حين تفتح السكةُ أبواب الأفق
لم تكن تندوف يومًا بعيدة عن الوطن، لكنّها كانت بعيدة عن الطّريق…
بعيدة عن ذلك الخيط الحديدي الذي يشدّ المدن إلى بعضها كما تشدّ الذّاكرةُ الإنسانَ إلى طفولته.
كنا هنا، نعيش على إيقاع الصّبر، نؤجّل السّفر، ونحسب المسافات لا بالكيلومترات بل بالتّعب والانتظار.
اليوم، تغيّر شيء عميق… يوم الثلاثاء السّابع والعشرون من يناير 2026
ليس فقط لأنّ القطار سينطلق، بل لأنّ الشّعور بالعزلة بدأ يتراجع خطوة إلى الخلف.
هذا المساء، حين تتحرّك أوّل رحلة من تندوف إلى بشار، وحين يتهادى صفير القاطرة في فضاء الصحراء كنداء قديم عاد ليوقظ الذاكرة، لن يكون الأمر مجرّد انتقال من مدينة إلى أخرى،
بل عبورٌ رمزي من زمنٍ إلى زمن،
من سؤال: متى تصل البضاعة؟
إلى جواب بسيط: إنّها في الطريق.
سنسمع ارتجاف العجلات على السّكة،
كأنّ الأرض نفسها تُجَرِّب نبضًا جديدًا،
وسنرى في نوافذ العربات وجوهًا تجمع بين الدهشة والطمأنينة،
بين فرح البداية وخفّة الرّجاء.
كم من تاجر كان ينتظر شاحنته كما يُنتظر الغائب؟
وكم من مريض كان يؤجّل علاجه لأنّ الطّريق متعب؟
وكم من طالب كان يحلم ببشار والجزائر كما تُحلم المدن البعيدة؟
اليوم، القطار لا يحمل فقط المسافرين، يحمل الطمأنينة…
يحمل فكرة أنّ تندوف ليست في آخر الخريطة، بل في بدايتها من جديد.
السّكك الحديديّة ليست حديدًا فقط، هي فلسفة اتصال،
هي إعلان صامت أنّ التنمية لا تعني الإسمنت وحده، بل تعني أن يشعر المواطن أنّ بلده يصل إليه كما يصل هو إلى بلده.
غارا جبيلات، التي كانت اسمًا في نشرات الأخبار، أصبحت اليوم مسارًا اقتصاديًا،
وحلمًا صناعيًا، وممرًا تعبر منه الثروة لا لتغادر، بل لتصنع دورة حياة جديدة في هذه الأرض.
أمّا نحن، سكان تندوف،
فقد اعتدنا أن نعيش بهدوء الصّحراء واتساعها،
لكنّنا لم نعتد أن نكون قريبين هكذا من الحركة، من السّوق، من الفرص،
قريبين من صوت العجلات وهي تقول: الطّريق مفتوح.
الآن يمكن أن تسافر الفكرة قبل أن يسافر صاحبها،
ويمكن أن يصل المشروع قبل أن نبحث عنه،
ويمكن أن نقول لأولادنا: المستقبل يمرّ من هنا.
ليس القطار معجزة،
لكنّه بداية منطقية لعدالة مجالية طال انتظارها.
هو اعتراف عملي بأنّ الجنوب ليس هامشًا،
بل عمقٌ استراتيجي، وإنساني، وتاريخي.
هذا المساء، حين يطلق القطار صفيره الأوّل،
وحين تختلط في المحطّة ضحكات الوداع بنداءات السّفر،
قد لا نسمعه جميعًا،
لكنّنا سنشعر به…
في السّوق، في المدرسة، في حركة النّاس، وفي لغة الأمل التي ستتسلل إلى أحاديث المقاهي.
لقد انتقلنا من الانتظار إلى القرار،
من الترقب إلى المشاركة،
ومن العزلة الهادئة إلى الانفتاح الواعي.
وهذا، في حد ذاته، رحلة تستحق أن تُكتب…
وتُروى…
وتُحكى للأجيال القادمة كأوّل مرّةٍ شعرت فيها تندوف أنّ الطريق جاء إليها، لا أنّها ذهبت تبحث عنه.
ويبقى لسان الحال يلهج بذكر: الحمد لله ربّ العالمين؛ اللهم لك الحمد دائما أبدا…