الجزائر
إصلاحات الجيل الثاني تلغم الدخول المدرسي المقبل

خريف ساخن ينتظر بن غبريط

الشروق أونلاين
  • 8932
  • 89
الشروق
وزيرة التربية الوطنية نورية بن غبريط

حركت “خرجات” وزيرة التربية الوطنية، نورية بن غبريط، مياه هذا الصيف الراكدة، بإصلاحاتها المثيرة للجدل، ويبدو أن شهر أوت المقبل سيكون أكثر سخونة، كونه سيشهد إصدار أولى الكتب المدرسية التي ستميط اللثام عن حقيقة إصلاحات الجيل الثاني للمنظومة التربوية، والتي باتت تهدد مصير الدخول المدرسي المقبل، في ظل التململ الذي يعيشه قطاع التربية هذه الأيام.

بن غبريط تقول إن هذه الإصلاحات هي إحداث تناغم بين الطورين الثانوي والجامعي، غير أن منتقديها يشتمون مما تقوم به رائحة الإيديولوجية، لأن الشعار الذي ترفعه يتنافى وحقيقة مفادها أن المصلحة تقتضي تسبيق اللغة الأكثر على الأقل مرافقة للتطور التكنولوجي والعلمي.

فهل بن غبريط جانية أم مجني عليها؟ وما خلفية تشيع بن غبريط للغة الفرنسية على حساب الإنجليزية وقبلها العربية؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول الملف السياسي لهذا العدد الإجابة عليها.


قزمت العربية وقدمت الفرنسية على الإنجليزية

بن غبريط تنسي الجزائريين في بن بوزيد

يكشف حرص وزيرة التربية الوطنية، نورية بن غبريط، على تفضيل الفرنسية على غيرها من اللغات، بما فيها العربية، اللغة الأم لملايين التلاميذ، عن وجود أجندة، فيها الكثير من الإيديولوجية والقليل من الاعتبارات التربوية، تعكف الوزيرة على تنفيذها. 

التوجهات “المشبوهة” للوزيرة في نظر خبراء التربية، تبدو أكثر من مؤكدة، كونها انتصرت لتيار على حساب آخر، في أحدث حلقة من مسلسل الصراع الموروث عن الحقبة الاستعمارية، طرفاه المدافعون عن واحدة من مقومات الجزائريين، والمتشيّعون للغة فولتير بحجة أنها “غنيمة حرب”، كما يقول منظروهم. 

يقول المطلعون على خبايا أجندة بن غبريط، إن نية الوزيرة لو كانت بريئة هدفها النهوض بالمنظومة التربوية، لكانت قد فضلت اللغة الإنجليزية باعتبارها اللغة الحية الأولى في العالم، قبل الفرنسية، التي لم تعد قادرة حتى على فرض ذاتها في عقر دارها فرنسا. 

من بين المبررات التي ساقتها الوزيرة لفرض مشروع فرنسة المدرسة الجزائرية (تدريس المواد العلمية بالفرنسية بداية من الطور الثانوي)، هو قلة المعروض من المؤطرين في اللغة الإنجليزية، وهو مجرد تبرير لا ينطلي على أحد، لأن أضراره أكثر بكثير مما يحمله من منافع إن كانت أصلا! 

وفضلا عن ذلك، فمؤطرو اللغة الفرنسية غير متوفرين في النظام القديم، إذ هناك مدارس ومتوسطات وثانويات في بعض المدن الداخلية، لم تعثر على أساتذة طيلة سنة دراسية كاملة، فكيف سيكون الأمر بعد أن يزداد الطلب عليهم في ظل تدريس اللغات العلمية بداية من العام المقبل باللغة الفرنسية؟ إنه السؤال الذي يتعين على بن غبريط الإجابة عنه. 

فتدريس المواد العلمية بالفرنسية في الثانوي سيصدم من دون شك شرائح واسعة من التلاميذ الذين لا يتقنون هذه اللغة، وسيستفيد من هذا الإجراء أبناء أقلية قليلة جدا، تعتمد الفرنسية لغة تواصل في المحيط العائلي. ولعل هذا الاعتبار تكون بن غبريط قد حضرت له جيدا، من خلال مسابقة الأساتذة التي كانت الفرنسية جزءا منها. 

وعلى الرغم مما قيل عن وزير التربية الأسبق، أبوبكر بن بوزيد، وهو الذي أشرف على تنفيذ الجيل الأول من الإصلاحات، إلا أن الرجل تبيّن أنه كان أكثر حرصا على حماية ثوابت ومقومات الأمة، خلال إدارته دفة قطاع التربية. 

لقد عرف بن بوزيد كيف يتحايل على الضغوط التي مورست عليه عبر أجندة بن زاغو، واستطاع التكيّف معها ونجح في إفشال جزء من مخططات بن غبريط (كانت عضوا في لجنة بن زاغو لإصلاح المنظومة التربوبة)، التي كانت تراقب المشهد من خلف الستار. 

فعندما تعاظمت عليه الضغوط لتدريس الفرنسية انحنى (بن بوزيد) للعاصفة، فقبل بتنزيل تدريس اللغة الفرنسية إلى السنة الثانية ابتدائي، لكنها كانت حيلة من الرجل، كما ذكر أحد مستشاريه، لأن الحال لم تدم سوى سنة واحدة فقط، ليقرر بعدها بن بوزيد دحرجة تدريس الفرنسية إلى السنة الرابعة ابتدائي، بعد أن أقنع صناع القرار بأن الإبقاء على تدريسها في السنة الثانية يفوق القدرات الاستيعابية للتلاميذ. 

ويؤكد مقربون من وزير التربية الأسبق أن الرجل كان يقول لمستشاريه إنه لم يكن مستعدا لصدم الجزائريين بقرار يفضل لغة المستعمر على حساب لغة الضاد، وهكذا نجح الوزير في تفادي أن يسجل التاريخ عليه سقطة تبقى تلاحقه وتلاحق عائلته. 

ويبدو أن بن غبريط كانت تنتظر الفرصة على أحر من الجمر، وهي تقف على عرقلة ما خططت هي ورفقاؤها له في لجنة بن زاغو، ولذلك لم تلبث أن وضعت الجيل الثاني من الإصلاحات حيز التجسيد، لكن في أبشع صوره. 

 

المكلف بالإعلام بنقابة “الكناباست” مسعود بوذيبة 

وزارة التربية مُطالبَة بتبرير فشلها في تعليم اللغات الأجنبية 

يدعو الأمين الوطني المكلف بالإعلام والاتصال بنقابة “الكناباست”، مسعود بوديبة، الوزارة إلى ضرورة إجابتها عن فشل سياسة تعلم اللغات في المدرسة الجزائرية، على اعتبار أن التلميذ بعد 10 سنوات دراسة تجده لا يتقن الفرنسية ولا يتحكم في الانجليزية بعد 7 سنوات، قبل مشروع تدريس المواد العلمية بالفرنسية. مشددا على أن سياسة فرض الأمر الواقع والاستعجال في تطبيق الإصلاحات مند سنة 2003 كانت سببا في انتكاسات راح ضحيتها أجيال وأجيال. 

نتحدث في البداية على الظروف والوقت اللذين تم اختيارهما للحديث وطرح فكرة إعادة هيكلة البكالوريا. 

بعد هول فضيحة تسريبات مواضيع امتحان شهادة البكالوريا دورة 2016 وفشل القائمين على وزارة التربية الوطنية في التعامل مع الأزمة، وفى الوقت الذي كنا ننتظر فتح ملف لتقييم الوضع، نجد أن ممثلي الوزارة مستمرون في سياسة الهروب نحو الأمام.

ألا تعتقدون أن الحديث عن إعادة هيكلة امتحان شهادة البكالوريا قبل الحديث عن هيكلة التعليم الثانوي هو هروب إلى الأمام من طرف وزارة التربية؟

بعد القفز المبرمج علي تقييم مرحلة التعليم الثانوي من خلال تحويل الندوة الوطنية لتقييم مرحلة التعليم الثانوي إلى تقييم إصلاح المدرسة الجزائرية، ها هو اليوم يتم القفز على إعادة هيكلة التعليم الثانوي والتي يندرج ضمنها وكمرحلة ختامية إعادة هيكلة امتحان شهادة البكالوريا، كل هذا يحدث في أجواء من الغموض والسرية وعدم وضوح الأهداف المسطرة، خصوصا عندما نجد مسؤولي الوزارة يركزون بالأساس علي إعادة الهيكلة لامتحان شهادة البكالوريا في جانبها الشكلي المرتبط بإنقاص عدد الأيام وعدد المواد. 

بعض المصادر تؤكد رجوع الوزارة إلى تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية ونتحدث عن مرحلة التعليم الثانوي كيف تنظرون إليها؟

إن أمر لغة التدريس مفصول فيه في الدستور وقوانين الجمهورية الجزائرية كما أن المنظومة التربوية مبنية وتبنى على أساس سياسة الدولة، وبالتالي المجتمع  وفق الغايات والمرامي المحددة في القانون التوجيهي للتربية الوطنية، ولا يمكن لأي كان أن يفرض سياسة توجهه أو إيديولوجيته على حساب ثوابت الأمة أو مكتسبات ضحى الجزائريون من أجلها الكثير. 

ونحن نطلب من القائمين على قطاع التربية الوطنية أن يجدوا لنا جوابا عن فشل سياسة تعلم اللغات في المدرسة الجزائرية أولا بحيث كيف لتلميذ يدرس عشر سنوات اللغة الفرنسية ولا يتقنها ويدرس سبع سنوات اللغة الانجليزية ولا يتحكم فيها .. وبعد ذلك نتكلم على موضوع تعلم اللغات وأثرها في التحصيل العلمي وتطوره…  

إذا كانت الوزارة ترغب في تطوير تدريس اللغات الأجنبية، بحجة ضعف مستوى الطلبة بالجامعة الذين يرسبون بنسب كبيرة، فلماذا لم تلجأ إذن إلى اختيار اللغة الانجليزية باعتبارها “لغة حية ” عالمية، بدل كل هذا الاهتمام باللغة الفرنسة؟

وزارة التربية لم تستطع وضع سياسة عملية وعلمية لتعلم اللغة الفرنسية والانجليزية رغم الوقت الكبير المبرمج لها حاليا … في وقت أن سياسة تعلم اللغات في العالم أصبحت تتم في فترات قصيرة جدا … وهذا يجعلنا نطرح تساؤلات حول ماهية اللغة التي نريد أن نتعلمها. هل نحن نريد أن نعلم أبناءنا لغة التواصل والبحث أم لغة فولتير أو شكسبير؟  

تفيد المعطيات المتوفرة لدينا أنه خلال النصف الثاني من شهر أوت سيتم توزيع الكتاب المدرسي الموحد، أو ما اصطلح عليه بالجيل الثاني من الإصلاحات، في وقت تشهد الآن جل الولايات الساحلية منها عمليات ماراطونية إعلامية للترويج لهذه المناهج برغم مطالبة النقابات بتأجيل تنفيذها. ألا تعتقدون أن تنفيذها مطلع السنة المقبلة سيضع الدخول على صفيح ساخن؟

سياسة فرض الأمر الواقع والاستعجال والتي عشناها وتذوقنا مرارتها مند سنة 2003 وكانت سببا في انتكاسات ومشاكل متعددة وراح ضحيتها أجيال وأجيال .. هي نفسها السياسة المتبعة الآن وهذا دليل على أن  من وراء ما حدث ويحدث هم نفس الأشخاص، وما اعتماد التغييرات الجديدة في الطورين الابتدائي والمتوسط من دون اعتماد سياسة التدرج، وكذا توزيع الكتاب في نهاية شهر أوت والذي هو  نفسه السلوك الذي حدث في تغييرات 2003 لخير دليل على ذلك.

 

أستاذ التعليم العالي في الرياضيات، البروفيسور أبو بكر خالد سعد الله:

“الفرنسية” لن تنقذ المدرسة من التدهور و”العربية” هي الأصلح

ينفي البروفيسور أبو بكر خالد سعد الله نفيا قاطعا أن يؤدي تدريس المواد العلمية في الثانوي بالفرنسية إلى تحسين مستوى الطلبة، مؤكدا أن “العربية” هي الأصلح، كأي لغة أمّ، للتعليم من الابتدائي حتى طور الماستر، ويرى أستاذ التعليم العالي في الرياضيات أنّ مشروع “بن غبريط” بهذا الصدد مجرد تمويه على فشل الإصلاح.

هل ترون تبريرات “بن غبريط” لفرنسة المواد العلمية في التعليم الثانوي وجيهة، لأجل تدارك تدهور مستوى الطلبة؟

المستوى العام تدهور عندنا، وفي كثير من البلدان، وعلى كل دولة أن تسعى للإحاطة بالأسباب، أهمها عدم انسجام مناهج الدراسة بين الثانوي والجامعي، فمن وضع برامج “ل. م .د” لم ينظر إلى برامج الثانوي في العلوم، كما أن واضع برامج الثانوي لم يستشر واضع برامج “ل. م .د”، أو لم يستشر الرجل المناسب، أو أنه استشار قبل وضع البرامج الجامعية، ثم إن التدهور في مرحلة من التعليم ينعكس على التي تليها : نحن نقول إن التدهور اشتد في بداية القرن وبدأ من الابتدائي عندنا، فكيف نريده مزدهرا في الجامعة؟، ثمّ انظر كيف تزايدت نسب النجاح في “الباك” ؟ السلطات تفسر ذلك بتحسن المستوى، ونحن نقول إنه تمويه على فشل تسييرهم وإصلاحهم.

نضيف أن هناك أسباب مادية محضة مثل الاكتظاظ وعدم تحفيز المعلم والإداري، ليقوم كل منهما بدور فعال، بعد أن يثق بأنه عضو فاعل في المدرسة والمجتمع، ولا يتأتى ذلك إلا ببناء ثقة متينة بين جميع هؤلاء الأطراف.

ومن جهة أخرى، ثمة مسألة استيعاب الدروس، فهي تتوقف على المقاربة المتبعة في توصيل المعلومة إلى التلميذ، من الواضح في مجال اللغة أن الوزارة لم تهتد بعد إلى السبيل الأمثل لتدريس اللغات الأجنبية (وحتى الرسمية)، وبدل أن ينكبّ خبراؤها على البحث عن الكيفية التي من خلالها إذا تلقى التلميذ دروسا مدتها ألف ساعة في الفرنسية (أو الإنكليزية…) استطاع  أن يلم بها إلماما يمكّنه من التعبير بها كتابيا وشفويا إلى حد كبير، بدل ذلك يسلكون طريق الهروب إلى الأمام ويبحثون في اتجاه غير سويّ.

هل تعليم المواد العلمية بغير اللغة الأم، يمكن أن يحسّن المستوى؟

لا، أبدا !، لدي اعتقاد راسخ بأن في مجال الرياضيات، كل المقررات حتّى الماستر يمكن تدريسها باللغة العربية لو كانت لدينا إرادة، العربية لها عجز مثل الفرنسية والاسبانية وغيرها بعد هذا المستوى، إذ لا بد أن يكون الطالب ملمّا بما ينشر من بحوث متقدمة، وأغلب هذه البحوث ينشر بالإنكليزية، أتذكر هنا عبارة “العبرية لغة التدريس، والإنكليزية لغة المراجع” التي قرأتها في موقع الجامعة العبرية (القدس) التي يتخرج منها أفضل الطلبة، هذا هو الشعار الصحيح لنا : “العربية لغة التدريس والإنكليزية لغة المراجع”، وقد تكون في مواد معينة لغات أخرى هي “لغات المراجع”، كالفرنسية إذا ما تعلق الأمر بمادة تاريخ الاستعمار.

لماذا تركّز “بن غبريط” في معالجة مشكلة التعليم على “معركة” اللغة، أليس ذلك تكريس للفرنسة على حساب الحقائق البيداغوجية ؟

لا أرى المشكل في الوزير أو الوزيرة رغم المسؤولية المباشرة والهروب إلى الأمام لكل منهما، بل يكمن في الخيارات السياسية للبلاد قبل كل شيء، مثال ذلك: ما هي الفائدة التي جنتها “العربية”، في تدريسها وتعميمها ونشر ثقافتها وترقيتها، من المجلس الأعلى للغة العربية أو مجمع اللغة العربية؟! .

كيف يمكن الحفاظ على مكاسب التعريب وتمكين الطلبة من امتلاك ناصية اللغات الأجنبية في الدراسات العليا؟

بالعمل على تطبيق شعار “العربية لغة التدريس والإنكليزية لغة المراجع” في المستوى الجامعي على مدى متوسط كما فعلت الجامعة العبرية ونجحت فيه، المشكل عندنا يكمن في الإرادة السياسية، لكن للأسف هذه الإرادة مفقودة بل إنها ذاهبة في الاتجاه المعاكس، كما هو الشأن في بلدان المغرب العربي وفي بلدان عربية كثيرة، قلنا ونكرر أن “العربية” هي منذ عقدين أو يزيد ضحية الحاكم والمحكوم، ربما يتحدى الخواصّ هذه الإرادة ويفتحون مؤسسات تعليمية تعمل بهذا المبدأ، وتبرهن في الميدان ما عجزت السلطات على تحقيقه.

مقالات ذات صلة