الجزائر
علاج يتحول إلى معاناة إضافية

عيادات خاصة بلا تكييف ومراحيض مغلقة… ومرضى يشتكون

الشروق أونلاين
  • 170
  • 0
ح.م
تعبيرية

لا تنتهي معاناة المريض دائما عند باب عيادة الطبيب، فبعض المرضى يجدون أنفسهم أمام معاناة أخرى تبدأ بمجرد الجلوس في قاعة الانتظار، خاصة خلال فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، لاسيما كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والتنفسية، والذين يعاني بعضهم من غياب أجهزة التكييف في عدد من العيادات الخاصة، رغم أنهم يقصدونها بحثا عن العلاج والراحة، ليجدوا أنفسهم في مواجهة الحرارة والاختناق وطول الانتظار.
وتزداد المفارقة غرابة، عندما يكون مكتب الطبيب مجهزا بمكيف هوائي، بينما تظل قاعة الانتظار التي يجلس فيها المرضى لساعات محرومة من أبسط وسائل التبريد. وبينما يحظى الطبيب بفضاء مريح ومكيف، يضطر المرضى إلى تحمل الحر، رغم أن توفير أساسيات إنشاء العيادات الطبية مثل التكييف، هو جزء من ظروف استقبال المريض.

مريض تنفسي ينتظر العلاج وسط الحرارة
ومن أكثر الحالات إثارة للاستغراب، شكاوى مرضى من غياب التكييف حتى في عيادات متخصصة في علاج الأمراض التنفسية، وهي الفئة التي قد تكون أكثر حاجة إلى ظروف جوية مناسبة وتهوية جيدة. فكيف يمكن لمريض يعاني ضيق التنفس أو الربو أو غيرهما من الأمراض التنفسية أن ينتظر في مكان حار ومكتظ، خصوصا إذا طال موعد الانتظار؟
ولا يتعلق الأمر دائما بالترف أو البحث عن رفاهية زائدة، فالمريض الذي يدفع مقابل الاستشارة أو الفحص من حقه أن يجد الحد الأدنى من ظروف الاستقبال اللائقة، خاصة عندما يكون كبيرا في السن أو طفلا أو يعاني مرضا مزمنا يجعله أكثر تأثرا بالحرارة والإجهاد.
ويفرض التنظيم المتعلق بالمؤسسات الصحية الخاصة احترام قواعد النظافة والسلامة، كما يشترط أن تستجيب هذه المؤسسات للمعايير المتعلقة بالبنية التحتية والتجهيزات وظروف العمل. ورغم أن المؤسسات والهياكل الصحية الخاصة، تخضع للرقابة والتقييم من طرف المصالح والهيئات المختصة التابعة لوزارة الصحة، وفقا لقانون الصحة، ولكن بعضها قد يفلت من الرقابة.

ومراحيض مغلقة…
ولا تتوقف شكاوى المرضى عند التكييف، إذ يتحدث بعضهم عن عيادات تكون مرافقها الصحية مغلقة أو غير متاحة للمرضى، الأمر الذي يضع خاصة كبار السن والمرضى الذين يعانون أمراضا مزمنة أمام موقف محرج وصعب، فيضطرون إلى البحث عن مرحاض في الخارج.
وقد يبدو الأمر بسيطا بالنسبة للبعض، لكنه ليس كذلك بالنسبة لمريض مسن أو امرأة حامل أو طفل أو شخص يخضع لعلاج يجعله بحاجة متكررة إلى استعمال المرحاض. فالعيادة الطبية ليست مجرد غرفة لفحص المريض، وإنما فضاء يفترض أن تتوفر فيه شروط الاستقبال الأساسية التي تحفظ كرامته وراحته.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن جودة الخدمات الصحية لا ينبغي أن يقتصر على الأجهزة الطبية وكفاءة الطبيب، بل يشمل أيضا البيئة التي يستقبل فيها المريض. فالراحة، النظافة، التهوية، المقاعد المناسبة، توفر المرافق الصحية وتنظيم قاعة الانتظار، كلها تفاصيل صغيرة ظاهريا، لكنها تصبح كبيرة جدا عندما يكون الإنسان مريضا وينتظر دوره.

طبيب يشتري الألعاب من جيبه
وفي مقابل هذه الممارسات التي يشتكي منها بعض المرضى، هنالك الكثير من الأطباء ممن اختاروا الاستثمار في راحة مرضاهم، حتى وإن تطلب الأمر إنفاق أموال إضافية من حساباتهم الخاصة.
ومن بين النماذج التي تستحق الإشادة طبيب أطفال حرص على تجهيز عيادته بألعاب مخصصة للصغار، حتى لا تتحول فترة الانتظار إلى مصدر توتر وملل بالنسبة للطفل. فبدلا من أن يجلس المريض الصغير في قاعة مملة، محاطا بالقلق والخوف من الطبيب، يجد أمامه مساحة تساعده على اللعب والانشغال إلى حين دخوله للفحص.
ويؤكد الطبيب أن مثل هذه التجهيزات ليست ترفا، بل جزء من التعامل الإنساني مع المريض، خصوصا الأطفال. فالطفل لا يفهم دائما سبب وجوده في العيادة، وقد يشعر بالخوف بمجرد دخوله إليها، ولذلك، فإن توفير الألعاب والكتب والوسائل المناسبة يمكن أن يخفف من توتره ويجعل تجربة العلاج أكثر سهولة عليه وعلى والديه.
ويشير الطبيب إلى أن صاحب العيادة عندما يستثمر في راحة مرضاه، فإنه لا يخسر، بل يكسب ثقة المريض ورضاه. فالمريض يتذكر الطبيب الذي احترم وقته وكرامته واهتم براحة أطفاله، كما يتذكر العيادة التي وجد فيها النظافة والتنظيم والتهوية والمرافق الضرورية.
ومن هنا، يرى أن العيادة الناجحة لا تقاس فقط بعدد الأجهزة الموجودة فيها، وإنما أيضا بكيفية استقبال المريض منذ لحظة دخوله إلى غاية مغادرته. فحتى توفير كرسي مريح، أو ماء، أو قاعة انتظار جيدة التهوية، أو مرحاض مفتوح ونظيف، يمكن أن يصنع فرقا كبيرا.

مرضى يطالبون بالرقابة
ومع تزايد هذه الشكاوى، يطالب مرضى في حديث مع “الشروق”، بضرورة تكثيف عمليات التفتيش والرقابة على ظروف استقبال المرضى داخل العيادات الخاصة، وعدم الاكتفاء بمراقبة الجانب الطبي والتقني فقط. فوزارة الصحة ومديريات الصحة مدعوة، بحسب هؤلاء، إلى التأكد من أن العيادات تحترم فعلا شروط النظافة والسلامة والراحة التي يفترض أن توفرها للمريض.
وكانت وزارة الصحة قد أطلقت في جوان 2026 المرجع الوطني للتجهيزات الصحية، باعتباره إطارا معياريا يحدد التجهيزات الطبية الأساسية الواجب توفرها في المؤسسات الصحية بحسب مستويات الرعاية والتخصصات.
تبقى المسألة في النهاية مرتبطة بثقافة احترام المريض. فالمريض يريد أن يعالج في مكان يحفظ كرامته، يوفر له الحد الأدنى من الراحة، ويجعله يشعر بأنه إنسان يحتاج إلى الرعاية، وليس مجرد رقم ينتظر دوره في قائمة المواعيد. لأن حسن الاستقبال والاهتمام والظروف الإنسانية المناسبة علاج آخر لا يقل أهمية.

مقالات ذات صلة