خلفيات معارك داحس والغبراء في غرفة البرلمان السفلى
تخفي المعارك التي شهدتها الغرفة السفلى للبرلمان بمناسبة مناقشة مخطط عمل حكومة الوزير الأول، عبد المالك سلال، صراعا خفيا بين أطراف سياسية يجمعها دعم الرئيس، ويفرقها الاختلاف في تحديد مسافة قرب كل طرف منه.
ففي سابقة، قارب عدد النواب المتخلين في مناقشة مخطط عمل الحكومة بالمجلس الشعبي الوطني، الـ 400 نائب، في مشهد لم يعهده البرلمان في السنوات الأخيرة. وبلغت تدخلات النواب درجة من الحدة، كادت تخرج بالنقاش عن طبيعته، وتحوله إلى حلبة للملاكمة.
وكانت جلسة ليلة الاثنين إلى الثلاثاء الأكثر حدة وسخونة منذ حادثة عام 2002، التي كان طرفاها نواب حزب جبهة التحرير الوطني من جهة، ونواب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وهي الحادثة التي أدت إلى رفع الجلسة حينها. وكسابقتها، كان نواب الآفلان طرفا في حادثة أول أمس، في مواجهة نواب حزب العمال، والسبب مطالبة نواب حنون الرئيس بوتفليقة بحل المجلس الشعبي الوطني، واتهام نواب الأفلان بـ “الغباء السياسي”.
أوساط نيابية أكدت لـ “الشروق” أن الحرارة التي بدا بها نواب القوة السياسية الأولى في البلاد، يحركها هاجس الخوف من إقدام الرئيس على حل الغرفة السفلى والدعوة إلى انتخابات تشريعية مسبقة، ولذلك حاولوا من خلال تكثيف تدخلاتهم، إسقاط “تهمة” محدودية منسوب الشرعية في عهدة 2012 و2017، وانصراف نوابها نحو الجري وراء مصالحهم وإهمال دورهم التشريعي.
المصادر ذاتها، أكدت أن نواب الأفلان فهموا الرسالة خمسة على خمسة، وترسخ لديهم اعتقاد بأنهم هم المستهدفون من الدعوة إلى انتخابات تشريعية مسبقة، كونهم يسيطرون على أكثر من 200 مقعد، ومما زاد من حدة غضبهم هو أن هذه الدعوة جاءت من حزب يزاحمهم في دعم الرئيس بوتفليقة وبرنامجه، حتى وإن كان محسوبا على المعارضة، بل إن بعضهم استغرب أن تصدر مثل هذه المطالب من حزب لم يحصل مرشحه (لويزة حنون) في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، على سوى واحد بالمائة من أصوات الناخبين.
وكانت معركة الأفلان ـ حزب العمال قد بدأت قبل انطلاق مناقشة مخطط عمل الحكومة، وقد أطلق صافرتها الأمين العام للحزب العتيد، عمار سعداني، في لقاء مع أعضاء المجموعة البرلمانية لحزبه، عشية انتقال سلال إلى الغرفة السفلى، حيث دعا سعداني أمام نوابه، من يتحدث باسم الرئيس إلى التوقف.
الرجل الأول في الأفلان وإن لم يسم حنون بالاسم، إلا أن كل من سمع تصريحه فهمه على أنه موجه إلى زعيمة حزب العمال، التي تحولت برأي قياديين في الحزب العتيد، إلى ناطق رسمي “غير مكلف”، وقد جاءت حادثة الصدام الأخير، لتؤكد أن الحزبين يعيشان سباقا محموما حول من بإمكانه إظهار قربه أكثر من غيره من رئيس الجمهورية.
وإذا كان الصراع بين الأفلان وحزب العمال قد برز في أوضح صوره في الأيام الثلاثة الأخيرة بمبنى شارع زيغود يوسف، فإن صراعا آخر قد عاد إلى الواجهة لكن بشكل مقنع، وهو ذاك الذي نشب قبل أشهر بين الأمين العام للأفلان من جهة، والوزير الأول عبد المالك سلال من جهة أخرى.
فكل من سمع مداخلات نواب الحزب العتيد وانتقاداتهم لمخطط عمل حكومة سلال، شم رائحة صراع بالوكالة بين سعداني وسلال.. فعلى غير العادة، اضطر الوزير الأول إلى النزول من قصر الدكتور سعدان إلى الواجهة البحرية لشارع زيغود يوسف، ثلاث مرات في اليوم (الصباح والمساء والليل)، على مدار خمسة أيام (من الأحد إلى الخميس)، وهو “عقاب” لسلال، الذي يظل طيلة هذه المدة يستمع إلى انتقادات نواب الأفلان وغيرهم وما أثقل ذلك عليه.
تذمر النواب امتد أيضا إلى أحزاب أخرى لم تتوقف عن دعم الرئيس، مثل حزب “الحركة الشعبية”، و”تاج”، ومنطلقهم في النقد هو أن مساندتهم للعهدة الرابعة لم تجلب لهم ما كانوا يأملون.