الرأي

خروج موريتانيا عن صمتها في قضية لگويرة غير مقنع!

حمدي يحظيه
  • 495
  • 0

في تقديري الشخصي أن أي قرار اتخذته أو تريد موريتانيا أن تتخذه هو قرار سيادي، وحق من حقوقها، ويجب أن تتخذه بشجاعة وعلى رؤوس الأشهاد، حتى لو كان ضد الصحراويين أنفسهم. ما يثار هذه الأيام حول مناقشة قضية الحدود مع الأمم المتحدة، وقضية مدينة لگويرة، جعل الصحراويين وأصدقاءهم يتوجسون، ويفتحون صفحة التاريخ المطوية التي لازال حبرها لم يجف.

إذا عدنا إلى التاريخ، نجد أن نظام أشقائنا في موريتانيا بدأ يتعاطى إيجابيا مع تقسيم الصحراء الغربية مع المغرب، سريا، منذ سنة 1972م، من خلف ظهر «الأشقاء» الصحراويين الذين كانوا يُقسمون على المصحف الشريف أن موريتانيا، مَهما حدث، لن تخونهم ولن تطعنهم في الظهر. بسبب ما حدث سنة 1975م، من تشريد للشعب الصحراوي ومن تقسيم أرضه بمشاركة “الأشقاء”، أصبح الصحراويون يتعاملون مع الوضع بالكثير من الحذر وفقا لنظرية من لدغه الثعبان يخاف الحبل.

في هذا السياق، كان على موريتانيا الرسمية، منذ اللحظة الأولى، أن تزيل أي شك، وأن تضع النقاط على الحروف، بطريقة لا غبار عليها، حول النقطتين الواضحتين اللتين سال حولهما، مؤخرا، الكثير من الحبر، وهما: أولا، توضيح قضية الحدود وتشكيل اللجنة التي طالبت بها موريتانيا الأمم المتحدة، ووردت في تقرير الأمين العام (S/2026/781)؛ وثانيا، ما نشرته المجلة الفرنسية/المغربية «جون أفريك» (الأحد 18 أكتوبر 2026)، التي تحدثت عن رغبة موريتانيا في مقايضة مدينة لگويرة الصحراوية بالاعتراف للمغرب بالسيادة، أو بالتطبيع، وبسحب الاعتراف بالجمهورية الصحراوية.

لنحلل الآن بعض النقاط التي وردت في تصريح الناطق الرسمي للحكومة الموريتانية حول القضيتين المذكورتين.

تكلم الناطق الرسمي للحكومة الموريتانية بعد صمت، لكن بدل أن يقول ثلاث أو أربع كلمات واضحة حول الموضوع المُثار حوله الشك، زاد الأمر غموضا وتعقيدا، وبدا أنه فسّر الغموض بالغموض.

لنقرأ ما قاله الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية يوم 21 أكتوبر 2026م: «فيما يتعلق بالحدود الشمالية، العلاقات بين الحكومة الموريتانية وجيرانها وأشقائها في حالة فوق المطلوب، ولا يوجد أي مشكل بيننا مع أي دولة من دول الجوار، خاصة في الجانب الشمالي الذي قلتم إن فيه معطيات أو معلومات تفيد أن هناك أشياء معينة قالتها بعض الصحف. الحكومة متمسكة بموقفها الثابت الداعم للحل السلمي المتوافق عليه تحت رعاية الأمم المتحدة. وطرح قضية توضيح الحدود الهدف منه هو تفادي أي غموض قد تترتب عليه أية آثار أمنية أو قانونية أو اقتصادية، ولا يجب تحميل هذا أي طرح أو مطالب لم تعلنها موريتانيا». انتهى التصريح أو الخروج عن الصمت.

هذا التصريح لم يُزل الغموض إطلاقا. من جهة، هو تصريح تم تعويمه في بحر من الحديث لا مبرر له عن علاقات موريتانيا بدول الجوار، بينما المطلب محدد، وهو: لماذا تحدثت موريتانيا عن الحدود وتشكيل لجنة، رغم أن قضية الحدود محسومة؟ ولماذا لا تكذّب الجريدة الفرنسية/المغربية، وتذكرها بالاسم؟ في الحقيقة، ما كتبته الجريدة خطير، وتترتب عليه، إذا كان غير صحيح، رفع دعوى قضائية ضد الجريدة في فرنسا. الموضوع في شطريه يتعلق بالصحراويين وحدهم وحدودهم، بينما لم يذكر الرجل كلمة الصحراء الغربية ولا الصحراويين الذين ينتظرون التوضيح. لقد ذكر فقط مصطلح الجيران «الشماليين»، وهو مصطلح يستعمله اللوبي المغربي في موريتانيا، الذي يقفز على وجود الصحراء الغربية ويقول إن جار موريتانيا الشمالي هو المغرب.

في قضية الحدود التي ذكر الأمين العام للأمم المتحدة أن موريتانيا أثارتها، لا دخل لعلاقات موريتانيا مع دول الجوار بها؛ القضية تتعلق بالحدود مع الصحراء الغربية. عندما يقول الناطق الرسمي للحكومة الموريتانية إن الحديث عن ترسيم الحدود هو «لتفادي أي غموض قد تترتب عليه أية آثار قانونية»، فقد تخطى أحد الخطوط الحمر، لأن القانون الدولي واضح، والحدود واضحة ومرسومة بالملمتر. هل يعني هذا الغموض أن هناك فعلا شيئا يُحاك في الخفاء؟ لأن مجرد الحديث عن آثار قانونية يعني أن موريتانيا تريد أن تخرج عما كان متعارفا عليه سابقا فيما يخص قضية خط الحدود بين موريتانيا والصحراء الغربية، والمرسوم بمعاهدات دولية. يتحدث الناطق الرسمي عن أن «الحكومة (الموريتانية) متمسكة بموقفها الثابت الداعم للحل السلمي المتوافق عليه تحت رعاية الأمم المتحدة». هذا الكلام هو نفس كلام المخزن: المغرب يقول إن موقفه ثابت ويدعم حلا سلميا متوافقا بشأنه تحت رعاية الأمم المتحدة.

في مثل هذه القضايا الواضحة، لا يصلح اللعب بالكلمات ولا تعويمها في البحر، وعدم تسمية الأشياء بمسمياتها يزيد الغموض.

في تقديري الشخصي، أن خروج موريتانيا عن صمتها يجب أن يكون واضحا، وألا يخرج عما يلي: أولا، تكذيب صريح، بالاسم، للجريدة الفرنسية/المغربية «جون أفريك»، التي اتهمت موريتانيا اتهاما خطيرا؛ وثانيا، شرح للقيادة الصحراوية لما جاء في تقرير الأمين العام حول قضية لجنة للنظر في الحدود.

في حالة ألا يحدث هذا، سيكون مفروضا على الحكومة الصحراوية أن تطلب توضيحات من الحكومة الموريتانية، وهذا يعني أن ما كان يُدارى أصبح مكشوفا.

مقالات ذات صلة