خلطات مجهولة تهدّد صحة الجزائريّين وتزيد من انتشار الأمراض المزمنة
تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى فضاء مفتوح، لتسويق خلطات مجهولة المصدر، تقدم للمواطنين على أنها وصفات طبيعية قادرة على علاج الأمراض المزمنة، وزيادة الوزن، أو استعادة النشاط في وقت قياسي، وإغرائهم بوهم النتائج السريعة. ووجد الكثير من الجزائريين أنفسهم ضحايا منتجات خطيرة تباع خارج أي رقابة، بسبب ضعف الوعي الصحي لديهم في ظاهرة باتت تثير قلق المختصين وجمعيات حماية المستهلك، خاصة بعد تسجيل مضاعفات صحية خطيرة مرتبطة باستعمال هذه الخلطات التي أصبحت تمارس بطرق عشوائية وتهدد الأمن الصحي للجزائريين.
بات الإقبال على شراء واستهلاك مختلف الخلطات العلاجية والحميات الغذائية، المنتشرة عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، كبيرا جدا، وهو ما يحذر منه الأطباء، مؤكدين انتشار كثير من الأمراض المزمنة، بسبب هذا الاستهلاك العشوائي، الذي يدفع المريض ثمنه باهظا جدا لاحقا.
وكثفت جمعيات حماية المستهلك مؤخرا من تحذيراتها بخصوص هذه الظاهرة التي يروج لها هؤلاء التجار تحت عناوين براقة وجذابة على غرار “الشفاء السريع” و”الوصفات الطبيعية المضمونة”، تعتمد على خلطات مجهولة المصدر يتم تسويقها على أنها طبيعية وتقليدية، مستغلين معاناة المرضى مع الأمراض المزمنة والرغبة في إيجاد حلول سهلة، غير أنها في الغالب تحتوي على مواد خطيرة قد تتسبب في تدمير أعضاء الجسم بصمت.
تزايد حالات الإصابة بالفشل الكلوي والتليف الكبدي
ويرى مختصون أن الخطورة تكمن في غياب أي معايير للنظافة أو الجرعات، وهو ما قد يؤدي بحسبهم، إلى مضاعفات خطيرة منها الإصابة بالفشل الكلوي الحاد أو التليف الكبدي، وهي حالات بدأت تسجل بشكل متزايد داخل المستشفيات، خاصة لدى أشخاص استعملوا خلطات مجهولة لفترات طويلة. ويشار إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم البيئة المثالية لازدهار هذا النوع من التجارة، بسبب صعوبة الرقابة وسهولة الوصول إلى الضحايا، فالبائع لا يحتاج إلى محل أو سجل تجاري، بل يكفيه هاتف وكاميرا وبعض العبارات التسويقية ليقنع المئات بشراء منتجات قد تكون قاتلة.
كريبع: ضرورة إنشاء خلايا متخصصة لمراقبة الصفحات المروجة لهذه الخلطات
وفي هذا السياق، كشف نائب رئيس الاتحاد الوطني لحماية المستهلك، الخبير في الاستهلاك، كريبع خذير، أن الجزائر تعيش اليوم ما وصفه بـ” الفوضى الرقمية” لسوق الصحة، حيث انحرف ما كان يعرف بالطب التقليدي إلى نشاط عشوائي تغذيه التجارة الإلكترونية، بعيدا عن أي رقابة صحية أو قانونية.
ويرى المتحدث في تصريح لـ”الشروق”، أن الأخطر في الظاهرة هو طريقة التلاعب النفسي بالمستهلك، خاصة المرضى الذين يبحثون عن الأمل، فبعض الصفحات على منصات “تيك توك” و”فايس بوك” و”إنستغرام” تستغل معاناة الناس عبر فيديوهات مؤثرة وشهادات مزيفة، تقدم الخلطات وكأنها بديل سحري للأدوية والعلاجات الطبية، ما يدفع كثيرين إلى المجازفة بصحتهم.
مواد كميائية للحصول على نتائج وهمية
وأكد خذير، أن عددا من هذه المنتجات يحتوي على مواد كيميائية خطيرة يتم خلطها عمدا لإعطاء نتائج سريعة تخدع المستهلك، مثل الكورتيزون بجرعات مرتفعة لنفخ الجسم أو تخفيف الألم مؤقتا، إضافة إلى استعمال أدوية محظورة أو منتهية الصلاحية يتم سحقها وخلطها بالعسل أو الأعشاب لإخفاء حقيقتها.
ودعا عضو الاتحاد الوطني لحماية المستهلك إلى التحرك العاجل عبر تشديد القوانين المتعلقة ببيع المنتجات الصحية غير المرخصة، وإنشاء خلايا متخصصة لمراقبة الصفحات الإلكترونية التي تروج لهذه الخلطات، مع فرض رقابة صارمة على محلات العطارة ومنع بيع المنتجات المخلوطة مسبقاً دون بيانات واضحة.
كما شدد على ضرورة نشر ثقافة التبليغ وسط المواطنين، وعدم التهاون مع أي منتج مجهول أو صفحة تروج لعلاج “معجزة”، إلى جانب تكثيف حملات التوعية الصحية لتصحيح الفكرة السائدة أن كل ما هو طبيعي يعتبر آمنا.
وفي حديثه عن سبل الوقاية، دعا كريبع خذير المستهلكين إلى الانتباه لبعض التفاصيل المهمة قبل اقتناء أي منتج وعلى رأسها غياب بيانات المنتج مثل اسم المخبر أو رقم الترخيص وتاريخ الصلاحية، إضافة إلى الوعود المبالغ فيها التي تدعي علاج عدة أمراض دفعة واحدة.
كما نصح بالاعتماد على الأعشاب في شكلها الطبيعي وتجنب المساحيق والخلطات الجاهزة، مع ضرورة استشارة طبيب أو صيدلي قبل استعمال أي منتج، وعدم التوقف عن العلاجات الطبية الموصوفة لصالح وصفات مجهولة المصدر، قائلا إن أخطر ما في هذه الظاهرة، أنها تبيع الوهم للمرضى في لحظات ضعفهم، وتحول أجسادهم إلى حقول تجارب.