-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دبلوماسية التنمية: التعاون بين الأمن وحتمية الجغرافيا

دبلوماسية التنمية: التعاون بين الأمن وحتمية الجغرافيا

على وقع التحولات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الساحل الإفريقي، وتبعا لاجتماع المجلس الأعلى للأمن بالجزائر بتاريخ 20 أكتوبر 2026 تحت رئاسة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، قام الرئيس بإخطار البرلمان بغرفتيه بتاريخ 22 أكتوبر بمشروع قرار يقضي بـ”إرسال وحدات من الجيش الجزائري إلى النيجر”، مستندا إلى التعديل الدستوري لسنة 2020، ولاسيما المادتين 30 و91 اللتين تسمحان للجيش بالقيام بمهام خارج الحدود الوطنية. وهو ما استدعى انعقاد البرلمان بغرفتيه في جلسة مغلقة لكل منهما بتاريخ 25 أكتوبر، وصادق بالإجماع على قرار الإرسال.

وقد أتى هذا القرار الاستثنائي استجابة لطلب رسمي من السلطات النَّيْجرية. غير أن هذا التحول في عمل الجيش الجزائري يطرح تساؤلا جوهريا هو: كيف يوفق القرار بين ثوابت السياسة الخارجية الجزائرية القائمة على حسن الجوار وعدم التدخل، وبين حتمية شعار “الأمن أولا” لصون المصالح الطاقوية والإستراتيجية في عمق إقليمي يغلي بالتوترات والتواجد الأجنبي؟

الطابع السياسي– الأمني للقرار

إن الأسلوب السياسي والإعلامي الذي أُدير به الملف يحمل دلالات عميقة حول طبيعة القرار ومراميه. وما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو تولي السيد أحمد عطاف، وزير الشؤون الخارجية، مهمة تقديم وعرض ملف الإخطار ومناقشته أمام نواب البرلمان بغرفتيه، بدلا من إسناد الأمر إلى المؤسسة العسكرية، سواء بتولي ممثل عن وزير الدفاع رئيس الجمهورية، أو الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني السيد سعيد شنقريحة.

هذا الاختيار البروتوكولي والسياسي البحت لم يكن مصادفة، بل يعكس الطبيعة السياسية والأمنية للعملية، وإبعادها عن ملمح الطابع القتالي أو الهجومي، فالوحدات المرسَلة ستضطلع بمهام محددة ترتبط بتأمين البنى التحتية الحيوية ودعم الاستقرار، كما عبَّر عن ذلك بيان رئاسة الجمهورية؛ لتكون استكمالا للجهود الجزائرية السابقة في مرافقة الجيش النَّيْجري وتقديم الدعم الإسنادي له عقب التطورات الأمنية والسياسية التي شهدتها الجارة النيجر في محاولة الانقلاب يوم 29 أوت الماضي، والتي جاءت بعد يومين من زيارة الرئيس النيْجَري للجزائر، إذ قدّمت فيها الجزائر دعما مباشرا بإرسال طائرات عسكرية للمساندة في بسط الأمن والاستقرار.

وبهذا، تُرسل الجزائر رسالة واضحة مفادها أن التحرك يأتي في إطار استجابة سيادية لطلب رسمي، ينضبط تحت العمل الدبلوماسي والأمني المشترك، بعيدا عن أي منطق للتدخل العسكري المباشر أو الهيمنة الإقليمية.

بين احترام السيادة ومعادلة “الأمن أولا“.

يشكل هذا القرار امتحانا عمليا لمدى مرونة العقيدة الدبلوماسية للجزائر التي طالما تمسَّكت بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحسن الجوار. غير أن التحولات العالمية التي برزت في تبني القوى الدولية عقيدة أمنية طافحة تقوم على تأمين إمدادات الطاقة باعتبارها أمنا حيويا قوميا، يضاف إليها الواقع الأمني المعقد في منطقة الساحل الإفريقي، وهو ما فرض مقاربة براغماتية جديدة لا تتعارض مع المبادئ الثابتة، بل تتكامل معها من حيث الهدف في الحفاظ على أمن الدول الجارة ودعم استقرارها.

ولا ينفكُّ هذا التوجه عن الواقع المشترك العرقي والروابط التاريخية العميقة بين البلدين؛ إذ يتقاسم الشعبان جوارا ديموغرافيا حيا تترجمه قبائل وعائلات عريقة تقتسم جغرافية الحدود المشتركة، حيث يعيش نصفُها في التراب الجزائري والآخر في العمق النيْجَري، مما يجعل أمن النيجر امتدادا مباشرا للأمن الاجتماعي والمجالي للجزائر.

ومن هنا، تكرس الجزائر معادلة “الأمن أولا” كأولوية عليا لا تتصادم مع الدبلوماسية الكلاسيكية؛ فاستقرارُ النيجر ليس شأنا داخليا بحتا ينعزل عن الأمن القومي الجزائري، بل هو امتداد جغرافي واجتماعي واستراتيجي حيوي يفرض تجاوز القيود التقليدية نحو الفعل الاستباقي المدروس، والمحكوم بالشرعية الدستورية.

حماية المصالح الاقتصادية الكبرى وأمن الطاقة

لا يقتصر البعد الأمني على حفظ الاستقرار السياسي فحسب، بل يمتد ليشمل مظلة حماية المشاريع الاستثمارية الجزائرية الإستراتيجية في العمق النيْجَري. وفي مقدمة هذه المصالح الحيوية يأتي مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (NIGAL) الاستراتيجي، و هو الاستثمار الأضخم الذي يتطلب مرافقة وحماية أمنية دائمة، والذي يمثل شريان طاقة مستقبلي يربط إفريقيا بأوروبا عبر الجزائر، إضافة إلى محطات توليد الكهرباء والبنى التحتية الحيوية التي أقامتها شركة “سونلغاز”، والأنشطة الاستثمارية لشركة “سوناطراك”.

إن تأمين هذه الشرايين الطاقوية، إلى جانب ضبط وتأمين الحدود المشتركة، يجري في إطار تعاون وثيق وتنسيق متواصل مع الدولة والجيش في النيجر، بما يزاوج بين البعد التنموي المستدام وحماية الاستثمارات الوطنية في الخارج واليقظة الأمنية الاستباقية لصون الأمن القومي الشامل.

الرهانات الجيوسياسية والتواجد الدولي في الساحل

في خضم هذا المشهد الاستثنائي، تحاول بعض الأطراف اتِّهامَ الجزائر بالتحول نحو نزعة “توسعية”. غير أن القراءة الموضوعية تفنِّد هذه المزاعم؛ فالجزائر في الحقيقة تحركت لحماية أمنها القومي في عمق استراتيجي يعج بالقوى الأجنبية المتصارعة وأجنداتها الإقليمية، وصولا إلى الاختراق الخطير المتمثل في التحالف الثلاثي (الإسرائيلي-الإماراتي- المغربي) الذي يتربص بالحدود الجنوبية. ومن هذا المنطلق، فإن تحرك الجيش الجزائري ليس تمددا هجوميا، بل هو خطوة دفاعية استباقية لإحباط أي محاولات لتحويل الساحل إلى منصة خلفية لاستهداف الأمن القومي الجزائري في ظل توحش الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة.

ومن جهة أخرى، يثير البعض تخوفات مشروعة حول سيناريو تحول هذه الخطوة إلى فخ استدراج يزج بالجيش في حرب استنزاف طويلة المدى أو حرب عصابات غير تقليدية، في عمق جغرافي معقد وواسع يمتد كرواق قاري مفتوح من المحيط الأطلسي غربا إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي شرقا. غير أن العقيدة العسكرية الجزائرية، المستندة إلى خبرة طويلة في مكافحة الإرهاب، تدرك جيدا هذه المخاطر؛ فالعمليات لا تستهدف التورط في وحل المواجهات المفتوحة، بل ترتكز على إستراتيجية التواجد والدعم اللوجستي والإسناد الاستخباري للجيش النيْجَري وحماية النقاط الحيوية والمحاور الطاقوية القريبة، جاعلا من العمق النيجري خط دفاع أول ومدروس بدقة يقطع الطريق أمام نقل المعركة إلى داخل التراب الجزائري.

في الأخير، تثبت هذه الخطوة الإستراتيجية الشُّجاعة أن الجزائر، وإن تمسكت بثوابت دبلوماسيتها، إلا أنها تدرك جيدا متطلبات اللحظة الراهنة التي لا تقبل الفراغ؛ فالتصدي للتحديات الوجودية في الساحل الإفريقي حتمية تفرضها الجغرافيا والمصير المشترك.

وبالمحصلة، فإن مصادقة البرلمان على قرار إرسال الوحدات تؤكد أن معادلة “الأمن أولا” قد أصبحت العقيدة العملياتية الجديدة التي تزاوج بين صيانة السيادة وحماية المصالح الإستراتيجية الكبرى. إنها رسالة صلبة تفيد بأن أمن الجزائر يبدأ من عمقها الإقليمي، وأن اليد الممدودة للتعاون والتنمية هي ذاتها اليد الحازمة التي تحمي الاستثمارات وتصون استقرار المنطقة برمتها.

تحاول بعض الأطراف اتِّهامَ الجزائر بالتحول نحو نزعة “توسعية”. غير أن القراءة الموضوعية تفنِّد هذه المزاعم؛ فالجزائر في الحقيقة تحركت لحماية أمنها القومي في عمق استراتيجي يعج بالقوى الأجنبية المتصارعة وأجنداتها الإقليمية، وصولا إلى الاختراق الخطير المتمثل في التحالف الثلاثي (الإسرائيلي-الإماراتي- المغربي) الذي يتربص بالحدود الجنوبية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!