حين صدّرت الجزائر خبرتها النفطية إلى أبو ظبي.. قصة الرجل الذي تناسته الإمارات
ساهم المهندس الجزائري محمود حمرا كروها في وضع اللبنات الأولى لصناعة النفط في أبو ظبي، قبل أن يتحول اسمه إلى صفحة شبه منسية في الذاكرة الرسمية الإماراتية. فمن هو هذا الاقتصادي الجزائري الذي ارتبط بمرحلة تأسيس قطاع المحروقات في الإمارة؟ غير أن قصة حمرا كروها لا تتوقف عند هذا الدور، بل تفتح أيضًا ملف نكران الجميل وتجاهل إسهام الكفاءات الجزائرية، في وقت تمضي فيه الإمارات، في مواقف غذّت التوتر والفتن في المنطقة، ولا سيما تجاه الجزائر.
واليوم، تبدو المفارقة أكثر حدة، بعدما انتقلت العلاقات الجزائرية الإماراتية إلى القطيعة الدبلوماسية، إذ أعلنت الجزائر في 10 سبتمبر 2026 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، مؤكدة أنها استنفدت كل السبل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية، ومشيرة إلى ما وصفته بـ”التصرفات الاستفزازية والعدائية” من جانب أبو ظبي.
وهكذا، يصبح السؤال أكثر إثارة: كيف انتقلت العلاقة من إرسال الخبرات الجزائرية للمساهمة في بناء صناعة النفط الإماراتية إلى قطيعة سياسية كاملة بين البلدين؟
وُلد محمود حمرا كروها عام 1938 في أولاد عطية بولاية سكيكدة، وكان في الحادية والثلاثين من عمره عندما ارتبط اسمه بمهمة اقتصادية في أبو ظبي عام 1969. وكان يشغل آنذاك منصب مدير مركزي للتخطيط في سوناطراك، كما كان حائزًا دكتوراه في الاقتصاد من جامعة السوربون.
واختار الرئيس الراحل هواري بومدين كروها ضمن فريق من الخبراء الجزائريين الذين توجهوا إلى أبو ظبي، استجابةً لطلب من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في مرحلة كانت فيها الدولة الإماراتية الفتية تسعى إلى بناء هياكلها الاقتصادية والاستفادة من خبرات عربية راكمت تجربة مبكرة في إدارة قطاع المحروقات.
لم تكن المهمة، مجرد استشارة عابرة. فقد ارتبطت بإرساء هياكل إدارية وتنظيمية، والمساهمة في المفاوضات مع الشركات الأجنبية، ووضع أسس الإدارة النفطية وتكوين الكفاءات المحلية، في وقت كانت فيه أبوظبي تخطو خطواتها الأولى نحو بناء صناعة نفطية وطنية قادرة على إدارة ثرواتها الهائلة.
ومن هذه البيئة برزت لاحقًا شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك”، التي أصبحت مع مرور السنوات إحدى أهم شركات الطاقة في العالم ورافعة أساسية للاقتصاد الإماراتي.
لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها ليست في نجاح أدنوك بحد ذاته، وإنما في السؤال الذي بقي بلا إجابة واضحة: أين ذهب اسم الرجل الجزائري الذي حمل إلى أبو ظبي جزءًا من خبرة الجزائر النفطية؟
فبينما تحولت أدنوك إلى إمبراطورية نفطية عالمية، وباتت الإمارات تستخدم قوتها النفطية والمالية لبناء نفوذ اقتصادي وسياسي واسع، بقي اسم حمرا كروها شبه غائب عن المشهد، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول طريقة كتابة التاريخ الاقتصادي العربي، ومن يُكرّم فيه ومن يُنسى.
ومن منظور اقتصادي، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور الهواري تيغرسي، أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة الجزائر، أن قصة حمرا كروها يمكن قراءتها من زاوية تتجاوز مسألة تصدير المحروقات، لتكشف أن الجزائر صدّرت في مرحلة من تاريخها المعرفة والخبرة والكوادر التي ساهمت في بناء صناعات عربية.
ويعتبر تيغرسي أن القصة، بصرف النظر عن تفاصيل التوثيق التاريخي التي تحتاج إلى أرشفة دقيقة، تذكّر بأن أكبر ثروة جزائرية ليست النفط والغاز وحدهما، وإنما رأس المال البشري المتراكم منذ الاستقلال. ويشير إلى أن الخبرة التي بنتها الجزائر في تسيير المحروقات، عبر سوناطراك ومدارسها الهندسية والاقتصادية، كانت في مرحلة معينة محل طلب من دول كانت لا تزال في بدايات بناء مؤسساتها النفطية.
ويضع الخبير الاقتصادي الدرس الأهم في ضرورة انتقال الجزائر من تصدير الخبرة الفردية إلى تصدير المنظومات والخدمات والمعرفة، بحيث لا تبقى الكفاءة الجزائرية مجرد مهندس أو خبير يعمل في الخارج، وإنما تتحول إلى شركات استشارية وهندسية وتكنولوجية جزائرية قادرة على المنافسة في إفريقيا والعالم العربي، وبيع المعرفة كما تُباع المنتجات الطاقوية والصناعية.
وبالنسبة إلى تيغرسي، فإن التعامل مع قصة حمرا كروها من الجانب الاقتصادي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد معركة في الذاكرة أو رد فعل سياسي، إذ تكمن القوة الحقيقية للجزائر في استعادة الثقة بكفاءاتها، وتوثيق مساهماتها، وتحويل تاريخها الصناعي والنفطي إلى رصيد اقتصادي قابل للتسويق.
ويرى أن الرسالة الجزائرية اليوم يمكن أن تكون واضحة: من ساهم في بناء تجارب الآخرين قادر على بناء تجربة اقتصادية أقوى لبلده، شرط أن تتحول الكفاءة الجزائرية من طاقة بشرية تبحث عن الفرصة إلى قوة إنتاج واستثمار وتصدير للمعرفة.
ويخلص تيغرسي إلى أن أفضل رد اقتصادي على أي تجاهل لدور الجزائريين ليس البكاء على الماضي، بل صناعة نجاحات جزائرية جديدة لا يستطيع أحد تجاهلها.
تزداد هذه المفارقة إثارة في ضوء التطورات الأخيرة بين الجزائر والإمارات. فالبلدان اللذان جمعتهما في مرحلة سابقة علاقات تعاون وخبرات متبادلة، وصلا اليوم إلى مرحلة أعلنت فيها الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع أبو ظبي، بعد سنوات من تصاعد الخلافات بشأن ملفات إقليمية وسياسات إماراتية تعتبرها الجزائر مرفوضة.
وفي بيانها، قالت الخارجية الجزائرية إن الإمارات واصلت، رغم التحذيرات، ما وصفته بتصرفات “استفزازية وعدائية” بلغت حدًا لم يعد معه استمرار العلاقات مقبولًا، مؤكدة أن الحكومة الجزائرية استنفدت جميع السبل للحفاظ على العلاقات الثنائية.
ولم تأت القطيعة من فراغ، إذ تراكمت خلال السنوات الأخيرة خلافات بين البلدين حول عدد من الملفات الإقليمية والتطبيع مع الكيان الصهيوني، والتطورات في منطقة الساحل، فضلًا عن التدخل في الشؤون الداخلية الجزائرية وخلق الفتن.
كما لعبت الإمارات أدوار إقليمية ساهمت في توسيع الانقسامات داخل العالم العربي، من خلال دعم أطراف مختلفة في أزمات وصراعات عربية، وهو ما جعل الإمارات في مرمى انتقادات متزايدة بشأن طبيعة نفوذها الإقليمي وورود اسمها ضمن كل ما هو مشتت ومفرق للوحدة العربية.
لكن بالنسبة إلى الجزائر، فإن القضية لا تتعلق فقط بخلاف عابر في وجهات النظر، بل بما تعتبره تدخلًا في قضايا تمس أمنها ومصالحها الاستراتيجية، وهو ما ساهم في دفع العلاقات بين البلدين نحو القطيعة.
هنا تبرز المفارقة الكبرى: جزائر الستينيات والسبعينيات كانت ترسل خبراتها إلى دولة خليجية ناشئة للمساعدة في بناء مؤسساتها النفطية، بينما أصبحت الإمارات، بعد عقود، تساهم في خلق الفتن والانقسامات لنفس البلد الذي أمد لها يد العون.
ومن هذه الزاوية، لا تعود قصة محمود حمرا كروها مجرد سيرة رجل اقتصاد جزائري، بل تتحول إلى سؤال عن الذاكرة والاعتراف وتوزيع الأدوار في التاريخ الاقتصادي العربي.
لكن المفارقة تبقى قائمة: رجل جزائري حمل خبرة بلاده إلى أبو ظبي في مرحلة بناء الدولة النفطية، والمؤسسة التي ارتبط اسمه بمرحلة تأسيسها أصبحت لاحقًا إحدى أقوى المؤسسات الاقتصادية في الإمارات، بينما اختفى اسم الرجل تقريبًا من الذاكرة العامة.
واليوم، بعد القطيعة الدبلوماسية بين الجزائر والإمارات، يكتسب السؤال بعدًا سياسيًا أكثر حدة: كيف يُكتب التاريخ عندما تتغير التحالفات، وتتبدل المصالح، وتصبح الدولة التي ساهم خبراؤها في بناء تجربة اقتصادية عربية في مواجهة سياسية مع تلك الدولة نفسها؟
إنها قصة لا تتعلق بالنفط وحده، بل بمن يملك حق كتابة الذاكرة، ومن يُخلّد اسمه عندما تنجح المؤسسات، ومن يُترك خارج الصورة عندما تُكتب رواية النجاح.