جواهر
مساهمة

خديجة دحماني.. ‬تساميت‮ ‬في‮ ‬العلو السامق‮ ‬مع الشهيدات والشهداء

جواهر الشروق
  • 3546
  • 8

وأنا أدخل مدينة سيدي‮ ‬عيسى،‮ ‬مدينة تُذكر كلما ذُكِر اسمُ‮ ‬المفكر الكبير مصطفى الأشرف‮. ‬مصطفى الأشرف ابن هذه التربة،‮ ‬كان قلما وفكرا ضد التعصب منذ الكفاح المسلح،‮ ‬وحتى الكفاح من أجل بناء الدولة الوطنية‮. ‬كان نصير المرأة لأنه كان مجاهد الحرية والاستقلال،‮ ‬وأذكر أنه،‮ ‬وهو صاحب القلم المتميز العميق،‮ ‬هو من عرفنا‮ ‬على كاتبة وشاعرة عرفت السجن ولم تتنازل عن حبها للجزائر،‮ ‬ونضالها من أجل استقلالها،‮ ‬على الرغم من أصولها الأوروبية،‮ ‬إنها الشاعرة المناضلة نزيلة سجون الاستعمار أنا‮ ‬غريكي‮.‬

‭ ‬وأنا أدخل هذه المدينة المباركة،‮ ‬شعرت بإحساس‮ ‬غريب‮ ‬يغمر صدري‮ ‬حتى التمام،‮ ‬إحساس من‮ ‬يصل‮  ‬في‮ ‬موعده‮  ‬لرؤية عزيز لم‮ ‬يره منذ مدة،‮ ‬أو لم‮ ‬يره أبدا وجها لوجه،‮ ‬إلا أنه‮  ‬يشعر نحوه‮  ‬بقرابة الوطن والدم والتاريخ والذاكرة والمصير‮.‬

يذهب إليه ليقول له شكرًا‮.‬

يذهب إليه ليعترف له بعرفانه‮.‬

يذهب إليه‮  ‬وهو‮ ‬يحمل‮  ‬اسمه ولقبه وصورته‮  ‬هدية‮  ‬ملفوفة في‮ ‬أجنحة القلب الشفافة اليقظة،‮ ‬بعناية‮  ‬عذبة حنون‮.. ‬عزيز قدم روحه هدية لشعبه،‮ ‬ووطنه وأرضه،‮ ‬أغلى ما لدى الإنسان لكي‮ ‬يكون إنسانا‮. ‬أليس هو من تراب‮.. ‬في‮ ‬زمن كان عسيرا،‮ ‬عسيرا جدا،‮ ‬لم‮ ‬يترك أحدا منا إلا وهشم فيه شيئا ما،‮ ‬وتركه للعراء وعواء الذئاب،‮ ‬إلا ووشم عليه ختم حزن دفين‮ ‬يستيقظ كل حين‮.‬

‭ ‬وأنا أدخل مدينة سيدي‮ ‬عيسى أيها السادة،‮  ‬كنت أرى‮  ‬ظل الشهيدة خديجة دحماني‮  ‬في‮ ‬اخضرار الأشجار،‮ ‬وخطوات الشبان على الأرصفة وفي‮ ‬شلالات‮  ‬الضوء الذي‮  ‬يسيل فوق سطوح المنازل،‮ ‬كنت أراها في‮ ‬جوهر‮  ‬الحياة‮  ‬لأنها ببساطة لم تمت ميتة العادة بل تسامت‮  ‬في‮ ‬العلو السامق‮  ‬مع الشهيدات والشهداء‮..‬

وجئت‮  ‬أحضر حفل الوفاء‮  ‬مع الوفيات والأوفياء لروح الشهيدة‮  ‬في‮ ‬الذكرى العشرين لاستشهادها،‮ ‬وليس‮ ‬غريبا أن تستيقظ في‮ ‬وجداننا في‮ ‬مثل هذه اللحظات،‮ ‬كل الوجوه العزيزة‮  ‬للصحفيين والصحفيات الذين استشهدوا وهم‮ ‬يحملون أقلامهم،‮ ‬وكلمتهم النظيفة،‮ ‬وقلوبهم،‮ ‬وضمائرهم النيرة،‮ ‬وعشقهم للجزائر‮.‬

‭ ‬ولأنه الثامن من مارس،‮ ‬ولأنها‮ ‬غرة الربيع،‮ ‬فلا ربيع دون تذكر شهيدات الحرية وحفيداتهن الوفيات لرسالة الحرية‮:  ‬خديجة دحماني‮ ‬ورشيدة وحورية حمادي،‮ ‬رجاء بولعواد،‮ ‬زبيدة،‮ ‬نعيمة،‮ ‬ليلى وأخريات‮..‬أسماء ستظل كبيرة في‮ ‬الذاكرة،‮ ‬منقوشة أسماؤهن على لوح المقاومة ضد الإرهاب وضد أعداء الحرية والسلام‮.  ‬نذكرهن كلما تعرضت الحرية للاعتداء أو تعرضت مهنة الصحافة للمساومة‮.‬

وأخريات كثيرات في‮ ‬التربية،‮ ‬وفي‮ ‬الفن،‮ ‬وفي‮ ‬الأدب،‮ ‬وفي‮ ‬البحث،‮ ‬وفي‮ ‬التسيير،‮ ‬تمت تصفيتهن لا لشيء إلا لأنهن كن جدارا ضد الخراب وضد عمى اللاتسامح‮. ‬لا لشيء إلا لأنهن كن‮ ‬يحملن صورة لجزائر المستقبل،‮ ‬جزائر التقدم والمعاصرة والعدالة والتعدد والديمقراطية‮.‬

لقد ترك شهداء العشرية السوداء من صحفيين وكتاب وفنانين ومثقفين وأناس بسطاء طيبين،‮ ‬من النساء والرجال،‮ ‬درسا للأجيال وللعالم في‮ ‬حب الوطن،‮ ‬والاستماتة من أجله،‮ ‬والدفاع عن حريتة وكرامته،‮ ‬والوفاء‮  ‬لرسالة‮  ‬شهداء الاستقلال‮. ‬تَرَكُوا درسا عميقا للإنسان المعاصر في‮  ‬قيمة الوفاء وحكمته‮. ‬وكم‮  ‬هو أحوج‮  ‬هذا الإنسان المعاصر للوفاء في‮ ‬زمن الإفلاس الروحي،‮ ‬والإفلاس السياسي،‮ ‬في‮ ‬زمن لم‮ ‬يعد‮  ‬للحياة‮  ‬معنى ولم‮ ‬يعد فيه للموت معنى‮.‬

‭ ‬ولأن للدنيا وجهها الناصع الخيِّر،‮ ‬فإن من الوفاء أن قرر أهل مدينة سيدي‮ ‬عيسى ومسؤولوها أن‮ ‬يحمل هذا الصرح الثقافي‮ ‬البديع في‮ ‬هندسته ورمزيته اسم الشهيدة خديجة،‮ ‬أن‮ ‬يتردد اسمها الجميل كل‮ ‬يوم مئات المرات‮  ‬ثم على ألسنة آلاف العابرين من الأجيال القادمة،‮ ‬يذكرهم أن الوفاء للوطن صفة من صفات الشهداء والوفاء للشهداء صفة من صفات النبلاء‮.‬

أليس دم الشهداء كمداد العلماء؟

‮ ‬فشكرا لأصحاب هذا الوفاء من رجال ونساء المدينة‮.‬

‮ ‬يا خديجة‮ .!‬

أقول دائما ليس سرا إن كانت سماء بلدنا تزداد نجومُها عددا وكثافة وبريقا،‮ ‬إذ كلما سقط شهيد أو رحل رمز من رموزنا الوطنية عبر تاريخنا القديم والحديث والمعاصر،‮ ‬إلا واستقر نجم‮ ‬غير بعيد منا،‮ ‬يلوح لنا عبر بريقه،‮ ‬ويذكرنا بأن ثمن الحرية باهظ،وأن البلاد‮ ‬غالية‮.!‬

فلننْحن بوافر الاحترام لكل شهيدات وشهداء الوطن،‮ ‬لكل قطرة دم زكية تسللت إلى تربة هذه البلاد‮.‬

الرحمة على الشهيدة خديجة الساكنة في‮ ‬سماء الوطن وفي‮ ‬قلوبنا بكل ألوان قوس قزح‮.‬

شكرًا لصاحب هذه الفكرة الحضارية المزروعة بالوفاء للذكرى،‮ ‬وشكرا للذي‮ ‬دافع عنها فأخرجها إلى النور،‮ ‬وإلى جميع من اجتهد وساهم في‮ ‬تحقيقها،‮ ‬وشكرا‮  ‬لمن جاء للاحتفال برفع اسم الشهيدة خديجة دحماني‮  ‬على أسوار هذه المؤسسة الثقافية،‮ ‬وهنيئا لمدينة سيدي‮ ‬عيسى بنسائها ورجالها‮.‬

كل ربيع وأنتم بخير‮.. ‬وسكان قلوبكم بألف خير‮..  ‬وكل عام والوفاء‮ ‬يغمر صدورنا جميعا‮.‬

وردة بيضاء مكتظة بالعطر لروحك،‮ ‬أيتها الشهيدة خديجة،‮ ‬التي‮ ‬ترفرف بيننا هنا‮.‬

لكم جميعا السلام‮.. ‬والسلام لأرضنا الحبيبة‮.‬

ولتحيا الجزائر‮.‬

مقالات ذات صلة