اقتصاد
تدوير القارورات وتحويل القمامة إلى كهرباء.. "الشروق" توثّق ابتكارات بلاد "السّاونا":

حين تنتصر فنلندا على “الدخّان الأسود”.. تجربة ملهمة للجزائر!

مبعوثة "الشروق" إلى فنلندا: إيمان كيموش
  • 12555
  • 0
الشروق

هلسنكي بلا مزابل تقريبا.. و95 بالمائة من إنتاج الكهرباء بلا وقود أحفوري
شعب فنلندا يسبق حكومته في حياد الكربون… وعي بيئي يسري في الحمض النووي
عالم المناخ بيتري تالاس لـ”الشروق”: التحوّل إلى الطاقات المتجدّدة خيار إستراتيجي

أن تستيقظ صباحا في أحد فنادق العاصمة هلسنكي، وتجد إشعارا يطلب منك بلطف ألا يُغسل فراشك يوميا حفاظا على الماء، وأن ترى نفايات المنازل تفرز بعناية لتحوّل لاحقا إلى طاقة كهربائية نظيفة، وأن تدخل مصنعا لا يطلق أي دخان، بل يُنتج من القمامة كهرباء، فأعلم أنك في أقصى الشمال، وتحديدا في فنلندا، حيث تصبح حماية البيئة نمط حياة يسري في “دي أن أي” الفنلنديين لا مجرّد شعارات.
في بلد يفوق تعداد سكّانه خمسة ملايين نسمة بقليل، لكنه يملك ما يقارب 250 ألف بحيرة، ويعدّ المساحات الخضراء والغابات كنزا وطنيا تشغل أكثر من 75 بالمائة من المساحة الإجمالية، هناك.. الساونا ليست رفاهية، بل طقس يومي لا يخلو منه أي منزل فنلندي، يقام في البيوت، والفنادق، وحتى في مراكز العمل، أما الشعب الفنلندي، الذي حصد لقب “أسعد شعوب العالم” لثماني سنوات متتالية، فلا يكتفي بالرضا الذاتي، بل يطمح لتقديم أجمل وجه عن بلده، ويعمل أحيانا بوعي جماعي أكثر من حكومته من أجل تحقيق هدف مشترك: “فنلندا بلا كربون بحلول عام 2035”.
وفي شوارع هلسنكي النظيفة، لا وجود لأكوام النفايات ولا لزحمة السيارات، فالدراجات الهوائية تؤجّر بسعر رمزي للرافضين للتلوث “25 يورو لستة أشهر”، أما المركبات، فيطمحون إلى أن تكون غالبيتها كهربائية أو هجينة قريبا، وفي المدارس، يتعلم الأطفال منذ سن مبكرة كيف يحبون الأرض ويحافظون على مواردها، وفي الجامعات يرافقون المبتكرين وتُضخّ ملايين اليوروهات لتمويل الابتكار البيئي.
منذ لحظة وصولك إلى مطار هلسنكي، تدرك أنك دخلت عالما رقميا: لا أوراق، لا طوابير، بل تسجيل إلكتروني وتنقل ذكي، وفي مطاعم المدينة، حيث تقدّم أطباق البطاطا والسلمون كأكلات شعبية شهيرة، لا أحد يترك بقايا طعامه، احتراما للبيئة ولقيمة ما ينتج، أما الماء، فهو أنقى ماء حنفية في العالم، يشرب بثقة من دون حاجة لأي تصفية، ويعدّ مصدر فخر وطني.
في فنلندا، لا حاجة لأن تقول للناس: احموا الأرض.. هم ببساطة يعيشون ذلك، ومن هنا يبرز السؤال المشروع: هل نستطيع في الجزائر التي تمتلك الإمكانات والثروات أن نخوض تجربة مماثلة؟

إعادة تدوير 2.2 مليار قارورة سنويّا


بدعوة من وزارة الخارجية الفنلندية، شاركت “الشروق” ضمن فريق إعلامي دولي يضم 9 صحافيين من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وكانت الوحيدة عن شمال أفريقيا والمنطقة العربية، في رحلة ميدانية لاكتشاف أحدث الابتكارات البيئية هناك، وشملت الزيارة مؤسسات وهيئات متعددة في العاصمة هلسنكي، من بينها مصنع “بالپا”، الرائد في استرجاع عبوّات المشروبات وتدويرها، في تجربة تصنّف من بين الأكثر نجاحا عالميا.
داخل مقر شركة “سوومن بالاوتوسباكاس أوي” أو “بالپا” كما يعرف اختصارا، يكشف تومي فيهافينن، مدير ومنتج خدمات، عن نظام ذكي يعيد الحياة لأكثر من 2.2 مليار عبوة سنويا، من دون حاجة إلى جيوش من الموظفين أو ميزانيات ضخمة، فعدد العاملين في الشركة لا يتجاوز 14 موظفا، بينما تعتمد باقي العمليات على متعاقدين خارجيين ومنصة رقمية متقدمة، تجعل “بالپا” نموذجا فريدا في الكفاءة والاستدامة.
يسترجع هذا النظام البيئي المتطور سنويا نحو 1.5 مليار علبة معدنية، و700 مليون قارورة بلاستيكية، إضافة إلى ملايين الزجاجات، ويحفّز المستهلكون عبر نظام وديعة شفاف يعيد لهم بين 0.10 إلى 0.40 يورو حسب نوع العبوة وحجمها، وبعد الاسترجاع، تفرز العبوات بدقة حسب اللون والنوع، وتغسل وتحوَّل إلى مواد أولية تُستخدم في صناعات جديدة.
نسبة الاسترجاع تتجاوز 97 بالمائة، وهي من الأعلى عالميا، وتصنّف فنلندا ضمن المراتب الثلاث الأولى إلى جانب دول أخرى مثل النرويج، والمثير أن هذه النتائج تُحقق في إطار شركة غير ربحية، تعيد استثمار العائدات في تحسين النظام وتطوير البنية التحتية.
تأسّست “بالبا” سنة 1996، ويبلغ رقم أعمالها نحو 80 مليون يورو، وتشير الإحصاءات إلى أن كل مواطن فنلندي يعيد تدوير ما معدله 420 عبوة سنويا، منها 275 علبة معدنية، و122 قارورة بلاستيكية، و23 زجاجة، ويموّل نظام الاسترجاع أساسا من خلال مبيعات المواد المعاد تدويرها ورسوم يدفعها المنتجون والمستوردون.
في المقابل، تستهلك الجزائر نحو 4 مليارات لتر من المشروبات سنويا، حسب أرقام الجمعية الوطنية للمنتجين، أي كميات ضخمة من العبوات البلاستيكية والمعدنية، غالبا ما ترمى في الطبيعة، رغم خطورتها البيئية، لكن يفترض أن لا تكون مشكلا في المستقبل بل فرصة ينبغي استثمارها باعتباره ثروة جاهزة للاستغلال.
وفي حين تستعين دول مثل ليتوانيا بالنموذج الفنلندي كمصدر إلهام، وتستفسر عنه نيجيريا كمرجع تقني للمستقبل، يبقى الحلم أن تعتمد الجزائر نظاما ذكيا لاسترجاع القارورات، فظروف التطبيق متاحة نسبيا، من ناحية حجم الاستهلاك، ووجود مصانع محلية للتدوير، وتنامي الوعي البيئي.

فنلندا تحوّل القمامة إلى كهرباء نظيفة


لم تكتف فنلندا بالنجاح في تدوير القارورات فحسب، بل تجاوزته إلى تحويل النفايات إلى مصدر للطاقة، وكانت “فانتان إنيرجيا” بمدينة فانتا إحدى أبرز المحطات التي وقفنا عليها، لما تمثّله من نموذج رائد في مجال تحويل القمامة إلى كهرباء، ورغم ما تملكه الجزائر من ثروات هائلة من النفط والغاز، إلا أن تجربة الشركة الفنلندية فتحت أعيننا على حقيقة أن الطاقة لا تأتي من الآبار فقط، بل قد تولد أيضا من أكوام النفايات.
وخلال زيارتنا إلى مقر الشركة في شارع “بيتكاسوونتي 10″، قدّم يوها لوومالا، نائب الرئيس الأول للاتصال، عرضا مفصّلا عن أنشطة “فانتان إنيرجيا”، إحدى أكبر شركات الطاقة الحضرية في فنلندا، وتضم منشآتها في فانتا أكبر مجمّع لتحويل النفايات إلى طاقة في شمال أوروبا، يشمل مصانع متطوّرة.
وتغطي شبكة التدفئة التابعة لها نحو 90 بالمائة من سكان المدينة، بإنتاج حراري بلغ 1695 جيغاواط ساعي عام 2024، منها 6500 ميغاواط ساعي عبر الشبكة الذكية.
أما عدد زبائن الكهرباء، فبلغ 145100، بمعدل انقطاع لا يتجاوز 1.6 دقيقة سنويا لكل زبون، ويعتمد نظام الطاقة في الشركة على مزيج متنوع يشمل، حسب العرض المقدّم، الطاقة المائية بنسبة 39.5 بالمائة والطاقة النووية بنسبة 20.7 بالمائة وطاقة الرياح بنسبة 19.7 بالمائة والنفايات والوقود البديل بنسبة 11.9 بالمائة.
وقد استثمرت الشركة مليار يورو خلال السنوات العشر الماضية، وتخطط لاستثمار 1.4 مليار يورو في السنوات المقبلة ضمن مشاريع مبتكرة، من أبرزها محطة جديدة لفرز النفايات تدخل الخدمة سنة 2028 ومصنع حرق عالي الحرارة بطاقة أربعين ألف طن سنويا وخزان حراري موسمي بسعة تسعين جيغاواط ساعي، وهو الأكبر من نوعه في العالم وبطارية حرارية بسعة سبعمائة ميغاواط ساعي تدخل الخدمة أواخر سنة 2025.
وقد أتيحت للوفد الصّحافي خلال هذه الزيارة فرصة فريدة لمعاينة كيفية تحويل النفايات إلى طاقة نظيفة باستخدام أحدث التقنيات، في مدينة تعدّ من الأرخص من ناحية تكلفة التدفئة على مستوى منطقة هلسنكي الكبرى.

في ريميو.. 600 ألف طن من النفايات تمر عبر الفرز سنويّا


بعد أن أكملنا جولتنا بمنشأة “فانتان إينرجيا”، توجّهنا مباشرة إلى “ريميو” أحد المتعاونين معها، وهي شركة رائدة في إعادة التدوير في فنلندا. استقبلنا الرئيس التنفيذي للشركة، بانو روتاسالو، بعرض شامل ومكثف كشف من خلاله عن تفاصيل المنظومة الذكية التي تعتمدها لتحويل النفايات إلى موارد.
أكثر من 600 ألف طن من القمامة تمر سنويا عبر أذرع الفرز والمعالجة التابعة لشركة “ريميو”، التي تدير 16 موقعا في أنحاء فنلندا وتوظف قرابة 500 موظف، وأكد روتاسالو أن منشأة فانتا، الممتدة على مساحة تصل إلى 4.6 هكتار، تمثل استثمارا قدره 35 مليون يورو، وتعدّ من بين الأكثر تقدّما في أوروبا، بفضل ما تضمّه من تقنيات ذكية قادرة على فرز وإعادة تدوير النفايات بمستوى جودة يلبي متطلبات الصناعات المختلفة.
“الاقتصاد الدائري ليس خيارا بل ضرورة”، يقول روتاسالو، مشيرا إلى أن الاستهلاك المفرط للموارد الطبيعية هو المسؤول عن نصف التغيّر المناخي و90 بالمائة من فقدان التنوع البيولوجي في العالم، وفقا لتقارير دولية، ومع استمرار ارتفاع حرارة الأرض التي تجاوزت في عام 2024 حاجز 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية لأول مرة، ترتفع الحاجة إلى نماذج اقتصادية بديلة، تضمن الاستخدام الأمثل للموارد، وتقلل من النفايات والانبعاثات.
وتعيد “ريميو” تدوير 100 بالمائة من البلاستيك المستخدم في التغليف، وأكثر من 70 بالمائة من نفايات البناء، وتنتج مواد أولية قابلة للاستخدام في صناعات مثل الإسفلت ومواد البناء والمعادن، كما تسعى الشركة إلى خفض بصمتها الكربونية عبر الاعتماد على أسطول من المركبات الكهربائية، كانت أول من أطلقها في قطاع النفايات بفنلندا.
“نحن لا نعيد التدوير فقط، نحن نخلق سلسلة قيمة متكاملة”، يقول روتاسالو بثقة، قبل أن يصحبنا في جولة داخل منشأة الفرز الذكية، حيث تتلاقى التقنية والاستدامة في قلب واحد.

صندوق “سيترا”.. العقل المفكر لفنلندا المستدامة
لكن وراء هذه النماذج التطبيقية الناجحة، تقف رؤية وطنية شاملة يقودها صندوق الابتكار “سيترا” الذي يعدّ العقل المدبّر لتحول فنلندا نحو اقتصاد دائري شامل ومستدام، هذا الأخير طرح خلال زيارتنا رؤى جريئة ومقاربات عملية تخص البيئة.
هذا الصندوق الذي أنشئ عام 1967 بمناسبة الذكرى الخمسين لاستقلال فنلندا، كهدية من البرلمان إلى الدولة، لا يزال إلى اليوم تحت إشرافه، ويجري تمويله بالكامل من عائدات رأسماله، وتتلخص مهمته في “بناء فنلندا ناجحة في المستقبل” عبر تسريع رفاهية الإنسان والنمو الاقتصادي، ولكن ضمن الحدود التي تتيحها قدرة كوكب الأرض على التحمّل.
وطبقا للشّروح التي تلقيناها هناك، فإن فنلندا تواجه ثلاثة تحدّيات بيئية كبرى وهي أزمة المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والاستهلاك المفرط للموارد، وقد سنّت البلاد قانونا جديدا للمناخ عام 2022، ينصّ على الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2035، إلا أن هذا الهدف يصطدم بعدد من العقبات.
ورغم أن الكهرباء الفنلندية باتت تقريبا خالية من الوقود الأحفوري، إلا أن انبعاثات بعض القطاعات لا تزال مرتفعة، كما تدهورت قدرة الغابات الفنلندية على امتصاص الكربون بسبب عوامل منها زيادة الحصاد، ووقف الواردات من روسيا، وضعف نمو الغابات.
وفي هذا السياق، تعوّل فنلندا على مشاريع التقاط الكربون الحيوي، إذ يُدرس هناك 19 مشروعا تجريبيا حاليا، لكن تبقى معضلة التمويل مطروحة، إذ لم يحسم بعد في تحديد الجهة التي ستتحمّل التكلفة، مع ترقب أن يؤدّي الاتحاد الأوروبي دورا محوريا.
ورغم التحدّيات، لا يوجد أي تراجع في هدف الحياد الكربوني لعام 2035، ففنلندا تعدّه ضروريا لتعزيز مصداقية البلاد كدولة رائدة في الشأن البيئي، أما الرقم الأهم، الذي تلقيناه خلال العرض، فكان نحو 300 مليار يورو من الاستثمارات المخططة للانتقال الأخضر في فنلندا.
وقال إطارات “سيترا”، أن نصف المواطن الطبيعية في فنلندا مهدّدة اليوم، ويعود تدهورها إلى الاستهلاك المكثف للموارد، والتغيّر المناخي، والتلوّث، ويؤمن هؤلاء بأن التحوّل إلى اقتصاد دائري هو جزء أساسي من الحل، كما يركّزون على الوعي الفردي والمجتمعي، داعين إلى تقليل استهلاك البلاستيك، ودعم المنتجات المستدامة، والمشاركة السياسية، والضغط الشعبي من أجل تغييرات حقيقية.

جامعة “آلتو” ..أفكارٌ تغيّر العالم


في قلب جامعة “آلتو” الفنلندية، ينبض مركز الشركات الناشئة كخلية نحل لا تهدأ، إذ تتحول الأفكار إلى نماذج أولية، والمشاريع إلى قصص نجاح، ولم يكن من الصعب أن نلتقط نبض هذا المكان منذ اللحظة الأولى لزيارتنا، فهنا تتلاقى البحوث العلمية مع تحدّيات الأسواق الدولية.
هذا المركز، الذي يعمل كمسرّع أعمال هجين، يعدّ من أبرز واجهات الجامعة وأكثرها ديناميكية، إذ يقود عددا من برامج الحاضنات والمسرّعات الدولية، موجّهة خصيصا لتحويل البحوث الجامعية إلى شركات ناشئة قابلة للنمو، بل وقادرة على منافسة كبريات الشركات في ميادين الذكاء الصناعي، والمناخ، والتكنولوجيا العميقة.
ووفق ما أفادتنا به رئيسة المركز، ماريكا كابالا، فإن عام 2025 يشهد احتضان المركز لنحو 70 شركة ناشئة ضمن برامجه المختلفة، مدعومة بخبرة تراكمية وضعته ضمن المراتب الثلاث الأولى عالميا حسب مؤشر UBI لأفضل مسرّعات الأعمال الجامعية، وذلك لثلاث سنوات متتالية: 2021، و2022، و2023.
وكانت المفاجأة الأكبر أن نحو 80 بالمائة من أصل 800 شركة تخرّجت من برامجه ما تزال تنشط حتى اليوم، بإجمالي رقم أعمال بلغ 630 مليون يورو، في دلالة قوية على فعالية هذا النظام في تحويل الفكرة إلى شركة ناجحة.
لكن ما يميز مركز جامعة “آلتو” لا يقتصر على الأرقام، بل مقاربته الشاملة والدقيقة لمراحل تطور الشركات، فمن مرحلة “ما قبل التأسيس”، مرورا بتشكيل الفريق وتطوير النموذج الأولي، وصولا إلى دخول السوق والتوسّع دوليا، يقدّم المركز سلسلة متكاملة من البرامج، على رأسها برنامج ما قبل الحاضنة للمشاريع البحثية، والبرنامج المفتوح، والمسرّع الرئيسي “مولد الأعمال”.
وعند الحديث عن نجاحات المركز، لا يمكن تجاهل الأسماء التي لمع نجمها في عالم التكنولوجيا، على غرار روفيو، وفوتوريس، وكوفا سبيس، ودوونيتوري، وكاناتو، وإلميري، وإلفيس… وهي شركات خرجت من عباءة الجامعة لتترك بصمتها في مجالات معقدة كالرؤية الطيفية لإدارة التغيّر المناخي، والنانوكربون المستدام، وإعادة التدوير الذكي، وحساسات الضوء فائقة الحساسية.
خذ مثلا شركة “كاناتو” التي أسّست عام 2004، بإيرادات بلغت 8.4 مليون يورو وتمويل ضخم قدره 74 مليون يورو، أو كوفا سبيس، الرائدة في تكنولوجيا الفضاء، التي جمعت تمويلا بـ16.6 مليون يورو، أما إلميري، الأحدث سنا، فأسّست عام 2022 وبدأت مشوارها بإيرادات متواضعة بلغت 93 ألف يورو، لكن برؤية واعدة في استعادة المعادن.
في النهاية، إذا كانت فنلندا قد انتصرت بجامعة ألتو، فإن الجزائر الجديدة تسير على النهج ذاته، إذ بدأت تفعيل رؤية تجعل من كل جامعة حاضنة للمشاريع ومركزا للابتكار.

الفنلنديّون والغابات…أي علاقة؟


في أعماق منطقة “إيسبو”، وهي ثاني أكبر بلدية بفنلندا، وعلى مقربة من أحضان الغابات المترامية، يقع “هالتيا” المركز الوطني للطبيعة الذي لا يكتفي بعرض روعة الغابات الفنلندية، بل يفتح أيضا نافذة تربوية فريدة على العلاقة العميقة التي تربط الإنسان بهذه الطبيعة الساحرة.
في إحدى الجولات التي نظَّمها المركز، أخذنا أحد المرشدين في رحلة تعليمية غنية، ليس فقط لاستكشاف المعرض، بل أيضا للسفر عبر الزمن، قال وهو يبتسم: “دعوني آخذكم في جولة قصيرة عبر الزمن، كي تفهموا كيف وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، لن نعود كثيرا.. فقط عشرة آلاف سنة إلى الوراء”.
هكذا بدأ السرد: “في نهاية العصر الجليدي الأخير، بدأت الحياة تدب من جديد على هذه الأراضي، ومع ذوبان الجليد، بدأ الإنسان في استيطان المكان، وكان أول الواصلين مجموعة من الصيادين وجامعي الثمار الذين عاشوا في أحضان الغابة، واستمدّوا منها كل ما يحتاجون إليه من الطعام والمأوى إلى الدفء والأمان”.
ومنذ ذلك الحين، نشأت علاقة فريدة ومقدّسة بين الفنلنديين وغاباتهم، علاقة لم تنفصم رغم مرور آلاف السنين، اليوم تغطي الغابات نحو 75 بالمائة من أراضي فنلندا، وهو ما يجعلها واحدة من أكثر الدول خضرة في العالم، لكن اللافت في الأمر ليس فقط الامتداد الجغرافي، بل المحبة الكبيرة التي يُكنُّها الفنلنديون لغاباتهم، إنها ليست مجرد بيئة طبيعية بالنسبة لهم، بل هي جزءٌ من هويتهم، ومصدر إلهام، وسكينة، وتجدّد روحي.
في هذا السياق، تعلّمنا عن إحدى الطرق الذكية والمستدامة التي يعتمدها الفنلنديون للحفاظ على التنوع البيئي في غاباتهم، وهي تقنية تعرف بـ”الحرق الموجّه”، إذ تحرق مساحات صغيرة من الغابة تحت إشراف علمي دقيق ومدروس، لتحفيز نمو نباتات جديدة، وتجديد التربة، وإحياء الأنظمة البيئية، هذه العملية التي قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، تعبّر عن وعي بيئي عميق، إذ لا تُترك الأمور للصدفة، بل تُدار وفق منهج علمي يراعي كل التفاصيل.
كانت زيارة “هالتيا” أكثر من مجرد نزهة، بل درسا في الفلسفة الفنلندية نحو الطبيعة، أما الفنلنديون فقد أبدوا إعجابا كبيرا بالجهود التي تبذلها الجزائر لحماية غاباتها، خاصة القانون الجديد الصارم الذي يفرض عقوبات تصل السجن المؤبد بحق من يثبت تورُّطه في إشعال حرائق الغابات.

مكتبة تربّي الأجيال على حب الأرض


زيارتنا إلى العاصمة الفنلندية هلسنكي لم تستثن واحدة من أبرز معالمها الثقافية والبيئية في آن واحد: “مكتبة أودي” الشهيرة، الواقعة مباشرة مقابل مبنى البرلمان، والتي لا تعدّ مجرد مكتبة بالمعنى التقليدي، بل فضاء حيّا نابضا يجمع بين المعرفة، والفن، والابتكار.
في شروح مقدّمة للوفد الإعلامي، أوضحت هايدي جوهانسون، مديرة الاتصال، أن هذا الصرح يعتمد أنماطا محافظة على البيئة، ويجسّد فعليا مفاهيم الاقتصاد الدائري، تقول هايدي: “هنا يمكن للناس استعارة كل شيء تقريبا، من الكتب والأفلام، إلى الأدوات التقنية، ومعدّات الرياضة، بل وحتى بطاقة مرور لحضور الحفلات الموسيقية أو استخدام القوارب صيفا، كل ذلك باستخدام بطاقة مكتبة مجانية”.
ولا يقتصر دور “أودي” على الإعارة فقط، بل تنظم أنشطة متنوعة داخل فضاءاتها الثلاثة، المشيّدة من الخشب والزجاج بشكل متموّج، وأضافت هايدي: “أردنا إنشاء ثلاثة فضاءات مختلفة، الأولى امتداد لساحة المواطن، والثانية ورشة حضرية مفتوحة لكل من يرغب في الإبداع أو تنفيذ فكرة، أما الثالثة، فهي جنة الكتب، وهناك فقط يشعر الزائر وكأنه داخل مكتبة تقليدية”.
وتبرز هذه المكتبة كأنموذج فريد يجسّد الوعي البيئي في فنلندا، تقول هايدي: “أن نمتلك معا، ونشارك الموارد بدل شرائها، فهذا مهمّ جدا من أجل المناخ”، مشيرة إلى قسم خاص بالكتب المتعلقة بالغابات وتغير المناخ، متاح للقراء والمهتمّين.
تجربة أودي في هلسنكي تبرز كيف يمكن للمكتبة أن تكون أكثر من مجرد رفوف كتب، بل مساحة مجتمعية، وبيئية، وإبداعية، وأحيانا مفاجئة، فقد كان من المخطط، كما كشفت هايدي مازحة، أن تحتوي على ساونا، لكن المشروع ألغي في اللحظات الأخيرة.

2035… فنلندا إقليم بلا كربون

وفي ختام الجولة الإعلامية، التقينا وزيرة البيئة والمناخ الفنلندية ساري مولتالا، التي صرّحت أن فنلندا إلى جانب الاتحاد الأوروبي، تقودان جهودا كبرى في العمل المناخي، لاسيما فيما يتعلق بنظام تداول الانبعاثات، الذي وصفته بـ”قصة نجاح”، وأوضحت أن 95 بالمائة من إنتاج الكهرباء في فنلندا بات خاليا من الوقود الأحفوري.
وشدّدت الوزيرة على أهمية الحفاظ على وضوح الأهداف على المستويين الوطني والأوروبي، لِما يوفّره ذلك من استقرار وثقة تمكّن الشركات الفنلندية من الاستثمار في التقنيات الحديثة، وقالت إن هذه الجهود لا تصبّ فقط في مصلحة البيئة والمناخ، بل تعود بالنفع أيضا على الاقتصاد الفنلندي، مشيرة إلى أن شركات بلادها الرائدة قادرة على تحويل الحلول المناخية إلى منتجات ذات قيمة مضافة، مؤكدة أن فنلندا ملتزمة بقانون المناخ، وتعدّ الطاقة النظيفة أبرز محاوره.
كما تحدّثت عن حزمة القرارات الحكومية الداعمة لهذا التوجّه، أبرزها الإعفاءات الضريبية للاستثمارات الصناعية الكبرى، وزيادة التمويل العامّ في البحث والتطوير، بالإضافة إلى حوافز ضريبية خاصة بمصروفات البحث.
واستعرضت الوزيرة تطوّر مؤشرات الانبعاثات في البلاد، موضحة أن الانخفاض المستمر في نسب الانبعاثات مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي يعكس فعالية السياسات المتّبعة، لكنها نبّهت إلى أن الوصول إلى “صفر انبعاثات” بحلول 2035 يتطلب الاعتماد على آليات امتصاص الكربون، سواء الطبيعية كالغابات، أو التكنولوجية.
وأبرزت مولتالا توجّه بلادها نحو الاستثمار في هذه التقنيات، مؤكدة أنها ضرورية وستفتح مجالات صناعية جديدة، منها إنتاج الهيدروجين وتطوير مواد مبتكرة. وفي حديثها عن الطاقة النووية، أوضحت أن فنلندا طالما اعتمدت عليها كجزء أساسي من مزيج الطاقة، إذ تشكّل نحو 40 بالمائة من إنتاج الكهرباء، وتعدّ خيارا إستراتيجيا للبلاد، خاصة في ظل قسوة الشتاء، وكشفت عن مراجعة جارية للتشريعات النووية، بهدف تسهيل بناء مفاعلات نووية صغيرة، وتبسيط إجراءات التصاريح، مشيرة إلى أن نحو 70 بالمائة من الفنلنديين يؤيدون الطاقة النووية، بمن فيهم مؤيدو حزب “الخضر”.
واختتمت تصريحها بالتأكيد أنّ الحكومة تعمل حاليا على استكمال إستراتيجية الطاقة والمناخ، بحلول الصيف المقبل.

برنامج عمل مع الجزائر لمواجهة التغيّر المناخي
على عكس فنلندا، تقع الجزائر في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، ضمن منطقة تطل على البحر المتوسط، ورغم أهمية هذا الموقع، إلا أنه يصنّف ضمن المناطق المعرّضة بشدة للكوارث الطبيعية، ما يفرض على دوله اعتماد أنظمة يقظة صارمة، هذا ما أكّده عالم الأرصاد الجوية الفنلندي بيتري تالاس، مشيرا إلى أن الجزائر تبذل جهودا في هذا الاتجاه، في إطار تعاون قائم مع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
ويعدّ تالاس من أبرز الشخصيات في مجال علوم المناخ، إذ شغل منصب الأمين العامّ للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية من جانفي 2016 إلى ديسمبر 2023، وقاد إصلاحات هيكلية كبيرة، وعمل على تعزيز التعاون الدولي في مجالات الطقس والمناخ والمياه، وساهم في إطلاق مبادرات محورية، أبرزها مبادرة “الإنذارات المبكّرة للجميع” بالتعاون مع الأمم المتحدة.
وبعد انتهاء ولايته، عاد البروفيسور تالاس في جانفي 2024 لتولي منصب المدير العامّ للمعهد الفنلندي للأرصاد الجوية، وهو المنصب الذي سبق وأن شغله في فترتين سابقتين.
وفي تصريح خصّ به “الشروق”، كشف تالاس عن إعداد برنامج عمل مشترك مع الجزائر ضمن عمله في المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، يهدف إلى دعم أنظمة الإنذار المبكر في البلاد وتعزيزها، وأكد أن موقع الجزائر في منطقة البحر المتوسط يجعلها، إلى جانب دول الجوار، معرّضة بشكل متزايد للمخاطر المناخية، ما يستدعي تطوير أنظمة يقظة واستشعار مبكّرة قادرة على رصد التهديدات المحتملة قبل وقوعها.
كما أشار تالاس إلى أن من بين أبرز الحلول التي يمكن أن تعتمدها الجزائر، وهي دولة نفطية، في سبيل حماية البيئة ومواجهة التغيّرات المناخية، التوجّه التدريجي نحو استخدام الطاقات النظيفة، واعتبر أن الاستثمار في إنتاج الكهرباء من مصادر متجدّدة مثل الطاقة الشمسية والرياح يعدّ خيارا إستراتيجيا يستحق التشجيع.
أسبوع واحد في هذا البلد النظيف كان كفيلا برسم ملامح “جزائر خضراء” نحلم بها جميعا، فالبيئة في هلسنكي ليست ملفا وزاريا يتناقل، بل هي واقع ناضج يمكن أن يُلهم الجزائر، التي بدأت مؤخرا خطوات جادة عبر وزارة البيئة وجودة الحياة ومبادرات رواد الأعمال، ومن قلب هذه التجربة المتقدّمة ينبثق سؤال جوهري: ماذا لو بدأنا في الجزائر من حيّ واحد فقط، ومن مدرسة واحدة، ومن بيت واحد، نغرس فيه قناعة أن البيئة ليست ترفا، بل ضرورة للحياة؟

مقالات ذات صلة