العالم
"الشروق" تصل إلى مشارف معاقل التنظيم وتكشف:

“داعش” يستعد لإطلاق “دامش” من ليبيا والزحف على المغرب العربي

الشروق أونلاين
  • 18226
  • 0
الشروق

حينما ثار الليبيون في 17 فبراير 2011 على 42 سنة من الحكم الشمولي للقذافي، كانوا يحلمون بإنهاء الديكتاتورية وإقامة حكم ديمقراطي وانتزاع حقوقهم الأساسية، لكن، بعد مرور أربع سنوات من الثورة، يكتشف الليبيون أن بلدهم قد غرق في الفوضى والتناحر، وأن تنظيم “داعش” قد عشش في عدة مدن، وهو يستعد لإطلاق “دامش” أو “الدولة الإسلامية في المغرب والشام”، حيث تستولي على ليبيا كلها، ثم تتمدد باتجاه المغرب العربي ودول الساحل. وهذه تفاصيل مخطط “داعش” كشفتها مصادر أمنية ليبية لـ”الشروق” حينما رافقتها في جولة ميدانية إلى مشارف بعض معاقل التنظيم.

 

موت العقيد يعيد التنظيمات الإرهابية  

ميدانيا، قد يتحدّث البعض عن تواجد التنظيمات الإرهابية في مناطق معروفة مثل درنة وسرت في الشرق، غير أن ما لاحظناه خلال تواجدنا في منطقة الشرق أن هذه العناصر قد تمكنت من جزء كبير جدا من منطقة الشرق عن طريق خلايا نائمة وزّعتها عبر مختلف المناطق مثل البيضاء والابرق، المناطق التي تقع تحت سيطرة الجيش والتي تتواجد بها أكبر الهيئات الرسمية كهيئة صياغة الدستور الليبي، ومجلس الوزراء، ومقرات الأمن وجهاز المخابرات وغيرها. 

 وكثيرا ما كنت اسمع ليلا صوت اشتباكات قوية تستعمل فيها مختلف أنواع الأسلحة داخل المدن، لنكتشف في الأخير أن قوات الأمن تمكنت من كشف خلية نائمة تتمركز غالبا داخل منازل المواطنين في الأحياء الشعبية السكنية، دون أن ننسى الحديث عن السيارات المفخّخة التي بات التنظيم يلجأ إلى وضعها في العديد من الأماكن التي تقع فيها أكبر التجمعات، مثل ما قاموا به بمنطقة القبة التي راح ضحيتها أكثر من 40 شخصا، وكذا استهدافهم للمسيرات، وقد أخبرني أحد المرافقين أن التونسيين هم الأكثر قياماً بالعلميات الانتحارية في ليبيا طلبا لـالشهادةعبر أشلاء الليبيين.

 واللافت للانتباه أن أجهزة الأمن لا تمتلك وسائل متطورة لصدّ هذا النوع من العمليات الانتحارية، كالأجهزة الكاشفة للمتفجرات وهذا راجعٌ إلى حظر السلاح المفروض على ليبيا. 

وعن الخلايا النائمة الموجودة في كل مكان داخل منطقة الشرق، أخبرني مرافقنا أنه راجع إلى عودة معظم الجهاديين الذين كانوا موجودين خارج ليبيا وهم من القيادات المهمة التي أدارت كبريات العمليات النوعية في أفغانستان والعراق وسوريا، رؤوس كانت مقربة جدا من زعماء تنظيمات إرهابية مثل أسامة بن لادن والبغدادي حاليا، وهي نفس الرؤوس والخلايا النائمة التي حرمها العقيد الراحل معمر القذافي من التواجد داخل ليبيا لأعوام، بل وقضى على الكثير منها في عقر دارها، ما جعلها بعد وفاته وانهيار الدولة تعود مجددا، لكن هذه المرة أكثر قوة. 

 

“الشروق” تصل إلى مشارف منطقة درنة 

وعن أقوى التنظيمات والكتائب الموجودة في مناطق عديدة من شرق ليبيا، يقول مرافقي وهو أحد عناصر المخابرات الليبية، أنها تنظيمات وجدت أرضية خصبة وجيدة لها أياماً فقط بعد رحيل القذافي، حيث انهارت الدولة وجميع مؤسساتها وعجزت ليبيا عن بنائها في وقت تخلّى عنها الجميع، فكانت أول منطقة يعرفونها جيدا وتضاريسها تخدمهم أكثر هي منطقة درنة التي كانت سابقا مقبرة لهم جراء ضرب طائرات العقيد لمعاقلهم وقتل أعداد كبيرة منهم. 

الوصول اليوم إلى مشارف منطقة درنة يعتبر أمرا خطيرا للغاية، خاصة وأن أي شخص مجبر على المرور على منطقة القبة التي تشهد محاولات تفجير يومية وخلايا نائمة كثيرة، زيادة على منطقة عين مارة التي كثيرا ما حاولت الجماعات التسلل عبر الغابات والدخول إليها، وقد كانت نفس المعاقل التي راهنّا بحياتنا ودخلناها، وحاول الجيش أن يوفر لنا اكبر نسبة ممكنة من الحماية للدخول إلى اكبر المعاقل التي كانت وكراً لهؤلاء. 

معظم تلك الأوكار تقع بمحاذاة منطقة درنة بأقل من 3 كلم، حيث أمكننا رؤية المدينة من أعلى الجبال الموجودة هناك، والتي تشهد جبهاتها تقدّم الجيش نحو المدينة في محاولة لاسترجاعها، ولم نصدّق ونحن ندخل الكهوف التي كان التنظيم يتخذ منها مأوى له، أخبرنا أحد العقداء أنهم يحتمون تحتها لصد أي هجوم أو قصف جوي ضدهم من قبل الجيش، كما كانت تُستعمل كأماكن لتخزين وإخفاء كل أنواع الذخائر بكميات كبيرة استرجع الجيش جزءا كبيرا منها، واكتشف حسب ما قيل لنا أنها من دولة غربية وعربية تعمل على تمويل هؤلاء، وترسل لهم عبر الشريط الساحلي بواخر محمّلة حتى بالسيارات العسكرية.

حاولنا التقدم أكثر إلى الطريق الذي يدخل إلى منطقة درنة معقل أنصار الشريعة الذين بايعوا داعش، الطريق إلى هناك توصل عبر مسالك جبلية وعرة جدا، كنا نمشي بحذر شديد خوفا من عمليات التفخيخ، فكثيرا ما يفعلها هؤلاء بعد أن ينسحبوا من مناطقهم بهدف قتل أكبر عدد ممكن من أفراد الجيش، كما كان لدينا هاجس خوف من عمليات تسلل تلك الجماعات، لأنها كثيرا ما قامت بذلك ليلا ونهارا ومهمتها خطف الجنود وذبحهم والتنكيل بهم داخل شوارع درنة. بعد دقائق من المشي وصلنا إلى اقرب طريق يوصل إلى المدينة، وقفنا على خروج سيارات حاول الجيش ردعها رميا بالأسلحة الثقيلة، كما لاحظنا تحرك تلك الجماعات داخل أحد المساجد، بقيت مستغربة، بل مندهشة، لأنني لأول مرة أقف مباشرة على خط النار مع أنصار الشريعة، وأرى بأم عيني تواجدهم وتحركاتهم داخل المدينة.

 

بلحاج يحاول إسقاط الشرق

خلال تواجدنا بمنطقة الشرق، قصدنا غرفة عمليات الجيش هناك والتي هي تحت قيادة العقيد فرج البرعصي، الشخص الذي قاد عملية تحرير منطقة بنغازي، ويثني المواطنون كثيرا على دوره الكبير وحنكته في الدخول إلى العديد من المناطق التي كانت محرّمة من قبل، بل وكانت مصنفة في خانة المناطق التي تخضع لسيطرة أنصار الشريعة مثل منطقة الصابري وسوق الحوت والعمارات وغيرها، فبعض المناطق تم تحريرها والبعض الآخر لايزال العقيد رفقة جيشه يخوض لاستعادتها حربا ضروسا ضد هذه التنظيمات، وهنا سألت أقرب مرافقي العقيدأيمنعن التنظيمات الموجودة؟ ليجيبني أنها كتائب سرايا راف الله شحاتي وكتيبة شهداء 17 فبراير وميليشيا درع ليبيا 1 ومجلس شورى ثوار بنغازي، وهو مظلة لجماعات متشددة أبرزها الجماعة الإسلامية المقاتِلة، وغيرها من الكتائب التي أعلنت الولاء لتنظيمداعش“.

أما عن الدعم بالسلاح الذي تلقاه هذه الجماعات وقوتها على أرض الميدان، فرد محدثي أن التنظيم انشأ في شرق ليبيا 4 معسكرات تدريب منهاالملاحمفي درنة والنوفلية جنوب سرت وخليج بردة والجبل الخضر، معسكرات يشرف عليها أمراء من أنصار الشريعة، مضيفا أن هناك العديد من الرؤوس التي تساعدهم وتوصل السلاح لهم عن طريق العديد من النقاط: “عبد الحكيم بلحاج ومن معه يسيطرون على العديد من النقاط الهامة والحساسة في البلاد مثل مطار معيتيقة وميناء مصراته، مراكز يتم عن طريقها جلب السلاح من قطر وتركيا والسودان وغيرها، زيادة على أن نفس تلك النقاط المهمة تساهم في دخول أعضاء تنظيمات إرهابية سواء الرؤوس الكبيرة المدبرة أو المقاتلين الذين يتم تدريبهم في معسكرات خارج ليبيا أكبرها الموجودة في السودان، وحتى المقاتلين الذين شاركوا في أكبر الحروب منها العراق وأفغانستان وسوريا، ولا ننسى أن هؤلاء تلقوا تدريبات مهمة ذات مستوى عال على كل أنواع السلاح ومتمكنون داخل الجبهات“.

ليضيف محدثنا أن هذا الدعم الكبير من الأسلحة والمقاتلين جعل الكفة تميل لصالحهم في منطقة الشرق، وصعّب من مهمة الجيش الذي إذا قضى على عشرة فإن التنظيم يرسل بدله مائة في اليوم المواليالميناء والمطار مفتوحان، والدعم بمختلف أنواعه يتدفق على الخصوم، والعالم يتفرج علينا ونحن نتخبط مقابل اكبر تنظيم عجزت عنه أقوى جيوش العالم“.

 

خطرٌ مشتَرك على الجزائر ومصر

وعن الجزائر، قال مصدرنا الأمني إن الخطر الكبير سوف يأتيها من الجنوب، حيث تتواجد أقوى وأكبر معسكرات التدريب التي يتم تمويلها عبر مطارات الجنوب، وحتى عبر تهريب السلاح من الدول المجاورة، مشيرا إلى أن معظم الأمراء في ليبيا هم جزائريو الأصل حسب المعلومات الاستخباراتية التي جمعوها والتي وجدوا من خلالها أن هؤلاء كانت لهم علاقة وطيدة بتنظيمالقاعدة، بل إنهم من أكثر الرؤوس طلبا لدى المخابرات الجزائرية، وهنا يشير محدثنا إلى عدم وجود تنسيق بينهم وبين الجزائر رغم أن الموضوع يهمّها ويشكل خطرا حقيقيا ضدهاولا ننسى هنا أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بايع داعش بعد أن فقد دوره الكبير داخل الجزائر نتيجة التضييق الأمني، زيادة على نقص المال والدعم الذي أصبح كله موجهاً إلىدامشأيالدولة الإسلامية في المغرب والشام، ما جعل هذا التنظيم بمختلف أطيافه حتى التي لم تكشف عن نفسها اليوم، تعمل معداعشسرا وتستفيد من تمويلها مقابل جلب أكبر عدد من المقاتلين الجزائريين ذوي التوجهات الإسلامية.

أما مصر، فحسب مصدرنا هي الدولة الأكثر استهدافا اليوم أيضا من طرف العديد من التنظيمات الإرهابية التي تنمو يوما بعد يوم داخل ترابها رغم محاولات الجيش المصري القضاء عليهافي مصر مقاتلون أجانب كثيرون حسب المعلومات الموجودة لدينا: من أفغانستان وليبيا ومالي والمغرب وباكستان والصومال وحتى تونس والسودان وغيرها، وهنا ينسق تنظيم أنصار الشريعة داخل ليبيا مع تنظيمات عديدة في مصر، خاصة جماعات أنصار بيت المقدس، وأجناد مصر وأنصار الشريعة التي يقع مقرّها بسيناء، كما اكتشفنا أن هناك معسكرا خاصا بتدريب شبان الإخوان المسلمين الذين فروا من مصر منذ قرابة عامين.

 

داعش يقسّم ليبيا

وحسب التقارير الأولية التي تحصلت عليها المصادر الأمنية الليبية والتي تحصلتالشروق اليوميعلى معلوماتها الأوّلية، فإن تنظيم ما يسمى داعشتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشامأودامشالجديدةتنظيم الدولة الإسلامية في المغرب والشام، قسّم ليبيا تقسيما مبدئيا الهدف منه بسط سيطرته وفرض امتداداته إلى باقي المناطق، فبحسب التقارير الاستخباراتية الليبية، فإن التنظيم قسم ليبيا إلى مناطق سيتم السيطرة عليها وفق مسافات ومعايير معيّنة والمحافظة على الحاضنة الشعبية والقبلية في الكثير من المناطق.

 هذا كمرحلة أولى، أما المرحلة الثانية فهي بسط السيطرة على المدن القريبة مثل درنة التي توصلهم للسيطرة على منطقة القبة التي كثيرا ما شهدت عمليات تفجير ومحاولات أخرى، كما تحمل المنطقة خلايا نائمة كثيرة يمكن أن تساعدهم على الدخول إليها، ومن ثم يعمل التنظيم على التوسع في الاتجاه الغربي باتجاه منطقة بنغازي التي يقع جزء كبير منها في يد تنظيمات إرهابية عديدة منها أنصار الشريعة والجماعة المقاتِلة والدرع 1، ومن هذه الأخيرة سيعمل التنظيم على بسط نفوذه علي شرق المدينة منها منطقة المرج التي تتواجد بها أكبر غرفة عمليات عسكرية للفريق أول خليفة حفتر، وهي الغرفة التي تسيّر كل الغرف في المناطق التي تقع تحت سيطرة الجيش من الشرق إلى الجهة الغربية إلى غرفة منطقة الجنوب.

أما التنظيمات الموجودة في منطقة أجدابيا فقد أوكل لها التوجّه غرباً للسيطرة على الحقول النفطية، وعن معقل التنظيم سرت فهي تستعد الآن لأكبر هجوم والتوجه غربا لبسط السيطرة على منطقة مصراتة التي لا تبعد عنها سوى بـ200 كلم فقط، ومن ثم التوجه إلى العاصمة الليبية طرابلس، ولا ننسى هنا، حسب مصادرنا، أن أغلبية القيادات في مصراته من التيار الإخواني الذي يلقى الدعم العسكري من الدول الداعمة له مثل قطر وتركيا، رغم انه نفس التيار الذي يلقى المعارضة من قبل القيادات الأخرى التي سبق ونسقت معه في عملية ما يسمىفجر ليبيا، ورغم تلك المعارضة، إلا أن دعم تلك التنظيمات أكبر، خاصة وان بلحاج يقف معها عن طريق مطار امعيتيقة الذي سيكون الشريان الرئيسي للإمدادات في حال الهجوم على العاصمة طرابلس، طبعا كل هذا حسب آخر التقارير الأمنية الواردة لجهاز الاستخبارات، في حين سيوكل لمنطقة الزاوية دخول وبسط السيطرة على منطقة ورشفانة التي تم تحريرها منذ ما يقارب الشهرين فقط، وإذا سقطت منطقة ورشفانة مجددا فهذا يفتح فرضية الدخول إلى منطقة الزنتان أيضا، المنطقة التي بقيت صامدة في وجه كل التنظيمات منذ أكثر من سنة، أما منطقة صرمان التي يسيطر على معظمها التنظيم، فمهمتها التمدد إلى الحدود الليبيةالتونسية، كل هذا سيتم بتحريك الخلايا النائمة الموجودة في كل المناطق ويكون دورها الترهيب بالتفجيرات والعمليات النوعية.   

أما المرحلة الثالثة، فهي حسب نفس التقارير الأمنية، ستكون التوجه إلى الجنوب بعد السيطرة على الشريط الساحلي لدعم مجموعات تنظيمداعشهناك، ومن ثم السيطرة الكاملة على باقي التراب الليبي، ولا ننسى هنا مبايعة معظم التنظيمات الإرهابية في الجنوب سواء الجزائرية أو الإفريقية التي وإن كانت تعمل سرا معداعشفإنها ستكشفها علانية في الأيام المقبلة، كل هذا طلبا للغطاء والدعم وبسط السيطرة والعودة بقوة داخل البلدان التي تنشط بها.

مقالات ذات صلة