دارمانان لا يذكر سوى انشغالات فرنسا لدى الجزائر!
كعادته، يحاول الطرف الفرنسي في كل مرة إعطاء الانطباع بأن الزيارات التي تقود مسؤوليه ووزرائه إلى الجزائر، على أنها كانت محطة لبحث القضايا التي تهم الجانب الفرنسي فقط، في محاولة لترسيخ سردية مفادها أن الجانب الجزائري لا مسائل عالقة بالنسبة إليه، وذلك بالرغم من أنها موجودة، بل ومتراكمة.
ويجسد هذا، التصريحات التي صدرت عن وزير العدل حافظ الأختام الفرنسي، جيرالد موسى دارمانان، بعد ختام زيارته إلى الجزائر وعودته إلى باريس، والتي تصب في اتجاه واحد، حيث استفاض في الحديث عن الرعية الفرنسي، كريستوف غليز، المدان بسبع سنوات سجنا في قضية لها علاقة بدعم الإرهاب والإشادة به.
محلل دبلوماسي: تصريحات انتخابوية موجهة للرأي العام الداخلي
دارمانان ولدى نزوله ضيفا على قناتي “CNews” و” Europe 1″ المحسوبتين على اليمين المتطرف، تجاهل كل الانشغالات التي وضعتها الجزائر على طاولة المباحثات خلال الزيارة، وراح يتحدث بلغة يغلب عليها الكثير من المكر والنفاق السياسي، وهو يتحدث عن كريستوف غليز، قائلا: “لقد أكدنا مجددا على ضرورة إعادة كريستوف غليز ليس إلى فرنسا، بل إلى والدته”.
كما استعطف في تصريحاته الرئيس تبون من أجل التجاوب مع هذا الانشغال الفرنسي، عندما أشار إلى أن الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، “سيكون متفهما لهذا الأمر على أي حال (…) أثق به في القيام بذلك”، كما قال إنه “مطمئن للغاية” بشأن الطريقة التي “يتم بها التعامل” مع الرعية الفرنسي، وذلك في حوار له الثلاثاء 19 ماي الجاري.
وبالمقابل، لم يشر المسؤول الفرنسي إلى قضية الموظف القنصلي الجزائري الموجود في السجن بفرنسا منذ أزيد من سنة، والذي تنتظره هو بدوره زوجته وأولاده وعائلته الكبيرة، والتي ستقضي العيد للمرة الثانية على التوالي من دونه، بسبب مؤامرة حاكها وزير الداخلية الفرنسي السابق، برونو روتايو، ثم غادر الحكومة تاركا إياها بمثابة قنبلة موقوتة على طريق العلاقات الثنائية.
وبينما استفاض في الحديث عن الانشغالات الفرنسية من قبيل استلام المتهمين فيما تسمى فرنسيًّا “مافيا دي زاد”، والذين يقال إنهم موجودون في الجزائر، لم يشر إطلاقا إلى قضية المطلوبين من قبل القضاء الجزائري، الموجودين على التراب الفرنسي، من الذين صدرت بحقهم قرارات نهائية، على غرار وزير الصناعة الهارب، عبد السلام بوشوارب، والمتورطين في قضايا جنائية تتعلق بضرب استقرار البلاد واستهداف أمنها ووحدتها الترابية، وهي القضايا التي أكد الجانب الجزائري في وقت سابق، أن باريس لم تتعاون في 61 إنابة قضائية بشأنها.
كيف يمكن قراءة هذه التصريحات وهل من شأنها إحداث اختراق على مستوى الطرف الآخر ممثلا في الجزائر؟
يرى مختص دبلوماسي تحدثت إليه “الشروق”، أن المفاوضات في الملفات العالقة والحساسة تتم خلف الأبواب المغلقة، ومن ثم فما صدر عن جيرالد دارمانان، لا يؤشر بالضرورة على حقيقة ما يحصل، وقال إن “تصريحات وزير العدل الفرنسي كيفما تمت قراءتها، فهي موجهة للرأي العام الفرنسي، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بقضية تضغط بقوة على إدارة ماكرون، وهي قضية الصحفي كريستوف غليز، غير أن الحقيقة كاملة تبقى عالقة وراء الأبواب المغلقة”.
كما أن تلك التصريحات جاءت لمنابر إعلامية محسوبة على اليمين المتطرف، الذي عادة ما يتهم الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بالخضوع للجزائر، ومن ثم فهو يسعى إلى تقديم إشارات إلى نجاح زيارته التي لم تكن محل إجماع في فرنسا، لكن قرار العفو يبقى بيد الرئيس تبون، لاسيما وأن للجزائر مطالب أخرى لا يمكن التفريط فيها.
وقرأ المحلل الدبلوماسي تلك التصريحات أيضا على أنها تحركها الرغبة في تحقيق “مكاسب سياسية”، لأن إبراز نقاط إيجابية كمخرجات لهذه الزيارة من شأنها أن ترفع من أسهمه كشخصية سياسية نجحت في تحقيق إنجاز، لاسيما وأن جيرالد دارمانان، لا يستبعد أن يكون مرشحا للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، عن معسكر الرئيس الفرنسي (حزب النهضة)، الذي يسعى إلى الاحتفاظ بكرسي الرئاسة بعد نحو سنة من الآن.
أما المعطى الآخر الذي أشار إليه المختص، فيتمثل في أن “كل طرف من حقه أن يركز على الانشغالات التي تهمه، ويترك بقية الانشغالات للطرف الآخر، الذي يتعين عليه شرحها وتوضيحها للرأي العام الخاص به، وهذا أمر معلوم في الأعراف الدبلوماسية والعلاقات بين الدول”.