الرأي

داء العطب قديم

“السلطان” المغربي عبد الحفيظ بن الحسن ثار على أخيه عبد العزيز، وأسقطه عن عرش أسلافه “المنعّمين” في سنة 1907، لأنه – كما ادعى عليه – فرّط في جنب المغرب، ولم يدافع عن سيادته، وخضع لمؤامرات فرنسا وإسبانيا.. والأوربيون أعدى الناس لبعضهم، إلا إذا تعلق الأمر بدولةٍ مسلمة نسخوا عداوتهم لبعضهم وصاروا أصدق الأصدقاء، وكم في حوادث التاريخ من عبرة، ولكن أكثرنا لا يعتبرون، ولا يبصرون لا بأبصارهم ولا ببصائرهم.

كان عبد الحفيظ، عندما أسقط أخاه وحل محله، يسمي نفسه أو يسميه المتملقون من الأتباع “سلطان الجهاد”، كما سمّى غيرُه نفسَه “المجاهد الأكبر”.. ويا ضيعة الجهاد عندما يدّعيه أمثال هؤلاء “الزعماء” الذين لم يستطيعوا أن يجاهدوا شهواتهم، فأنستهم ذكرَ ربِّهم، وألهتهم عن حقوق شعوبهم وأمَّتهم، فضلا عن أن يجاهدوا أعداء شعوبهم، جهادا هو فصلٌ وليس بالهزل. ولكن الدعاية المضلّلة والنفاق السياسي، وشراء الذمم واستنزال الهمم، كل أولئك يجعل أجبن الجبناء أشجع الشجعان، ويصوّر ألأم اللّؤماء في صورة أشرف الشرفاء، وإن كنتَ في ريب مما أقول فاسمع لأحد المتملقين يصف هذا السلطان – الذي لم يستطع حماية كرسيّه – بأن الأمم “دانت له”، فيقول (1):

أنظر مآثر من دانت له الأمم      هي المفاخر، لا ما شاده هرم

ليس المعالي سوى ما شاده ملك   بدر الملوك ومن تسمو به الهمم 

عبد الحفيظ به الأيام فاخرة        وكل من قد قضى من قبله وهم 

وقد وصل الذل والمسكنة بهذا السلطان “الهمام” إلى درجة مدح فرنسا التي أنزلته عن عرش أسلافه، وأذلّته إلى درجة رمي طابعه في البحر، وصل به هذا الذل إلى أن مدح فرنسا الظالمة المعتدية على شرفه الشخصي وشرف وطنه وقومه، وصفها بقصيدة سماها “العصماء”، ومنها قوله (2): 

فرنسا نصرت العدل لما أضاعه     هنا وهناك تابع ومُتوّج

فكان جزاء النصر نصر ورفعة      ومجد مشيد فيه مدحك يُنسج

فرنسا افخري إذ أنت أحرزت رفعة على الغير بالخير الذي منك ينتج 

نسيم رضاك للعليل شفاؤه           وودّك كنز للهموم مفرج 

أتخشى فرنسا الضيم يقرع بابها      ومنها علمنا ما به الذل يخرج 

وما قلت إلا النزو مما علمته   بإخلاص وُد كاد بالروح يمزج 

استولى عبد الحفيظ على الحكم، ووجد الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والعلمية في أسوإ الحالات، ولعله حاول إصلاح ما أفسده سابقوه من سلاطين وأمراء ووزراء وقادة جيش فوجد الخرق قد اتّسع على الرّاقع كما يقال، ولم يجد عنه المغاربة من أعلاهم إلى أدناهم من العزم ما يواجه به القوى الأوربية التي اتفقت في مؤتمر الجزيرة في سنة 1906 على اقتسام المغرب، وقد اعتبر بعض المؤرخين ذلك المؤتمر حكما على المغرب بالإعدام (3)، وكان جُزأه الأكبر من نصيب فرنسا، وكان جزأه الشمالي –الريف- من نصيب إسبانيا التي ألحقته بمدينتي سبتة ومليلة والجزر الجعفرية المحتلة منذ القرن الخامس عشر، رغم أنف هذا الـ”شباط”، زعيم ما يسمى “حزب الاستقلال”، الذي يتعنتر – كالقط يحكي صولة الأسد– على الجزائر، وموريتانيا، والصحراء الغربية، والسنغال، ومالي كما صرح مؤخرا، وهو في “حمقه” يشبه بعض سياسيينا السابقين، الذين دفعوا ثمن “حمقهم”، والحاليين الذين هم ليسوا من السابقين ببعيد، فاللهم قرِّب آجالهم السياسية، وأرحنا من “هدرتهم” و”أشكالهم”. 

جاء هذا السلطان – عبد العزيز– لـ”يجاهد” فرنسا، فوجد نفسه أعجز من أن يدفع المعتدين عن “كرسيِّه”، ضد الثائرين على الحكم المغربي بقيادة الجيلالي الزرهوني، الذي تسمِّيه الرواية المغربية الرسمية والمتبنُّون لها من المغاربة “بوحمارة”، وضدّ بعض القبائل الأخرى..  

فكَّر “سلطان الجهاد” وقدَّر، وعلم أن الجهاد ليس “لعبة صغار”، فرأى أن يستنجد بفرنسا لتحميه، وهو الذي جاء إلى السلطة ليحاربها، ولكنه تذكر شعار النواسيّ القائل: “وداوني بالتي كانت هي الداء”، وهنا صار “سلطان الجهاد” في رأي بعض المغاربة “خائنا”، ولولا حماية فرنسا له لصُلّب وقُطع من خلاف… ونزل “جلالته” عن العرش بعدما وقّع معاهدة “الحماية” مع فرنسا، التي هي “استعبادٌ” بغير اسمه، وكان ذلك في 30 مارس 1912، حيث أنزل عن “العرش” لأخيه محمد الزين، ثم لأخيه يوسف، الذي لم تسجد له لا الشمس ولا القمر ولا الكواكب، وإنما هو – ومن جاء بعده- هم الذين “سجدوا” لفرنسا. 

قبل أن يوقع “السلطان” “المعاهدة” مع فرنسا أراد أن يضمن لنفسه ولعائلته ما يسمح له بالعيش في رُفهنيّة، ووصل به الأمر – في بعض الروايات– أن أرسل سرا وزيره للمالية إلى باريس “مُظهِرا أنه قد ذهب للتداوي من الفتق، ويظهر أنه ذهب لاستعطاف حكومة فرنسا حول الراتب الذي يكون للسلطان بعد تنازله (4)”. 

ذهب “جلالته” إلى فرنسا ليستمتع بخلاقه كما استمتع الذين من قبله والذين جاءوا من بعده بخلاقهم، وقد ذكر بعض الكتاب أن ثروة “سلطان الجهاد” قدّرت بـ”نحو نصف مليار (5)”، بقيمة ذلك الزمان، وقد رأيت بعض صوره ضمن كتاب “السيرة البيبليوغرافية للمولى عبد الحفيظ…” مع المجتمع “المخملي” في باريس، صحبة بعض المغاربة، و”مستشار الجمهورية” الفرنسية قدور ابن غبريط، الذي ما ندري سبب وجوده معه(؟!).

يلتمس بعض الناس العذر للسلطان عبد الحفيظ على تقاعسه عن الجهاد الذي جاء لإعلانه بأنه لم يجد تعاونا من المحيطين به، فقد كانت بطانته لا تأمر بالمعروف، ولا تأتيه كأكثر بطانات أكثر “الملوك” و”الأمراء” و”الرؤساء”، كما لم يجد استجابة من الجماهير التي استحوذ عليها الخُرافيون وآكلو التين بالدين، كما جادل “السلطان” عبد الحفيظ عن نفسه، وأنحى باللوائم على شعبه خاصته وعامته، فقال: (6)

أآمر بالقتال وجلّ قومــــــي      تيرى أن “الحماية” فرض عين

أآمر بالجهاد ومال قومــــي      تلاشى في لذائذ خصلتين 

بإسراف في النكاح وشرّ أكل    فلا تُرجى الكنوز لغير دين 

وإن أدعى الجبان لعجز قومي    فمن قاسى جيوش القصبتين؟

لقد كان من أسباب وقوع المغرب تحت الحكم الأجنبي إسراف حكامه وتبذيرهم كباقي حكام المسلمين، وابتعادهم عن العدل، الذي كان المغاربة متعطشين له، وكانت “ضالَّتهم المنشودة العدل العدل العدل (7)”. كما يؤكد محمد الحجوي الثعالبي، الشاهد على تلك الحوادث، وقد نعود لـ”سي الحجوي” الذي انسلخ من آيات الله التي آتاه. 

وقد كتب “سي عبد الحفيظ” رسالة يُبرِّئ فيها نفسه، ويلقي باللوائم على غيره، فالحاكم عندنا “مبرّأ” من الخطإ، وإنما يبوء بأخطائه وخطاياه غيرُه من المنفذين لسياسته الرعفاء والسفيهة التي تصير على ألسنة “جبناء الوظيفة” “حكيمة ورشيدة” والذي أعجبني في هذه الرسالة هو عنوانها “داء العطب قديم”، وما تزال هذه الرسالة – فيما نعلم – مخطوطة إلى الآن. 

إن هذا الداء هو الذي سماه مفكِّرُنا مالك ابن نبي “القابلية للاستعمار”، وقِدم هذا “العطب” كما يذهب الأستاذ ابن نبي يعود إلى “ما بعد عصر الموحدين”، وهو ما يزال مستمرا فينا إلى الآن، حكاما ومحكومين، فالديمقراطية غائبة، والعدل مفقود، والانتخابات باعتراف بعضهم مغشوشة، والتبذير منتشِر رغم دعوى التقشُّف الذي لا يمس إلا المسحوقين، والجهل بمعنييه هو السيد، والركون إلى هذه الدولة أو تلك مستعلن، والجهوية هي السائدة… وحدث عن أعطابنا ولا حرج.

1) د. عبد المجيد خيالي: السيرة البيبليوغرافية للمولى عبد الحفيظ…” ص 36.

2) المرجع نفسه ص 109

3) د. حميد الصّولبي: نظرية التحديث في الفكر المغربي.. ص 144.

4) آسية بنعدادة: الفكر الإصلاحي في عهد الحماية.. ص 155.

5) المرجع نفسه.. ص 156.

6) عبد المجيد خيالي .. مرجع سابق .. ص 90.

7) حميد الصّولبي – مرجع سابق.. ص 211.

******************************

* ذكر بعض الكتَّاب أن ثروة “سلطان الجهاد” قدّرت بـ”نحو نصف مليار”، بقيمة ذلك الزمان، وقد رأيت بعض صوره ضمن كتاب “السيرة البيبليوغرافية للمولى عبد الحفيظ…” مع المجتمع “المخملي” في باريس، صحبة بعض المغاربة، و”مستشار الجمهورية” الفرنسية قدور ابن غبريط، الذي ما ندري سبب وجوده معه(؟!)

مقالات ذات صلة