًا يختلط فيه الامتنان، بالقوة والافتخار، افتخارا بأنني أنتمي إلى هؤلاء ، كذلك إدراكًا فجائيًا بأن كل خطوة خطوتها في حياتي، كل شهادة عليا نلتها، كل مدينة عبرت إليها — من لندن إلى براغ إلى نيويورك إلى برلين أو إلى روما — لم تكن ممكنة لولا هؤلاء الواقفون على الجدران… أولئك الذين واجهوا التجويع والتجهيل وقذائف المحتل، أولئك الذين افتتحوا لنا طريق الحياة والعزة بدمائهم.
ذكرى أبي: دروس لا تنتهي
عادت بي الذاكرة فجأة إلى بيتنا القديم، إلى والدي رحمه الله، وإلى تلك الجلسات الدافئة حول مائدة العشاء، غالبًا على طبق الشخشوخة، وهو يقول بصوت يشبه الحكمة والحزن: “يا ولدي… أين كنا وأين أصبحنا؟” الحمد للله على كل النعم، كان يترحم على أرواح الشهداء كل ليلة تقريبًا، ويعيد الحديث عن سياسات التفقير الممنهج التي مارسها الاستعمار الفرنسي ضد الجزائريين، عن الجوع، عن المرض، عن الظلم، عن الوجع الذي صنع الصلابة في أجيال كاملة. أبي رحمه الله كان واحدًا من أولئك الذين حملوا الجزائر في قلوبهم، لا في جيوبهم، وكان يؤمن بأن كل ما نعيشه اليوم مهما كان بسيطًا هو فضل من الله ثم من الشهداء.
اعتراف داخلي: لولاهم لما كنت أنا
وقفت داخل القنصلية وقلت في نفسي: لولا هؤلاء، ربما كنت اليوم واحدًا من الذين يمسحون الأحذية بحثًا عن لقمة، أو من ينتظرون جرعة دواء صغيرة لأمٍّ مريضة. لولاهم لما كنت صاحب شهادات عليا، ولا رجلًا يسافر عبر العالم كأنه يتنقل بين غرف البيت. لولاهم لما كنت أنا.
تحول الشعور: من شعار إلى يقين
وحين خرجت من القنصلية، كنت أحمل بداخلي شعورًا لم أعرفه من قبل. كنت دائمًا أردد “نموت نموت وتحيا الجزائر”، لكن تلك الجملة لم تعد كافية. شعرت أن الحقيقة أعمق وأكثر وجعًا، وأكثر صدقًا. قلت في داخلي: نموت… نموت… ونفنى… وتبقى الجزائر.
تبقى لأنها أكبر منا، أكبر من حياتنا، من وظائفنا، من شهاداتنا، من أحلامنا الصغيرة. تبقى لأنها تقوم على دم الذين رحلوا، وعلى إخلاص من بقي، وعلى صدق الذين يقفون اليوم في سفاراتها وقنصلياتها يخدمون أبناءها بروح وطنية امتدادًا لمدرسة دبلوماسية شريفة — مدرسة بن يحي، الإبراهيمي، بوقادوم، بن حلي، بن جامع ، عطاف وغيرهم ، مدرسة لها عِرق طيب وأثر لا يمحى.
الخاتمة: عهد ثابت لا يتزعزع
وخرجت يومها وأنا أحمل في صدري يقينًا أثقل من أي وقت مضى: أن فضل الجزائر على أبنائها لا يُقاس، وأن محبتها ليست شعورًا عابرًا بل عهدٌ وثبات. أدركت أن حب الوطن ليس شعارًا نتداوله، بل وفاءٌ لمن صنعوه بالدم، ولمن حافظوا عليه بالصبر، ولمن يحملونه اليوم بصدقٍ في قلبه أينما كان. فهمت أن الجزائر ليست مجرد أرض نعيش عليها، بل هي نعمة كبرى تُلازم أبناءها، وأن الثبات على حبها واجب يشبه الثبات على الشرف، الحرمة والإيمان.