خليدة تومي للشروق:المثقفون مسؤولون عن انصراف الجزائريين عن الكتاب
حملت وزيرة الثقافة خليدة تومي الطبقة المثقفة مسؤولية انصراف المواطن الجزائري عن اقتناء الكتب، وقالت في حوار لـ”الشروق”، بأنه “كان ينبغي على هذه الطبقة العمل على التأسيس لتقليد المطالعة”، كما استغربت تضخيم مسألة سعر الكتاب، قبل أن تبدي ارتياحها من التوافد الكبير الذي عرفته الطبعة الـ 15 من صالون الجزائر الدولي للكتاب والذي “يخدم صورة الجزائر”.
كيف تقيمين الطبعة الخامسة عشر من صالون الجزائر الدولي للكتاب؟
توافد الجمهور على الصالون أكبر دليل على نجاحه، وهدفنا هو خدمة الكتاب خدمة للشعب الجزائري، لأنني أظن بأن الشعب الذي يقف في طوابير طويلة من أجل الكتاب هو شعب عظيم، وهذه الصورة تخدم الجزائر، لأنها تعكس صورة الفرد الجزائري الذي يسعى لتنمية ثقافته، وبالتالي فأنا أرى بأنه لا خشية على هذا الشعب. أما بالنسبة للذين يقولون غير هذا، فهم أصحاب نظرة سوداوية إزاء الشعب الجزائري ويعاملونه على أنه شعب “غبي”.
هذا عن الإقبال، وبماذا تردين على الذين يعتبرون بأن أسعار الكتاب المرتفعة تحول دون ارتفاع نسب المقروئية في الجزائر؟
يجب أن لا نتحدث عن سعر الكتاب، لأن الكتاب الذي يباع بـ500 دج هو في متناول الجميع، وإذا كنا عاجزين عن توفير هذا المبلغ لشراء كتاب، فهذا يعني أن العيب فينا وليس في السعر، إلا إذا كان هؤلاء يبحثون عن اقتناء الكتب مجانيا، وهو في اعتقادي قمة العداء للكتاب، وعلى خلاف هؤلاء نجد الذين يحترمون الثقافة ويقبلون على الكتاب دون مراعاة جانب السعر.. أنا لا أشك في قناعة الشعب الجزائري بأهمية الكتاب، وإلا ما كان يقبل على المعرض بهذه الدرجة، لأننا لا نستطيع أن نجبره على زيارة الصالون الدولي للكتاب، والأمر الذي يجب أن نفهمه، هو أن الثقافة لها ثمن ويجب أن ندفعه، كما ندفع ثمن دخول الملعب لمشاهدة مباراة كرة القدم، ويجب أن نشتري تذكرة الدخول إلى المسرح وقاعات السينما، فما بالك بالكتاب؟
تبقى إشكالية السعر مطروحة بقوة، خاصة بالنسبة للطالب الجامعي الذي يفتقر إلى مدخول؟
لو سمعت هذا الكلام من فلاح سأتفهم الأمر، لكن إذا سمعت هذا الكلام من شخص درس بالجامعة ويدرك أن الكتاب أهم من الخبز فأنا أتأسف لذلك، لأنه يفترض أن أقبل بأن يمنع عني الخبز ولا يمنع عني الكتاب، وهذا يبعث على الخوف من شريحة الجامعيين، خوزي ساراماغو، أكبر أدباء البرتغال وهو من أكبر الأدباء في العالم، وصاحب جائزة نوبل سنة 2008، سئل ذات مرة: كيف تعلمت الكتابة؟ فرد بأن مدرسته الوحيدة هي قراءة الكتب.. جيل الثورة من آبائنا وأجدادنا الذين لم تتح لهم فرصة التعليم لا يعاب عليهم جهلهم بأهمية الكتاب، لكن نحن جيل الاستقلال عيب علينا أن نجهل ذلك، لأن الدولة علمتنا وبذلت مجهودات جبارة في سبيل ذلك، وإذا أنكرنا فضل وأهمية الكتاب فهذا يعني أننا لم ندرس، وبالنسبة لي، وهذه قناعة راسخة، أفضل أن أحرم من الخبز وألا أحرم من الكتاب، وعليه يجب أن نعمل معا من أجل توسيع الطبقة المثقفة، خاصة في ظل “دمقرطة” الالتحاق بالجامعة، وانطلاقا من هذا يجب أن يصبح الشعب الجزائري في غضون السنوات القليلة القادمة من بين الدول المتطورة التي تجاوزتنا حاليا بالعلم والتكنولوجيا.
ألا تعتقدين بأنه من الصعب ترجمة هذه القناعة في الواقع؟
هذا أكيد.. لكن من أين لي بهذه القناعة؟ أنا أتيت بها من مشاهدتي لهذا الإقبال الذي فاق كل الاعتبارات، اليوم هو يوم جمعة والأمطار غزيرة، إلا أن ذلك لم يمنع الجزائريين من المجيء واقتناء ما يحتاجون من كتب، وبالنسبة لي المشكل ليس في الشعب كشعب؟.
أين الخلل إذن؟
المشكل في فئة تدور في حلقة مفرغة، تنظر من مكاتبها وبروجها العاجية إلى هذا الشعب.. أظن بأننا محتاجون لتغيير في ذهنيات الطبقة المثقفة التي يجب أن تقنع نفسها أولا بضرورة توفير ميزانية لتغذية العقول، وهنا أتساءل: إذا لم تبادر الطبقة المثقفة إلى تنشئة أبنائها على المطالعة وإلى التأسيس لهذا التقليد، فمن سيبادر إلى ذلك يا ترى؟.. يجب أن نفكر في تغذية عقولنا بقدر حرصنا على تغذية أجسامنا، ويجب أن نقتنع بضرورة أن ندخر لشراء الكتاب.
هل تظنين بأن الخطوة التي انتهجتها وزارة التربية قد تكون بداية التأسيس لفعل القراءة في الجزائر؟
الخطوة جد إيجابية، وأشكر الوزير أبو بكر بن بوزيد الذي استحدث إجبارية قراءة أربعة كتب في السنة ضمن المقرر الدراسي وهو قرار سيدخل حيز التطبيق انطلاقا من السنة القادمة، وهذا من واجبات وأولويات المدرسة، لأنه إذا لم تضطلع المدرسة بمهمة تعليم أولادها، من سيقوم بهذا الدور؟.. هذه رسالة ويجب على المدرسة أن تلتزم بها، خاصة وأننا نتوفر على الإمكانات اللازمة لبلوغ هذه الغاية، يبقى أنني أشدد على دور الطبقة المثقفة التي ينبغي أن تعمل على تحرير الجزائريين من نظرة التشاؤم حيال الواقع الثقافي للبلاد.
يعني هذا أنك تحملين الطبقة المثقفة المسؤولية؟
نعم وبشدة، أظن أن المشكل لا يكمن في الشعب بقدر ما هو في المثقف الجزائري، الدولة طرف في هذه المعادلة، لكن أظن أنها قامت بدورها على أحسن وجه، من خلال تنظيم معارض تحتفي بالكتاب ودعمه، ويبقى هذا واجب علينا ويجب أن نلتزم بمسؤولياتنا.
هل حققت وزارة الثقافة الهدف من الإستراتيجية التي كانت قد شرعت في تطبيقها قبل سنوات بخصوص الكتاب؟
أكيد، شرعت وزارة الثقافة لدى احتضانها لتظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربية في تدعيم سوق الكتاب والنشر، وهذه المبادرة تحولت الآن إلى سياسة قائمة بحد ذاتها، لأنها أثبتت نجاعتها، ويجب أن تبقى سياسة مستقلة عن الأشخاص. وتجدر الإشارة إلى أن الدولة تخصص من خلال وزارة الثقافة ميزانية سنوية للكتاب والقراءة، لكن هذا لا يكفي في نظري، لأن الكتاب قضية الجميع، وأكرر فأقول: احرميني من الخبز ولا تحرميني من الكتاب.