العالم
51 دولة مولت وشاركت في حرب الإبادة

دراسة فلسطينية تستشرف مستقبل تدفق السلاح إلى الاحتلال

عبد السلام سكية
  • 357
  • 0
ح.م

رسمت دراسة تحليلية – قانونية صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أربعة سيناريوهات لمستقبل تدفق السلاح إلى دولة الاحتلال، معتبرة أن مسار الحرب على غزة خلال السنوات المقبلة لن يتحدد فقط بالميدان العسكري، وإنما أيضاً بقدرة المجتمع الدولي على فرض قيود قانونية وسياسية على صادرات السلاح، أو استمرار الفجوة بين المواقف السياسية المعلنة والممارسات الفعلية للدول الموردة.
وتستند الدراسة، التي أعدها الباحث إبراهيم الحواجري، إلى تحقيق استقصائي نشرته شبكة الجزيرة الإنجليزية، مدعوماً ببيانات مستقلة من معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، ومرصد التعقيد الاقتصادي (OEC)، إلى جانب تقارير أممية وحقوقية، لتقديم قراءة قانونية وسياسية لمسؤولية الدول التي واصلت تزويد دولة الاحتلال بالسلاح خلال الحرب على قطاع غزة.
وأكد المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن البيانات التي اعتمدتها الدراسة وثقت دخول 2603 شحنة عسكرية من 51 دولة إلى دولة الاحتلال خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025، بقيمة بلغت 3.22 مليار شيكل، موضحاً أن 91 بالمائة من قيمة هذه الشحنات وصلت بعد التدابير الاحترازية التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في 26 جانفي 2024، والتي حذرت من وجود “خطر محتمل” لوقوع إبادة جماعية في قطاع غزة.
وأضاف المركز أن استمرار عمليات التوريد بعد ذلك التاريخ “لا يعكس مجرد ثغرة تقنية في التنفيذ، بل يكشف عن نمط منهجي تديره فجوة بين التصريحات السياسية والالتزامات القانونية”، وهو ما دفع الدراسة إلى استشراف المسارات المحتملة لهذا الملف خلال المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول… استمرار الوضع القائم
ورجحت الدراسة أن يكون السيناريو الأول، القائم على استمرار تدفق السلاح دون قيود فعلية، هو الأكثر احتمالاً على المدى القريب.
وأوضح المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن هذا السيناريو يقوم على استمرار الدول الموردة في إصدار مواقف سياسية تدعو إلى احترام القانون الدولي، مع الإبقاء في الوقت نفسه على التراخيص السابقة لتصدير الأسلحة، أو استخدام آليات تسمح باستمرار وصولها بصورة غير مباشرة.
وأضافت الدراسة أن أحد أبرز مؤشرات هذا السيناريو يتمثل في استمرار العمل بما يعرف بـ”تراخيص الدمج”، التي تسمح بنقل مكونات عسكرية إلى دول وسيطة قبل إعادة تصديرها إلى الاحتلال، وهو ما يتيح استمرار الإمدادات رغم إعلان بعض الحكومات تعليق التصدير.
كما اعتبرت الدراسة أن استمرار استحواذ الولايات المتحدة والهند على أكثر من 65 بالمائة من إجمالي قيمة الواردات العسكرية سيشكل دليلاً إضافياً على بقاء هذا السيناريو قائماً، مرجحة تحققه خلال العامين المقبلين.

قيود جزئية وانتقائية
ويرى المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، أن السيناريو الثاني يتمثل في توسع تدريجي لقيود التصدير، خاصة داخل أوروبا، نتيجة الضغوط القضائية والاحتجاجات الشعبية المتزايدة.
وأوضحت الدراسة، أن هذا المسار لن يعني وقفاً شاملاً لصادرات السلاح، وإنما انتقال بعض الحكومات من تجميد إصدار التراخيص الجديدة إلى سحب التراخيص السابقة بصورة فعلية، وهو ما من شأنه تقليص جزء من الإمدادات العسكرية.
وأشارت إلى أن نجاح الدعاوى القضائية المرفوعة ضد الحكومات المصدرة، وصدور قوانين ملزمة بحظر تصدير السلاح، على غرار التشريع الإسباني، سيكونان من أبرز المؤشرات التي قد تدفع نحو تحقق هذا السيناريو خلال عامين إلى ثلاثة أعوام.

اتساع دائرة المساءلة
أما السيناريو الثالث، فتصفه الدراسة بأنه مرحلة تصاعد المساءلة القانونية الدولية، سواء أمام المحاكم الوطنية أو الهيئات القضائية الدولية.
وأكد المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن هذا المسار يستند إلى ما ورد في تقرير لجنة التحقيق الدولية لعام 2025، إضافة إلى المادة السادسة من معاهدة تجارة الأسلحة، والتي تنص على عدم الترخيص بنقل الأسلحة عند وجود خطر واضح باستخدامها في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
وترى الدراسة أن توسع الدعاوى القضائية ضد الدول والشركات المصنعة للسلاح قد يحول الملف من قضية سياسية إلى قضية قانونية ذات تبعات مباشرة على الحكومات والشركات المشاركة في سلاسل التوريد.
وأضافت أن نجاح هذا السيناريو يبقى مرتبطاً باستمرار جهود المنظمات الحقوقية والإعلام الاستقصائي في توفير الأدلة والوثائق التي تدعم مسارات التقاضي.

إصلاح النظام العالمي لتجارة السلاح
وفي السيناريو الرابع، تتوقع الدراسة حدوث إصلاح بنيوي لمنظومة تجارة السلاح العالمية، عبر مراجعة قواعد تصدير الأسلحة وتشديد الرقابة على استخدامها النهائي.
وأوضح المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، أن هذا السيناريو يشمل فرض آليات إلزامية للتحقق من الجهة المستخدمة للأسلحة، ومنع استخدام “تراخيص الدمج” التي تسمح بمرور المعدات العسكرية عبر دول ثالثة قبل وصولها إلى وجهتها النهائية.
غير أن الدراسة ترى أن هذا السيناريو يبقى الأقل احتمالاً في المستقبل المنظور، بالنظر إلى تشابك المصالح الاقتصادية والإستراتيجية للدول الكبرى مع الصناعات العسكرية العالمية.

تداعيات تتجاوز الحرب
واعتبرت الدراسة أن ملف تدفق السلاح إلى إسرائيل مرشح ليصبح أحد أبرز ملفات القانون الدولي خلال السنوات المقبلة، في ظل تزايد الدعاوى القضائية، واتساع النقاش حول مسؤولية الدول الموردة عن الانتهاكات المرتكبة في النزاعات المسلحة.
وأكد المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن استمرار توريد الأسلحة بعد التحذيرات الصادرة عن محكمة العدل الدولية، وما تبعها من تقارير أممية، قد يدفع إلى إعادة تقييم الالتزامات القانونية للدول الأطراف في اتفاقية منع الإبادة الجماعية ومعاهدة تجارة الأسلحة.
وفي ختام الدراسة، دعا المركز الفلسطيني للدراسات السياسية إلى إنشاء قاعدة بيانات فلسطينية متخصصة لرصد شحنات السلاح، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الإعلامية الاستقصائية، ودعم مسارات التقاضي الاستراتيجي في الدول التي تسمح تشريعاتها الوطنية بذلك.
كما أوصى بتوظيف الفجوة بين المواقف السياسية المعلنة وبيانات التصدير الفعلية في حملات المناصرة الدولية، ومتابعة أنماط إعادة التسلح خلال فترات الهدنة، إلى جانب تطوير خطاب إعلامي يعتمد على الأرقام والوثائق والمصادر الأولية، بهدف تعزيز ملف المساءلة الدولية بشأن الحرب على غزة.

مقالات ذات صلة