-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

خيبةٌ أدبيّة

خيبةٌ أدبيّة

كنتُ أقلّبُ بعض ملفّاتي، فوجدتُ من ضمنها رسالةً موجَّهة إلى الأخ الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي– رحمه الله- من “مؤسسة جائزة عبد العزيز البابطين للإبداع الشعري”، وتاريخُ الرسالة هو 29- 05- 2007.

كان من أماني الإمام الإبراهيمي أن تُجمع قصائدُ الشاعر الكبير محمد العيد آل خليفة، وتُطبع في ديوانٍ لقيمتها الفنّية، وأهمّيتها التاريخية، فقد واكبتْ حرب الجزائر الحضارية ضدّ عدوّ الحضارة فرنسا الصليبية، ولكنّ منيّة الإمام حالت دون تحقيق أمنيته، فتوفاه الله في 20- 05- 1965. وقدّر اللهُ– عزّ وجلّ- أن يحقّق الدكتور أحمد طالب– عندما تولّى وزارةَ التربية- أمنية والده، وكلّف بذلك لجنةً من الشعراء من أصدقاء الإمام.. وكان صدورُ هذه الطبعة في 1967، وقد نفدَت بسرعة لقيمة الشاعر وقيمة شعره فنّيا وتاريخيا؛ فهو تصويرٌ لصراع الجزائر مع عدوّتها فرنسا.

في بداية التسعينيات، تعرّفتُ مباشرة على الأخ الدكتور أحمد طالب، وكان ممّا حدّثني عنه أمران هما:

1- إعادة طبع آثار والده، الإمام محمد البشير، المطبوع منها وما عُثر عليه بعد الطبعة الأولى، وأخبرني أنه اختار الحبيب اللمسي، صاحب “دار الغرب الإسلامي” في بيروت لتنفيذ هذه الطبعة الجديدة، وهو ما حدث.

2- إعادة طبع ديوان محمّد العيد، مضافا إليه ما عثر عليه الدكتور بن سمنية، وسمّاه “العيدياتُ المجهولة”، ولكنّ الحاج اللمسي فضّل أن يُسمَّى “تكملة محمد العيد”.

في زيارة للدكتور طالب إلى الكويت، التقى الشاعرَ عبد العزيز البابطين، واقترح عليه إصدار طبعةٍ جديدة كاملة لديوان محمد العيد، ليضمن له توزيعا واسعا على المكتبات الجامعية والوطنية في العالم العربي لما للمؤسسة من إمكانات.

بمجرّد عودة الدكتور طالب إلى الجزائر، حدّثني أنه بدأ في تحقيق ما اقترحه على الأستاذ عبد العزيز البابطين، لأنّ هذا أرسل الرسالة المشار إليها أعلاه مقترحا إخراج الديوان وتكملته في مجلّد واحد، قدّر أن يبلغ عددُ صفحاته 762 صفحة، وأن تُرتَّبَ قصائدُ الديوان ترتيبا تاريخيا، وأن تُرتّب قصائد التكملة ترتيبا موضوعاتيّا، وكان الدكتور طالب ينوي أن تُرتّب القصائدُ كلها ترتيبا ألفبائيًّا، كما اقترح السيد البابطين أن يصدر العمل بمقدمة للدكتور لصلته وصلة والده بالشاعر وديوانه، وآخر ما اقترحه السيد البابطين أن تُرسل إليه وثيقة من ورثة الشاعر بنزولهم عن الحقوق المادّية، لأنّه لا يطبع الديوانَ للتجارة.

طلب منّي الدكتور طالب أن أتّصل بأحد أبناء الشاعر محمد العيد، فاغتنمتُ فرصة وجودي في بسكرة للمشاركة في ملتقى الإمام محمد لخضر حسين، وطلبتُ من الأخ محمد بن سمنية أن يلاقيني بأحد أبناء محمد العيد، فيسّر لي ذلك، وزرتُ أحدَ الأبناء في بيته، وعرضتُ عليه الأمر.

صمت برهة ثم صدمني بقوله: “لا بدّ أنّ أستأذن الرئيس بوتفليقة، وأطلب منه أن يكتب هو المقدّمة”، وفهمتُ أنّ هذا الشرط للتخلّص من التعهّد بالنزول عن الحقوق المادية.

قلتُ لابن الشاعر إن بوتفليقة ليس من “عالم” والدك، وليس له القدرة على كتابة مقدّمة لكتابٍ عاديّ فضلا عن ديوان شعر الفحل الملتزم.. وودّعتُ الرجل وقلبي يعتصرُ ألمًا لما سمعت، وشاركني الدكتور طالب في هذا الألم، وبعد أمّةٍ صدر الديوانُ في طبعتين، إحداهما سيّئة بجميع المقاييس، وثانيتهما في ثلاثة أجزاء بإخراج جيّد، وكلتا الطبعتين بتقديم بوتفليقة الذي أجزم بأنهما ليستا من تفكيره ولا من تعبيره.. وضاع علينا نشرُ شعر محمد العيد وتوزيعُه على كبريات المكتبات. رحم اللهُ الإخوة أحمد طالب ومحمد ابن سمنية والحبيب اللمسي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!