الرأي

دبلوماسية لعق الأحذية

يقول المتنبي: “قومٌ إذا مسّ النِعال وجوههم شكَتِ النعال بأيّ ذنب تُصفَع”.

الحرب الدبلوماسية، إن صحّ وصفها، الدائرة رحاها بين الدبلوماسية الجزائرية ونظيرتها في بلاد مراكش، هي حربٌ بين دبلوماسية عجنتها عقود من المقاومة والثورة بالسلاح والدماء، فكانت ترى جهدها أضعف الإيمان وحتى اللاإيمان، إذا لم تُقرنه بالكفاح المسلح، ودبلوماسية على النقيض تلعق حذاء من يضع قدمه على وجهها، من زمن “المارشال هوبير ليوطي” إلى زمن الإرهابي بنيامين نتانياهو، ثم تصف آثار الدوس بالحذاء أو سواد اللسان من اللعق، انتصارا، تتغنى به في بلاط مزركش بمومسات وحشيش.

فترة الحماية الفرنسية على بلاد مراكش التي دامت من سنة 1912 إلى غاية 1956، نقلت التجربة الملكية في السيطرة على شعب، علموه أن العبودية قدَرٌ مُمتع، لا يجب التفكير في التخلص منه، فلم تكن فرنسا ترسل جُندا ولا حتى شرطة إلى بلاد مراكش، وكأنها تتعامل مع “قطيع” تساق بأهلها، فظهر”المقيمون العامون”، وهم من أبناء الشعب الذين كانوا يتولون قهر الشعب، بحجة أنهم أعيانٌ وقيّاد، أداروا رغبة فرنسا عن بُعد، من أمثال التهامي الكلاوي وميلود بلهاشمي وخاصة الملوك الذين كانوا يحمون الاستعمار، ويتآمرون معه على الشعب، ويتوارثون رقاب الناس.

وعندما يبدأ كيان بهذا الإذلال والاحتقار لكل ما يدبّ في البلاد من أهل البلاد، فإنه سيجعل من اللعق والدوس، في الوقت ذاته، ثقافة حياة يعتبرها هو طبيعية، ويراها العالم قمة الذل.

الدبلوماسية الجزائرية، هي ككل الدبلوماسيات في العالم، تخوض معارك قد تنتصر في بعضها وقد تخسر أيضا، ولكنها لا تؤثر أبدا على مصير الحرب الكبرى في سبيل العزة والحق، تقول كلمتها في المحافل الدولية دون النظر إلى من شرّقت أو غرّبت تلك البلاد، أو فرحت بقرارها أو غضبت، ما دامت على قناعة أنها على حق، بينما نرى في الجهة المقابلة دبلوماسية لا تهلل لما تسميه انتصارا، إلا مقرونا بجملة “ترامب قال ونتانياهو فعل، حتى لا تكاد تذكر نفسها، بل إنها لا تذكر نفسها إطلاقا.

الذين يلومون بلاد مراكش في تعوّدها على حمل الألوان ورسم الخرائط كما يحلو لنزواتها، والتنظير والفرح بانتصارات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، ربما لا يعلمون بأن نظام مراكش والبلاط، عاشوا الألوان والحبر السري من زمن قهر ثورة الريف ضد الاستعمار الفرنسي بأهل البلد نفسه، إلى زمن تغريدة ترامب التي أصبحت عيدا وطنيا للنصر في بلاد لا تنتصر بأهلها أبدا.

مغالطة كبرى أن نَصِف ما يحدث بين الدبلوماسية الجزائرية وبلاد مراكش بـ”المعركة”، فتعريفُ كلمة معركة دبلوماسية يعني الصراع السياسي والتفاوضي الشريف، الذي تخوضه الحركات التحررية والدول لإقناع الرأي العامّ العالمي بعدالة قضية ما، ولكن الطرف المراكشي، حوَّلها إلى سوق نخاسة ونكد ونجاسة، عُرفت في زمن قديم، بأنها أسواق بيع وشراء العبيد والرقيق، وهي الآن تبيع الشرف والعزة، وتفتخر بذلك، وكأن المتنبي كان يعنيها عندما قال:

“لا تشتر العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد”.

مقالات ذات صلة