اقتصاد
خبراء ومتعاملون اقتصاديون في منتدى "الشروق":

“خفّضوا رواتب المسؤولين .. واحفظوا جيوب المواطنين”

الشروق أونلاين
  • 9457
  • 31
بشير زمري
جانب من الندوة

حذّر خبراء في المالية ومتعاملون اقتصاديون من خطورة الأرقام الأخيرة الصادرة عن وزارة المالية، والمتعلقة بالعجز المسجل في الخزينة العمومية، حيث فاق 14 مليار دولار في ظرف شهرين مع بداية العام الجديد، وإن قلّل هؤلاء من هول الصدمة التي خلفتها تلك الأرقام، كونها تتعلق بفترة خاصة، تشهد في العادة تسديد النفقات المتأخرة عن السنة الماضية، ما يعني أن إمكانية العودة إلى وضع التوازن قائمة بشروط، لكنهم انتقدوا بشدّة سلوكيات المصالح الحكومية في عز الأزمة، والتي تفتقد برأيهم إلى الحسّ التقشفي أساسا، ولهذا عجزوا حتى الآن عن كبح التبذير الذي لا يزال طاغيًا في مصاريف المؤسسات العمومية على كافة المستويات برغم الخطاب الواسع عن ترشيد التسيير والنفقات العامّة.

وأجمع المتدخلون في ندوة “الشروق” حول “عجز الميزانية: الأسباب والآثار”، على ضرورة خفض رواتب كبار المسؤولين في الدولة، وذلك كحتميّة مالية وبيداغوجية في نفس  الوقت، لأنه لا يمكن برأيهم دفع المواطنين إلى الاكتتاب مثلا، أو شدّ الأحزمة، بينما تعيش إطارات البلد حالة من الرغد والإسراف   !.

هذا، ودعا خبراء المالية إلى توسيع الوعاء الضريبي الذي ما يزال فيه هامش كبير لتحصيل موارد إضافية لخزينة الدولة، شريطة تفعيل السياسة الاقتصادية لاستثمار تلك الأموال بطريقة ناجعة.

 

قال إنها تسير بعقلية وقوانين الاشتراكية .. حمدوش:

 وزارة المالية لا تحسن حساب الميزانية!

انتقد الخبير لدى البنك الدولي محمد حمدوش طريقة صياغة الحكومة لقوانين المالية والقوانين التكميلية، وطريقة احتساب السعر المرجعي لبرميل البترول وسعر الميزانية، مشيرا إلى أن هذه الأخيرة ما تزال تعتمد توقعات وأرقام كانت تنتهجها سنوات الاشتراكية، أي وفق القانون الإطار الصادر سنة 1984، والمسمى بالقانون 84 ـ 17 ، وهو ما لا يتناسب والوضع الاقتصادي الذي تعيشه الجزائر في الظرف الراهن.

وقال حمدوش خلال استضافته بمنتدى جريدة “الشروق”، إن اعتماد طرق خاطئة في صياغة هذه القوانين، يدفع الحكومة مرارا إلى البحث عن قوانين تكميلية، لتدارك الأخطاء المسجلة في القوانين الأساسية، لتجد نفسها في كل مرة تسيّر الميزانية بأرقام سلبية وعجز كبير، وهو ما حدث خلال الشهرين الأولين لسنة 2016، أين تمّ احتساب 1400 مليار دينار عجز في الخزينة، ما فسره حمدوش بعدم تناسب المداخيل مع نفقات الحكومة في تلك الفترة، متسائلا “من يقف وراء تحديد السعر المرجعي للبترول بـ37 دولارا؟”، مشدّدا على أن العجز السنوي في الميزانية يجب أن يقلّ عن 3 بالمائة، وأضاف حمدوش أن العجز بمجموع السنوات، يجب أن لا يتجاوز الـ60 بالمائة، وفي حال تجاوزه تلجأ الحكومة إلى انتزاع نفقاتها من صندوق ضبط الإيرادات، وهو ما يعتبر أيضا مؤشرا سلبيا، مطالبا بإعادة النظر بشكل جذري في الطريقة التي تصاغ وفقها الميزانية، وكذا طريقة فرض وصياغة الضرائب والرسوم، وهي التي لا تزال تشهد عديد الفرص غير المستغلة من طرف الحكومة.

وذهب حمدوش أبعد من ذلك، حينما أكد أن الحكومة تسير نحو “الاصطدام بالحائط”، نتيجة ما سمّاه بالتسيير غير العقلاني للأزمة، مشيرا إلى أن الوضع خطير، وأن مواصلة انتهاج نفس السبل الاقتصادية وبنفس طريقة صياغة القوانين، سيؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، ما أطلق عليه عبارة “الانتحار الاقتصادي الجماعي”، مشيرا إلى أن الحكومة تنفق ضعف ما يجب أن تتضمنه الميزانية، ولا تعي حتى طريقة التقشف أو ترشيد النفقات، كما أنها لا تتحكم حسبه في هذه الآليات، متوقعا نفاد بقايا صندوق ضبط الإيرادات خلال سنة 2016، أو أنه لن يكملها، حسبه.

 

حذّر من خيار الاستدانة الخارجية.. برّيش:

المؤسسات العمومية لا تتصرّف بمنطق إدارة الأزمات..!

 فسر الخبير المالي البروفيسور عبد القادر بريش تسجيل عجز في الخزينة العمومية بـ1400 مليار دينار خلال شهرين فقط من سنة 2016، بلجوء وزارة المالية إلى استكمال الأغلفة المالية بداية من جانفي، باسم مشاريع سنة 2015، مشددا على أن العجز في الشهر الأول من السنة يكون دائما صادما، وأن الحقيقة ستبرز للعيان بشكل أحسن خلال بقية الأشهر، واصفا الوضع الحالي بالمتدهور، إلا أنه لم يدخل بعد حسبه الحالة الحرجة التي لا توجد لها حلول.

وتساءل بريش خلال مشاركته في ندوة “الشروق”، عن كيفية صياغة قانون المالية للسنة الجارية، وعن مدى إمكانية لجوء الحكومة إلى قانون تكميلي، معتبرا أن الوضع سيدخل مرحلة الجدّ خلال الأشهر المقبلة، خاصة إذا ما عجز الوزير المكلف بالميزانية عن التحكم في الوضع مثلما وعد سابقا، حينما قال إن القضية مسألة وقت، وإن الأمور ستتوازن في ظرف 4 أشهر لتتساوى المصاريف مع الموارد.

وعاد بريش ليحلل الوضع الاقتصادي الحالي، مؤكدا أن سعر البترول لا يزال أقل من المتوقع، وأنه نزل إلى القاع في المرحلة الماضية حينما بلغ 25 دولارا للبرميل، وهو ما دفع إلى تسجيل مداخيل لا تزيد عن 35 مليار دولار خلال 2015، وهو ما أدّى إلى تراجع الموارد بسبب تأرجح سعر البترول بشكل لافت في الأشهر الماضية، في حين أن الميزانية بنيت فعليّا على سعر سوق لا يقل عن 45 دولارا، وهو ما يضع الحكومة في موقف محرج، حيث يوجد فارق بـ7 دولارات بين السعر المرجعي وسعر الميزانية.

وانتقد المختصّ في المالية سياسة الحكومة، حيث يعتبرها غير مبنية على إدارة الأزمات، وهو ما يوحي بعدم قدرتها على تجاوز الوضع، مصرحا “ليس هناك ما يدل على أننا في أزمة.. فالمصاريف لا تزال تنفق بنفس الطريقة، ولو ألقينا نظرة فقط على حظائر سيارات الوزراء لأدركنا ذلك”، مشددا على أن الحكومة كلها لا تزال ترقص على برميل النفط، وتضبط إيقاعها على سعره، فإذا ارتفع البرميل يتحسن وضعها وإذا استمر الانهيار فلا مخرج آخر لحد الساعة، الأمر الذي يدفع للتساؤل “متى ستتخلى الجزائر عن اقتصاد النفط وتسير في منحنيات أخرى“.

وبالرغم من أنه اعترف بمحاسن فرض رخص لتنظيم الاستيراد فيما يتعلق بالاسمنت والحديد والسيارات، والجهد المبذول نسبيا في هذا المجال لتشجيع المنتوج الوطني، إلا أنه قال إنها جهود غير كافية، وتتطلب إجراءات تقشفية من الدرجة الأولى، مشددا على أن سنتي 2016 و2017 ستكونان حرجتين جدا لصندوق الاحتياط الأجنبي.

 

دعا إلى تشجيع المصدرين والتضييق على الاستيراد .. ناصري:

العجز التجاري هو الأسوأ منذ 30 سنة والاستدانة الخارجية خطر

كشف رئيس جمعية المصدرين الجزائريين علي باي ناصري عن أرقام سوداء للتجارة الخارجية خلال الأشهر الماضية، مؤكدا أن العجز في الميزان التجاري فاق كافة التوقعات والخطوط الحمراء، وأن الجزائر لم تسجل أرقاما بهذه الخطورة منذ 30 سنة، حينما تجاوز العجز في الميزان التجاري خلال 2015 15 مليار دولار، ولم ترتفع الصادرات عن 38 مليار دولار، في حين استوردنا 51 مليار دولار، وهذا بالرغم من أن الواردات نقصت بـ9 مليارات دولار خلال سنة 2015 مقارنة مع 2014.

وتحدث ناصري خلال استضافته بمنتدى “الشروق” عن الوضع بإسهاب، مؤكدا أن تراجع سعر المازوت والوقود كان بفعل انخفاض سعر البترول وتراجع أسعار المواد الاستهلاكية في السوق الدولية، أما تراجع تكلفة الحديد والاسمنت والحليب فلم يكن كافيا لكبح عجز الميزان التجاري، بالنظر إلى التراجع الحاد في المداخيل، متوقعا الأسوأ في المرحلة المقبلة، وأن يصل العجز إلى 25 مليار دولار مع نهاية السنة الجارية، وهو ما لم تعشه الجزائر منذ سنوات.

وأكد المتحدث أن سنة 2016 ستنتهي بمداخيل لا تزيد عن 26 مليار دولار، وهو ما يثبت عودة الجزائر إلى سنة 2003 من حيث الأرقام السوداء، إلا أن الفارق بين اليوم والماضي، هو أننا آنذاك استوردنا 14 مليار دولار، ووارداتنا اليوم ستزيد عن 45 مليار دولار، ما يدعونا إلى التساؤل “ما الحل”، فالصدمة حسبه ستكون كبيرة.

وقال ناصري إن الجزائر ستكون مضطرة في المرحلة المقبلة لمعالجة وتعديل الاتفاقيات الدولية مع الاتحاد الأوروبي، خاصة أنه بحلول سنة 2019، سيتم إلغاء كافة الرسوم الجمركية بين البلدين، ناهيك عن اقتحام دول أخرى للمنظمة وهو ما يعمق خسائر الجزائر ويزيد من سوء وضعها المالي، وتساءل المتحدث عن ثمن الاستدانة الخارجية التي تحدث عنها وزير المالية عبد الرحمن بن خالفة، مشددا على أن الجزائر سبق وأن لجأت إليها قبل سنوات، وكان الثمن غاليا آنذاك، فكيف ستتحمل الثمن في المرحلة المقبلة.

وفي خضم الحلول المقترحة دعا ناصري الحكومة إلى تسهيل التصدير، مثمنا في هذا الإطار جهود وزير التجارة بختي بلعايب، وداعيا إلى مزيد من الامتيازات، كما دعا المسؤولين إلى تبني رؤية اقتصادية واضحة لمجابهة المرحلة المقبلة، فليست حسبه المغرب بأحسن منا، إلا أنها تمتلك صادرات تجعلها تنعم باقتصاد مريح نسبيا بفعل النظرة المحكمة التي تنتهجها، على حدّ قوله.

 

دعا للكفّ عن البحث في جيب المواطن البسيط.. برّيش:

“على الحكومة تخفيض رواتب مسؤوليها الكبار”

 اقترح  الخبير المالي عبد القادر بريش على الحكومة للخروج من الأزمة المالية التي تتخبط فيها، إلى تخفيض رواتب المسؤولين وإطارات الدولة وانتهاج سياسة مالية صارمة، بعيدا عن أسلوب البحث في جيوب المواطنين، مؤكدا على أن السياسة الظرفية التي تنتهجها الحكومة لن تأتي بحلول مادامت رؤيتها الاقتصادية غير واضحة.

ويرى البروفيسور بريش لدى نزوله ضيفا على منتدى” الشروق”، أن الحكومة مطالبة في عز الأزمة المالية بانتهاج إجراءات سريعة وفعالة للمرحلة المقبلة، ولن يكون ذلك – حسبه- إلا من خلال تبني سياسة تقشفية صارمة، خاصة فيما يتعلق برواتب كبار المسؤولين والوزراء والنواب الذين يكلفون الخزينة العمومية أموالا لا تعدّ ولا تحصى، لذا وجب على الحكومة خفض ميزانية التسيير واللجوء إلى خفض أجور هؤلاء، متسائلا في نفس الوقت “..كما يكلفنا الوالي والوزير في عز التقشف.. لماذا يكون الحل دائما لجميع الأزمات هو جيب المواطن البسيط”، واعتبر بريش أن الشيء الوحيد الذي يحمينا في عز الأزمة المالية هو صندوق ضبط الإرادات، وذلك بعيدا عن المديونية الخارجية التي تهدّد أمننا القومي، مقترحًا في نفس الوقت عدة إجراءات، قال إنها إيجابية، على غرار تنويع الموارد وانتهاج سياسة التقشف وترشيد النفقات وتصرّفات الأعوان الاقتصاديين، والتفريق بين السياسات الظرفية والهيكلية، متسائلاً في نفس الوقت عن مصير اللجنة الوزارية التي عينها الرئيس وترأسها الوزير الأول عبد المالك سلال لتسير مرحلة الأزمة.

 

قال إنّ الحكومة ما تزال تبذّر المال العام 

 حمدوش: لا مفرّ من توسيع الوعاء الضريبي

 يرى محمد حمدوش الخبير لدى البنك الدولي، أن البلاد تتجه من عجز إلى عجز آخر، لذا وجب البحث عن حلول أخرى، لأن المشكل لا يتعلق بعجز مسجل في شهرين فقط، وإنما في قرارات غير مدروسة، مقترحًا على الحكومة إعادة النظر في المصاريف التي لا فائدة منها، خاصة وأنها لا تزال تدرج في قوانين المالية.

 واعتبر حمدوش أن سياسة الحكومة غير المبنية على إدارة الأزمات يجب أن يعاد النظر فيها، ولن يكون ذلك – حسبه-  إلا من خلال وقف المصاريف التي لا فائدة منها والمكلفة للخزينة العمومية في نفس الوقت، وأعطى مثالا بهذا الصدد عن مسابقة الأساتذة الأخيرة، والمصاريف التي توزع على الحفلات والمهرجانات الدولية، مضيفا  لدى نزوله ضيفًا على منتدى” الشروق”، أن المصاريف التي لا فائدة منها لا يجب أن تدرج في قوانين المالية، لأن هذه الأخيرة يجب أن تبنى على أساس عوامل تضبط الأداء من خلال القيام بدراسة مقارنة مثلا ”.. الطالب كما يكلفنا.. وغيرها من المصاريف التي وجب تحديدها“.

 كما يرى الخبير البنكي، أن سوء إدارة القطاعات الحكومية وراء الأزمة المالية التي تعيشها البلاد، خاصة إذا رأينا الميزانية الكبيرة لوزارة الداخلية وتوزيعها على المستوى المحلي بطريقة غير معقولة، في وقت يهمل ملف الرسم العقاري و الوعاء الضريبي الذي لا يزال يعاني من فراغات رهيبة، فضلا عن عدم وجود تقييم حقيقي للإعفاءات الضريبية، كما استغرب ضيف “الشروق ” من الطريقة التي تفكر بها الحكومة وتبنيها لسياسيات غير مدروسة تؤدي بالقطاع المالي في البلاد إلى الانهيار والإفلاس التدريجي في ظلّ تراجع الجباية النفطية.

مقالات ذات صلة