“داعش” توقظ وحش الفاشية النائم
في الدقائق الأولى من بداية العمليات التي أرعبت باريس وفرنسا، كانت دولة القانون الفرنسية قد هرعت إلى تفعيل آليات حالة الطوارئ الاستثنائية، واستدعاء الجيش وكأن البلد قد تعرض لهجوم كاسح من قوة عظيمة، لتحرك آلة إعلامية مدربة مدجّنة استدعت نشطاء “الإسلام فوبيا” لصناعة الخطاب الذي تحتاجه الدولة الفرنسية لتفعيل أدوات الملاحقة والقمع خارج القانون، لنشاهد كيف أن دولة القانون لم تصمد ساعة واحدة أمام أول امتحان حقيقي لها. وشاهدنا كيف نفذ الأمن الفرنسي مئات عمليات الدهم لبيوت أهل الضاحية، بقرار إداري استبعد عنه القضاء.
وسيق العشرات من المعتقلين إلى جهات استنطاق مجهولة خارج رقابة القضاء، تماما كما تفعل أي سلطة ديكتاتورية في بلد يحكمه الاستبداد، فيما يحضّر لحملة واسعة تطال غلق مساجد المواطنين الفرنسيين المسلمين، والتفكير في وضع الآلاف منهم تحت الرقابة الجبرية، أو تجهيزهم بسوار الرقابة الإلكترونية، وأخيرا سحب الجنسية منهم.
عملية واحدة، بتعداد من القتلى لا يتجاوز قتلى يوم واحد من غارات النظام السوري، والروس، والتحالف على المدن السورية، ألزمت الرئيس الفرنسي بدعوة برلمانه إلى عقد جلسة استثنائية عرض خلالها ترسانة من الإجراءات القمعية، ومنها مشروع لتعديل الدستور، يسمح بتفعيل أدوات حالة الطوارئ بصورة دائمة، وإطلاق يد الآلة البوليسية للملاحقة والدّهم والاعتقال خارج الرقابة القضائية، كما يفعل أحقر نظام استبدادي في جمهوريات الموز.
ولأن فرنسا لا تزال تمتلك بعض بقايا القوة العظمى، فقد سارع طيرانها الحربي إلى تنفيذ عشرات الغارات على مدينة الرقة السورية بحجّة تأديب تنظيم “الدولة”، الذي تبنى العملية كما تبنت القاعدة من قبل أحداث 11 سبتمبر، ولأن فرنسا ـ يقول رئيسها ـ هي اليوم في حرب مع تنظيم “الدولة”، ومع شريحة من مواطنيها، فإنها ملزمة باتخاذ الوسائل التي تسمح بكسب الحرب، بخرق الخطوط الحمراء للشرعية الدولية، وانتهاك سيادة الدول، وتعطيل قوانين دولة القانون في الداخل باعتماد ما يشبه “الباتريوت آكت” الأمريكي.
وسواء كانت العملية من تدبير تنظيم “داعش”، أم هي عملٌ منفرد لمجموعة من المواطنين الفرنسيين الذين تقطعت بهم السبل في ضاحية الإقصاء والتهميش، فإنها قد نجحت في تحقيق كامل أهدافها، ليس فقط بترويع الشعب الفرنسي، ولا بفضح المنظومة الأمنية الفرنسية التي كانت إلى وقت قريب تنظر باستعلاء إلى شقيقاتها في الجزائر وتونس ومصر، ولا حتى في تعرية عورات دولة القانون المزعومة، بل إن تنظيم “داعش” ـ إن كان هو المدبر ـ يكون قد كسب معركة إعلامية لم يكن يحلم بها، بنشر رسالة تولى خصومُه نقلها، تقول لأهالي الملايين ممن قتلتهم الحكومات الغربية الإرهابية في أفغانستان، والعراق، وليبيا، والصومال، وسورية: وازنوا بين هرولة حكومات العالم في الشرق والغرب، وجميع المؤسسات الدينية بما فيها المؤسسات الإسلامية، إلى مواساة الشعب الفرنسي ودعمه، ومشاركته في البكاء والنحيب على 130 ضحية، بينما ظلت صامتة منذ 2001 عن جرائم أمريكا والغرب في أفغانستان، والعراق، وليبيا، وقبلها وبعدها حيال جرائم النازية الصهيونية في فلسطين المحتلة.