الرأي

درسٌ هِندي للمسلمين

حسين لقرع
  • 3793
  • 0

حققت الهند مؤخرا رقما قياسيا عالميا في مجال العلوم والتكنولوجيا بإطلاق 104 أقمار صناعية متعدِّدة المهام إلى الفضاء في يوم واحد، بعد سنواتٍ من البحوث والعمل الجاد.

الهند كانت دولة مستعمَرة إلى غاية عام 1947، لكنها لم تعلّق تخلفها في العقود الماضية على شمّاعة الاستعمار، ولا على كثرة عدد سكانها كما تفعل دولٌ عربية وإسلامية عديدة، بل اتخذت ذلك عاملا مساعِدا لتحقيق نسب نموّ كبيرة في السنوات الأخيرة من خلال إشراك 561 مليون مواطن في التنمية من مجموع 1.2 مليار نسمة، ما جعل اقتصادها من بين الأسرع نموا في العالم بنسبة 7.3 بالمائة، ورفعَ إجمالي ناتجها القومي إلى 1237 مليار دولار، لتحتل بذلك المرتبة الـ12 في قائمة أكبر الاقتصادات العالمية، وهناك توقعاتٌ بأن تصبح الهند القوةَ الاقتصادية الثالثة عالميا في غضون عام 2025 بعد أمريكا والصين بناتجٍ قومي يناهز الـ5 آلاف مليار دولار، بل إن بعضهم يرشّح اقتصادها للتفوّق على الاقتصاد الأمريكي نفسه في عام 2034، دون أن ننسى أن الهند هي القوة النووية السادسة والعسكرية الثالثة عالميا…

والمعروف عن الهند كثرة الديانات والطوائف والمِلل والنِّحل، وكذا كثرة اللغات (221 لغة يعترف بها الدستور الهندي) واللهجات (1652 لهجة) والأعراق والثقافات.. لكن كل ذلك لم يكن عاملا للتنافر والصراعات والفتن غير المنتهية، بل تجاوزت الهند الصراعات الناجمة عن هذه العوامل منذ التسعينيات وحوّلتها إلى عنوانٍ للثراء الثقافي وتعميق قيم التعايش والتسامح بين جميع مواطنيها على أساس الهوية الوطنية الهندية الجامِعة لمختلف الطوائف والأعراق دون تمييز… 

في عالمنا العربي والإسلامي الصورة قاتمة؛ فباستثناء تركيا وماليزيا وأندونيسيا التي بدأت تخطو خطوات اقتصادية بوّأتها مكانة عالمية محترمة، فإن بقيَّة الدول غارقة في التخلف ولو بدرجات متفاوتة، والتبعيةِ للخارج في شتى المجالات حتى الغذاء والدواء، واقتصادياتها هشة قابلة للانهيار في أي وقت، كما ترزح تحت نير الاستبداد والفساد ونهب أنظمتها الحاكمة لثرواتها ومعاداتها للعلم والبحث العلمي وتهجيرها للأدمغة لتساهم في تقدّم شتى بلدان العالم. وفوق ذلك، فقد عجزت هذه البلدان عن الانتقال الديمقراطي وكانت ثورات بعض شعوبها وبالاً عليها وحوّلتها إلى دولٍ فاشلة غارقة في فِتن مُزمنة، كما عجزت عن حلِّ خلافاتها الطائفية والعِرقية ودخلت في حروبٍ أهلية وبينية تقوّض مقدراتِها أكثر وتُهدر دماء شعوبها بلا طائل، وتهدد بإعادة تقسيمها من 56 دولة إلى مئات الدويلات الهزيلة المتناحرة طائفيا وعرقيا ولغويا…

الهند تطلق 104 أقمار صناعية في يوم واحد وتحقق فتحا علميا كبيرا، والاختراعات الجديدة تُسجّل يوميا “تدفّقا” كبيرا في مختلف أنحاء العالم دون أن يساهم العرب والمسلمون فيها إلا بنزر يسير لا يلفت انتباه أحد، أغلبُهم لا يزال يعيش على هامش التاريخ، لا يساهمون في النهضة التكنولوجية العالمية، ويكتفون باستهلاك ما ينتجه الآخرون، ولا يستطيعون حتى إنتاج سيارة دون استعانةٍ بالمصانع الأجنبية.. الاختراعات ذات النوعية متوقفة عندهم منذ أكثر من خمسة قرون، وأصبحوا الآن يبدون للعالم فائضا بشريا متخلفا وعالةً على مختلف الأمم وتهديدا للآخرين.. وبلا مبالغة: أليست الصورة مُخجلة وبالغة القتامة؟ 

مقالات ذات صلة