… حين يغيب العدو… يهتز العالم!
يأخذنا الحديث عن الأعداء إلى وهم التّمني بزوال النعمة عنهم، ويظهر ذلك جليا في خطابات الدعاء وآهات الألم، ونعمل على المستوى العملي في كل مجالات الحياة، بجد، من أجل إنهاء كينونتهم، أو على الأقل محاولة إبعادهم، دون أن ندرك نعمة وجودهم في حياتنا، أو نعرف أهمية وجودنا سويّا ضمن إحدى العمليات الاجتماعية (التعاون، التنافس، الصراع) التي يعرفها طلبة وأساتذة علم الاجتماع نظريا، ويطبقها كل البشر حسب التداعيات والظروف.
-
الفكرة السابقة ما كنت أدركها لولا التحليلات السياسية والاقتصادية التي عمل أصحابها من أجل توصيف الأزمة الحالية، والتي تهدّد مصير العالمين الرأسمالي والمتخلف معا، كما تهدّد ما بقي من أنظمة اشتراكية متوارية أو تعلن عن قناعاتها عن استحياء، وأيضا ما كنت لأعرفها من ناحية الجدوى والأهمية لولا قراءتي لمقال للكاتب والمحلل السياسي الأمريكي »ويليام فاف«، الذي نشر في جريدة »الاتحاد« الإماراتية بترتيب خاص مع خدمة »تريبيون ميديا سيرفيس«.
-
ركز وليام فاف في مقاله على أهمية وجود العدو، ليس على مستوى الأفراد، إنما على مستوى الأمم… من منظور أراه أقرب إلى الفلسفة الوجودية، التي تجاوزتها المدارس الفلسفية في مرحلتي الحداثة وما بعدها، وإن كانت لاتزال نظريتها قائمة، من ذلك مقولة الفيلسوف الفرنسي »جون بول سارتر«، »أن الآخرين جحيم، لكن من خلال الآخرين أرى نفسي«، وهي هنا تعبّر عن اجتهادات البشر في تجاربهم البعيدة عن علاقتهم بالسماء، والتي تختلف مع الحكمة الربانية الواردة في الحديث النبوي، الذي أكّد على الأخوّة وليس العداوة، في معناه العميق القائل: »المؤمن أخو المؤمن ومرآته«.
-
حتى لا نذهب بعيدا في التحليل، وتغرينا المعلومات، ثم تشغلنا عن الهدف من هذا المقال، أو تحكمنا حلاوة الإيمان وشهوات المعرفة والمدنية، لنعد إلى الفكرة الأساسية في مقال الكاتب »فاف«، وهي هنا مقتطعة من مقال يتحدث عن »البنتاغون«، إذ يقول: »تنبأ عالم الفيزياء النووية، ليو زيلارد، ذات مرة بأن يؤدي سقوط النظام السوفييتي في نهاية المطاف إلى سقوط النظام الأميركي، وقال: إن العلاقة في نظام يقوم على مكوّنين تكون من الترابط بحيث لا يستطيع الواحد العيش والاستمرار بدون الآخر« العداوة ـ الترابط، العلاقة، المكوّنان ـ التي يتحدث عنها الكتاب تمثل ضرورة حياتية وحضارية، تظهر في أفعال الدول وعلاقاتها، وهي ذات طابع مستقبلي، لنتابع ذلك مع الكاتب فاف مرّة أخرى في قوله »وإذ أعترف بأنني لست في موقع يسمح لي بشرح وتفسير الأساس المنطقي لوجهة نظر زيلارد، إلا أننا نرى النتيجة اليوم في النظام المالي، وفي الحروب. وأعتقد أن زيلارد كان يلمح إلى ما كشفه أيضاً خصم ذكي جداً للولايات المتحدة حين وضعت الحرب الباردة أوزارها، وهو جورجي آرباتوف، الرئيس السابق لمعهد الولايات المتحدة وكندا في الاتحاد السوفييتي، حين قال لمخاطبه الأميركي: »نحن على وشك القيام بشيء خطير حقاً ضدكم، إننا سنحرمكم من عدوكم«!
-
لقد أقدم مكرها الاتحاد السوفيتي من خلال »بروسترويكا« التي طرحها الرئيس ميخائيل جورباتشوف على القيام بأمر خطير أثّر على العالم كلّه، من نتائجه السلبية علينا في العالم الإسلامي، مواجهة مباشرة مع العدو دون دعم ولا قوّة، ودفع الثروات والأعمار والدول ثمنا لذلك، منّا من فقد بتراجعه الصديق، ولن يتمكّن بعودة روسيا اليوم فاعلة على السّاحة الدّولية من تحقيق الدّعم الذي كان قبل السقوط، ولكن الأكثرية فقدت العدو وسارت على نهج الغرب والولايات المتّحدة الأمريكية ـ وستجد نفسها في المستقبل المنظور في أزمة، حتى لو عادت أمريكا إلى سابق عهدها.
-
على العموم، العالم كلّ يحتاج إلى وجود العدو، مثلما يوجد الشيطان في حياة المؤمنين، لأن وجوده يعني النقيض وغيابه يعبّد الطريق لسيطرة القوة، التي تأتي من جميع المسببات، خصوصا الغنى والثروة، كما تكون بسبب السلطة والحكم، لذلك علينا في الوطن العربي، وفي الجزائر خصوصا، أن ندافع على استمرارية دور المعارضة ونرفض تحوّلها إلى عميلة للخارج تهّدد الأوطان، كما نرفض أن تعود على ظهر دباباته وعلى جماجم أهل البلاد، أو تصبح هي ونظام الحكم واحدا، فتترك كتاب الله لتدافع عن برنامج الحاكم، مهما كانت أهمية الذي يطرحه، لأنها لا تبتغي إلى ذي الأخوة سبيلا، وإنما توظّف دعمها للحاكم من أجل عداوة أغلبية المواطنين، بما ذلك المنضمون فيها.
-
لا شك أن الحكمة ضالة المؤمن، وهي أكثر وضوحا في هذه الفقرة من مقال وليام فاف السابق، التي نختتم بها هذا المقال، والعاشقون للحقيقة يعرفون معناها، أما الراسخون في العلم والحكمة والسياسة فإنهم يطبقونها، ليساهموا من خلالها في صناعة التاريخ، إذ يقول »فبدون العدو، تبدأ آلة القوة في الاشتغال بدون أن تجد شيئاً يقاومها، فيحل جنون العظمة ويستحكم فيها. ثم إن نهاية الحرب الباردة تزامنت مع بداية النظام المالي المعولم في الولايات المتحدة في عهد إدارة كلينتون، والذي تميز بمقامرات ومجازفات أكبر وأكثر جرأة حلت فيها نفسية الجشع والإفراط محل قيود وتوترات الحرب الباردة.
-
وهكذا، يمكن تفسير الأزمة الاقتصادية التي ضربت الولايات المتحدة باعتبارها النتيجة المنطقية لنظام مالي وصل إلى نقطة حيث لم يعد يوجد حد لما يمكن أن تجنيه منه حتى حين كنت غير قادر على فهم الصفقات التي تعقدها. أعتقد أن ما كان يقصده ليو زيلارد، هو أن نظاماً ما حين يتخلص من المعارضة التي تحافظ عليه صادقاً ونزيهاً، يتحول إلى غرور واعتداد بالنفس، يُعرف أيضاً بالإفراط غير العقلاني في الحماس؛ ولكن بعد الغرور يأتي السقوط«.